بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 188

فلا سبيل لدعوى إحراز قيام السنّة اللفظيّة على جواز التقليد؛ لندرة وجود مجتهدين متّفقين في الفتيا في جميع المسائل المبتلى بها. نعم، إنّ لدعوى عدم الإطلاق فيما دلّ على جواز التقليد بالمفهوم، ثمّ إنّه استدلّ بعضهم لجواز تقليد المفضول عند وجود الأفضل بإطلاق آيتي النفر و السؤال، بتقريب أنّ حملهما على صورة تساوي النافرين في الفضيلة حمل على فرد نادر.

و أورد عليه في المستمسك:

أنّ ندرة تساوى النافرين و المسؤولين مسلّمة، لكنّها غير كافية، إلا مع ندرة الاتّفاق في الفتوى و هي ممنوعة.

ثمّ قال دام بقاؤه:

بل ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان دليلًا على جواز الرجوع إلى غير الأعلم.[1]أقول: إنّ ندرة الاتّفاق في الفتوى مسلّمة أيضاً؛ فإنّ وجود مجتهدين متّفقين في الفتوى في جميع المسائل المبتلى بها في زمان واحد بعيد جدّاً، بل لو وقع ذلك لكان اجتهاد أحدهما مورداً لسوء الظنّ، و محلًا للتعجّب.

كيف و كلّ نفس مختلفة عن الأُخرى في قوى الفهم و الحافظة و سرعة الانتقال و بطئه، و سرعة حصول الوثوق و بطئه.

و كذا استحضار النظائر، و الذوق العرفي، و أحوال الاستنباط مختلفة في النفوس. مع أنّ وجود الاختلاف في الفتوى في الجملة بين النافرين، و المسؤولين كاف لإثبات المطلوب، و ذلك ممّا لا يجوز نفيه بحسب العادة. هذا بالنسبة إلى مجتهدين معاصرين فضلًا عن مجتهدين غير معاصرين.

و أمّا قوله دام ظلّه: «ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان دليلًا» إلخ فلا يخلو من خفاء؛ فإنّ إحراز الاختلاف في الفتوى بين فقهاء أصحاب الأئمّة المعصومين «سهل يسير، فإنّ كثيراً ما وقع الاختلاف في الفتوى بينهم في مسائل حتّى اشتهرت عدّة منهم‌

[1]المستمسك، ج 1، ص 27.


صفحه 189

بفتاوٍ خاصّة، و قد مرّت الإشارة إلى ذلك قبلًا.

و نزيدك هنا: أنّ الدليل المحرز كثرة وقوع الاختلاف في الفتوى بينهم، و أنّ النسبة بين الفروع التي كان حكمها مشهوراً عند قدماء الأصحاب، أو محلّا لإجماعهم؛ و الفروع التي لم يكن حكمها كذلك نسبة الآحاد إلى العشرات، بل إلى المئات.

فراجع نهاية الشيخ، و مراسم سلار، و الكافي لأبي الصلاح، و مقنعة المفيد، و مهذّب ابن البرّاج، حتّى ترى صحّة ما قلناه، بل نظرة إجماليّة إلى كتاب مختلف الشيعة للعِمة الحلّي تثبت ما ذكرناه.

تنبيه: قال المدقّق الأصفهاني في تقريب الاستدلال بإطلاقات الباب:

إنّ شمولها لصورة التفاوت في الفضيلة، و الاختلاف في الفتوى ممّا لا ينبغي إنكاره؛ لكثرة الاختلاف في الفتوى، و وضوح التفاوت بين العلماء، و إلا لم يكن دليل على حجّيّة أحد المتعارضين، سواء كانا متفاوتين في الفضل أم لا، و شمولها لصورة التعارض إنّما يستلزم محذوراً إذا كانت حجّيّة كلّ منهما تعيينيّة فعليّة، لا تخييريّة، و لو بحكم العقل. و مفاد الأدلة و إن كانت حجّيّة كلّ فتوى تعييناً لا تخييراً. إلا أنّ المعارضة و عدم إمكان الامتثال يمنع عن فعليّة حجّيّتها التعيينيّة لا التخييريّة.[1]أقول: هذا الكلام قد نشأ من قياس دليل حجّيّة الفتوى بدليل حجّيّة الخبر، و لذا قال: «إنّ التخيير في صورة المعارضة جاء من ناحية أمر خارج من دلالة نصوص الحجّيّة» و هو حكم العقل؛ بناء على حجّيّة الطرق من باب الموضوعيّة؛ لدخولها في باب التزاحم، أو النصوص العلاجيّة؛ بناء على حجّيّة الطرق من باب الطريقيّة؛ فإنّ مقتضى حكم العقل سقوط المتعارضين عن الحجّيّة.

لكنّ التحقيق خلاف ذلك؛ فإنّ لسان دليل حجّيّة الفتوى مغاير للسان دليل حجّيّة الخبر؛ إنّ دليل حجّيّة الفتوى بنفسه دالّ على التخيير بين المفتين إذا تعدّدوا.

فانظر إلى أية الذكر الحاكمة بوجوب السؤال عن أهل الذكر لدى الجهل، فإنّ‌

[1]نهاية الدراية، ج 6، ص 407.


صفحه 190

المتبادر منها أنّ الجاهل مختار في السؤال من أي واحد من أهل الذكر إذا كانوا متعدّدين، فالآية بنفسها دالّة على التخيير.

ثمّ انظر إلى نصوص الباب تجد صدق ما قلناه، فقوله(عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» ظاهر في أنّ من قصد الرجوع له الخيار في تعيين المرجع، و كذا سائر النصوص، فظهر الفساد في قوله(قده): «و مفاد الأدلّة و إن كانت حجّيّة كلّ فتى تعييناً».

لما عرفت من أنّ مفادها حجّيّة كلّ فتوى تخييراً و إنّ توهّم التعيين قد نشأ من قياس حجّيّة الفتوى بحجّيّة الخبر و توهّم اتّحاد لساني دليلي الحجّيّة. و كلّ واحد من التوهّمين باطل؛ فإنّ الخبر حجّة إلزاميّة، و الفتوى حجّة إرشاديّة، و أين إحداهما عن الأُخرى؟

و إن شئت التفصيل فاصغ لما نتلو عليك:

إنّ الحجّة عبارة عمّا يصحّ الاحتجاج بها عند العقلاء في مقام الجواب عن السؤال ب «لماذا».

فإذا قيل: لماذا اتّخذت هذا الرأي؟ و لماذا لم تتّخذ هذا الرأي؟ يسمّى الجواب المقنع لكلّ واحد من السؤالين بالحجّة.

و إذا قيل: لماذا فعلت؟ أو لماذا لم تفعل؟ فالجواب المقنع ما يصدّقه العقل، و هو الذي يسمّى بالحجّة.

ثمّ إنّ الحجّة تنقسم إلى عقليّة و شرعيّة: الحجّيّة العقليّة هي التي يصحّ التعويل عليها عن كلّ سؤال ب «لماذا» فهي الحجّة العامّة. و الحجّة الشرعيّة هي التي يصحّ الاحتجاج بها في الأُمور الشرعيّة.

و بعبارة أُخرى: ما يصحّ تعويل الفقيه عليها في فتياه، و ما يصحّ التعويل عليها في العمل بالأحكام الشرعيّة هي حجّة شرعيّة، فهي حجّة خاصّة، فإنّ كلّ حجّة شرعيّة عقليّة أيضاً. فإنّ الحاكم بصحّة الحجّة هو العقل دون سواه.

و تنقسم الحجّة إلى حجّة إلزاميّة، و إلى حجّة إرشاديّة: فالحجّة الإلزاميّة ما يجب‌


صفحه 191

عند العقل التعويل عليه، و الإلزام ممّا يقتضيه نفس الحجّة، و الحجّة الإرشاديّة ما يجوز التعويل عليه، و الإرشاد من خواصّها. و يجمع الحجّتين ما يصحّ التعويل عليه عند العقل.

فالحجج الإلزاميّة العقليّة كالبراهين الدالّة على المبدإ، و على المعاد، و على التوحيد، و على النبوّة و نحو ذلك.

و الحجج الإرشاديّة العقليّة كإخبار العالم، و رأي المتخصّص، و قول الخبير. و الحجّة الإرشادية تصير إلزاميّة عند الرجوع إليها و التعويل عليها.

ثمّ إنّ الحجج الإلزاميّة الشرعيّة كالأنبياء و أوصيائهم، فإنّهم حجج الله على العباد، فيجب الأخذ بأقوالهم و أفعالهم، و لذا قال(عليه السلام): «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر فلا يجوز لي ردّه»[1]و قال(عليه السلام): لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤدّيه عنّا ثقاتنا قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا، و نحمّلهم إيّاه إليهم، و عرّفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله»[2].

و لمّا كانت حجّيّة خبر الثّقة إلزاميّة وقع من يعوّل عليه في المشكلة عند تعارض الخبرين، فإنّ التعويل على المتعارضين ليس بجائز عند العقل، و لذا وقع السؤال عن حلّها عن المعصوم(عليه السلام)، فتفضّل(عليه السلام)بالجواب.

و الحجّة الإرشادية الشرعيّة و هي التي يجوز التعويل عليها في الشرع. هي: الفقهاء، و أهل الذكر، و رواة الأحاديث، و الناظرون في الحلال و الحرام. فيجوز الأخذ بآرائهم و أقوالهم و فتاواهم.

فإذا أخذ برأي فقيه، أو رجع إلى قول مجتهد تصير حجّة إلزاميّة له. و إذا رجع عنه إلى آخر يصير قول من رجع إليه حجّة إلزاميّة، و يعود قول من رجع عنه إلى حجّة إرشاديّة.

[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 143، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 17.

[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 149، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 40.


صفحه 192

و من المعلوم: عدم وقوع المعارضة بين الحجج الإرشاديّة؛ لعدم وجوب الأخذ بكلّ منها، و لذلك لم يقع سؤال عن المعصوم(عليه السلام)عن حكم اختلاف فقيهين في الفتوى مع كثرة اختلاف فقهائنا في الفتيا، كما مرّ.

عود إلى ذكر حجج القول بالتخيير في تقليد الأعلم.

الحجّة الثالثة: ما رواه الكشّي بسنده عن جميل بن درّاج‌

، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول:

«بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ‌بالجنّة: بريد بن معاوية العجلي، و أبا بصير ليث بن البختري المرادي، و محمّد بن مسلم، و زرارة، أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله و حرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة و اندرست»[1].

و ما رواه بسنده عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا و أحاديث أبي إلا زرارة، و أبا بصير ليث المرادي، و محمّد بن مسلم، و بريد بن معاوية العجلي، و لو لا هؤلاء ما كان أحد يستنبط، هؤلاء حفّاظ الدين، و أمناء أبي على حلال الله و حرامه، و هم السابقون إلينا في الدنيا و الآخرة»[2].

و تقريب الاستدلال بهما: أنّ ظاهر قوله(عليه السلام): «هؤلاء حفّاظ الدين، و أمناء أبي على حلال الله و حرامه». هو الإرجاع إلى كلّ واحد من الأربعة على سبيل التخيير، و من المعلوم بعد تساوي العلماء الأربعة في الفضيلة، بل ربّما يكون من المستحيلات العاديّة.

و إنّ إطلاق قوله(عليه السلام)متناول لصورتي اتّفاق هؤلاء الأربعة في الفتيا، و اختلافهم فيها، بل اتّفاقهم في جميع الفتاوى في جميع المسائل ممّا لا يقبله فاضل، و لعلّه مناف لاجتهاد كلّ واحد منهم الذي به صرّح النصّ.

و لا يخفى ما في قوله(عليه السلام): «ما كان أحد يستنبط» من الدلالة على الاجتهاد. و من‌

[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 142، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 14.

[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 21.


صفحه 193

الباب قوله(عليه السلام): «العمري و ابنه ثقتان» إلخ. فاحتمال أفضليّة الأب قوي جدّاً.

الحجّة الرابعة: عموم التعليلات الواردة في النصوص‌

عند الإرجاعات العموميّة العامّة، أو الخاصّة بالنسبة إلى فضلاء صحابتهم كقوله(عليه السلام): «فإنّه الثقة المأمون» و قوله(عليه السلام): «فإنّه سمع أبي و كان عنده مرضيّاً وجيهاً» و قوله(عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم».

الحجّة الخامسة: ديدن الأئمّة المعصومين «كان إرجاع الشيعة في كلّ ناحية إلى الفقيه الذي كان قريباً منهم‌

، و يشهد لذلك كلام علي بن أسباط: «و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك».

فالإمام الهادي(عليه السلام)أرجع أهل الري إلى عبد العظيم الحسني، و الإمام الصادق(عليه السلام)أرجع شعيب العقرقوفي إلى الأسدي يعني أبا بصير، و أرجع ابن أبي يعفور إلى محمّد بن مسلم الثقفي، و أرجع يونس بن يعقوب إلى الحارث بن المغيرة. و أرجعوا «آخرين إلى فقهاء آخرين.

و المستفاد من جميع ذلك كفاية الوصول إلى رتبة الفقاهة في المرجع، و عدم اشتراط وصف الأفضليّة عندهم «فيه، و إلا لكان ديدنهم «إرجاع الشيعة في كلّ عصر إلى الأوحدي من صحابتهم الذي هو أفضلهم.

الحجّة السادسة: سيرة المتشرّعة الإماميّة منذ عصر المعصومين إلى زمان الشيخ الأنصاري‌

. فإنّها جارية على أخذ المستفتين الفتيا من الفقيه الذي يقرب إليهم بحسب المكان عند احتمال أفضليّة فقيه آخر الذي يسكن بعيداً عنهم، و الشاهد على ذلك قول علي ابن أسباط.

و أمّا احتمال عدم علمهم بالاختلاف في الفتوى في جميع المسائل، أو عدم علمهم بالتفاضل بين الفقهاء، فالاطمئنان على خلافه، و قد مرّ إثباته.

و أورد على الاحتجاج بها في الكفاية بأنّ:

دعوى السيرة على الأخذ بفتوى أحد المتخالفين في الفتوى من دون فحص عن أعلميّته،


صفحه 194

مع العدم بأعلميّة أحدهما ممنوعة.[1]أقول: لا ريب في أنّ سيرتهم في عصر المعصومين عند الاستفتاء لم تكن قائمة على الفحص عن الأعلم؛ إذ لو كانت السيرة قائمة على ذلك لبانت، فإنّ مثل هذه السيرة ليس ممّا تخفى، مع تكرّر موارده في أزمنة متعدّدة، و أمكنة متعدّدة حال كون موردها ممّا يبتلى به العامّة، مع أنّه لا ريب في وجود العلم الإجمالي باختلاف المفتين في الفتاوى، فإنّ اتّفاقهم في جميع الفتاوى بعيد عادة.

و قد مرّ أنّ نسبة المسائل التي تكون أحكامها مورداً لاتّفاقهم إلى المسائل التي ليست كذلك، كنسبة الآحاد إلى المئات.

قال في المستمسك:

إنّ مجرّد قيام السيرة على الرجوع إلى المختلفين في الفضيلة لا يجدي في جواز الرجوع إليهم مع الاختلاف في الفتوى، و لم تثبت سيرة على ذلك، و العلم بوجود الخلاف و إن كان محقّقاً، لكن ثبوت السيرة على الرجوع إلى المفضول غير معلوم، بل بعيد جدّاً فيما هو محلّ الكلام أعني صورة الاختلاف المعلوم، و إمكان الرجوع إلى الأعلم.[2]أقول: يمكن إثبات اتّصاف السيرة بالوصفين:

أحدهما: قيامها على الرجوع إلى المفضول عند العلم بالاختلاف.

و ثانيهما: قيامها على الرجوع إلى المفضول عند إمكان الرجوع إلى الأفضل.

و ذلك لأنّ العلم بالاختلاف في الفتوى كما أشرنا إليه كان محقّقاً، و الذي لم يكن متحقّقاً هو العلم بعدم الاختلاف في الفتوى، مع أنّ صرف عدم قيام السيرة على الفحص عن الأعلم عند قصد الرجوع كاف في إثبات المطلوب، فلا يحتاج في الاستدلال بها إلى إحراز قيام السيرة على الرجوع إلى المفضول.

و أمّا إمكان الرجوع إلى الأعلم في ذلك العصر فلا يحرز إلا بعد كون‌

[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 439.

[2]المستمسك، ج 1، ص 27.


صفحه 195

وجوب تقليد الأعلم أمراً ثابتاً مسلّماً عند المتشرّعة في ذلك الزمان حتّى تحدث منه أسئلة عن الإمام، أو عن بعض أفاضل الصحابة حول هذا الوجوب، و ليس فليس.

ثمّ إنّ إمكان الرجوع إلى الأعلم في ذلك الزمان مثل إمكان الرجوع إلى الإمام أو إلى غير الأعلم، إذا لم يكن الرجوع إلى الإمام مستحيلًا، و كذا لم يكن الرجوع إلى غير الأعلم محالًا، فلم يكن الرجوع إلى الأعلم مستحيلًا.

كان الرجوع إلى الإمام أو الفقيه في ذلك العصر إمّا بالأخذ منه شفاهاً إن كان قريباً، و إمّا بالمكاتبة إن كان بعيداً. مضافاً إلى أنّ الأسفار العلميّة كانت معمولة في ذلك العصر.

و إن كان مراده من إمكان الرجوع إلى الأعلم معرفته فهي أيضاً كانت ممكنة في ذلك العصر، و لم تكن من المستحيلات العاديّة، فقد كانت المعرفة تحصل بسؤال شفاهي، أو كتبي عن الإمام؛ و أنّ سؤال رجل واحد حول ذلك عن الإمام كان كافياً لرجوع قوم، بل أقوام، كما كان سيرتهم ذلك في السؤال عن نفس المرجع و معرفته، مضافاً إلى أنّ معرفة الأعلم لم يكن موقوفاً على السؤال عن الإمام فقد كان تحصيلها ممكناً بالسؤال من فضلاء الصحابة أيضاً.

و يمكن أن يقال: إنّ الاحتجاج بسيرة المتشرّعة غير موقوف على حصول العلم بقيامها على الرجوع إلى المفضول؛ لكفاية عدم قيامها على الرجوع إلى الأفضل، فإنّ الرجوع إلى الأفضل لو كان لبان؛ إذ ليس من الأُمور التي تخفى من جهة كثرة الابتلاء به، كما لم تخف السيرة على أصل الرجوع و أصل التقليد.

الحجّة السابعة: سيرة أهل السنّة

، فإنّها كانت قائمة في عصر المعصومين على التخيير بين الرجوع إلى أي واحد من فقهائهم، و لم تكن قائمة على الرجوع إلى أفضلهم، و من المعلوم أنّ هذه السيرة كانت بمرأى من المعصومين «، و مسمع منهم.

فلو كانت غير مرضيّة لهم لأخبروا شيعتهم بذلك و بأنّهم خاطئين في سيرتهم كما أخبروا بعدم صحّة اجتهادهم بالرأي و بالقياس، فعدم وصول تخطئة منهم لهذه السيرة كاشف عن إمضائهم لها. فهذه السيرة في الأُمور الشرعيّة نظير سيرة العقلاء في‌