و عليه فلا يعقل بقاء الفتوى المختارة على الحجّيّة الفعليّة مع بقاء الأُخرى على الحجّيّة التخييريّة؛ فبعد رفع اليد عن الالتزام بالأُولى، و الالتزام بالثانية يشكّ في بقاء الحجّيّة الفعليّة للأُولى، فاستصحابها يكون معارضاً لاستصحاب الحجّيّة التخييريّة للثانية.[1]أقول: و في كلامه دام ظلّه مواقع للأنظار.
أحدها: في قوله: «إنّ المعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الطريقيّة.» فإنّه غير معقول؛ إذ الطريقيّة ذاتيّة لكلّ طريق، و الذاتيّات غير قابلة للجعل من جهة كون جعلها تحصيلًا للحاصل.
فالمعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الحجّيّة الشأنيّة للطريق، فتكون فعليّة الحجّيّة له منوطة بالالتزام به، فالالتزام بالحجّة الشأنيّة و يجعلها حجّة فعليّة؛ لأنّ فعليّتها موقوفة على الالتزام بها، و تدور مداره.
ثانيها: في قوله: «لأنّها من الأحكام العقليّة هما من لوازم الحجّيّة؛ فإذا كانت الحجّيّة مجعولة شرعاً، كما في قوله(عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم» فلا بأس من ترتيب هذين الأثرين عليها.
ثالثها: في قوله: «فالمجعول الشرعي على الطريقيّة هو إحراز الواقع تعبّداً» فإنّ ذلك عبارة أُخرى عن التعذير اللازم للحجّيّة، و ليس بشيء غيره.
رابعها: في قوله: «و عليه فلا يعقل بقاء الفتوى المختارة على الحجّيّة الفعليّة مع» إلخ. فإنّ في ذلك خلط بين الفعليّة المطلقة و الفعليّة المشروطة؛ لأنّ منافاة الحجّيّة الفعليّة مع الحجّيّة التخييريّة المعارضة لها إنّما تتحقّق في صورة كون الفعليّة مطلقة، و أمّا إذا كانت مشروطة بالتزام المكلّف بها فلا منافاة بينهما؛ لأنّ الفتوى المختارة حجّة فعليّة بمعنى كونها منجّزة، أو معذّرة ما دام الالتزام بها باقياً، و غير المختارة حجّة شأنيّة بمعنى صيرورتها منجّزة أو معذّرة إن حصل الالتزام بها.
فإذا زال الالتزام بهذه الحجّة الفعليّة فهي تعود شأنيّة؛ لفقدان المشروط بفقد
[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 66.
شرطه، كما أنّ الالتزام بإحدى الحجّتين الشأنيّتين لا يوجب سقوط الأُخرى عن الحجّيّة الشأنيّة، و على فرض حدوث الشكّ في السقوط فالاستصحاب حاكم ببقائها، و لا معارضة بينه و بين استصحاب بقاء الحجّيّة الفعليّة المشروطة بالالتزام إن حدث الشكّ في إبقائها.
ثمّ قال دام ظلّه.
و أمّا الثاني: هو أن يكون المستصحب الحكم الفرعي الذي أدّت إليه الفتوى المختارة كوجوب القصر، فاستصحابه ينافي الحجّيّة التخييريّة أيضاً[1]لأنّ مضمون الفتوى هو وجوب صلاة القصر تعييناً و قد تنجّز على المكلّف، بسبب اختياره الفتوى التي تؤدّي إليه.
فوجوب القصر تعييناً معلوم للمكلّف تعبّداً فبقاؤه بالاستصحاب مناف لبقاء الفتوى الثانية على الحجّيّة التخييريّة؛.
أقول: إنّ تنجّز وجوب القصر عليه كان مشروطاً بالتزامه بتلك الفتوى، و بترك الالتزام بها يزول التنجّز عن ذلك الوجوب، فوجوب صلاة القصر عليه تعييناً لم يكن بمطلق، بل كان دائراً مدار الالتزام بتلك الفتوى، و وجوب القصر التعييني المشروط في مرتبة التنجّز للقصر لا ينافي وجوب الإتمام عليه في مرتبة الشأنيّة؛ إذ المسألة الفرعيّة هنا تابعة للمسألة الأُصوليّة، فلا يزيد الفرع على الأصل، و إنّ النتيجة تابعة لأخصّ المقدّمتين.
و اعلم أنّ القائل بعدم جواز العدول احتجّ بوجوه لا تخل من خلل في أنفسها، و على فرض خلوّها من الخلل فهي محجوجة بما ذكرنا من الدليل الاجتهادي على الجواز.
منها: استصحاب الحكم المختار.
و الخلل فيه أنّ تنجّز الحكم المختار عليه كان مشروطاً بالالتزام به، و استصحاب
[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 67.
مثل هذا الحكم لا يوجب حرمة العدول إلى غيره، و وجوب الالتزام به، و هذا الاستصحاب غير معارض لاستصحاب الحكم الشأني الذي أفتى به الفقيه الأخر.
و منها: قاعدة الاشتغال من جهة دوران الأمر بين التعيين و التخيير. و بيانها في المسألة الأُصوليّة أنّ حجّيّة قول الفقيه الأوّل معلومة، و حجّيّة قول الفقيه الثاني مشكوكة فيها، فهي ساقطة عن الحجّيّة؛ إذ الشكّ فيها ملازم للحكم بعدمها.
إمّا معلوميّة حجّيّة قول الفقيه الأوّل فلأنّه الحجّة المعيّنة على فرض عدم جواز العدول؛ و أنّه الحجّة المخيّرة على فرض جواز العدول.
و أمّا صيرورة قول الثاني مشكوكة فيها فلعدم حجّيّتها على فرض تعيّن الحجّيّة لقول الأوّل.
و في المسألة الفرعيّة نقول: إنّه نفرض رأي الفقيه الأوّل وجوب القصر في مسألة، و رأي الفقيه الثاني وجوب التمام في نفس تلك المسألة. فالمقلّد يعلم بعدم عقاب عليه عند البقاء على وجوب القصر، لكنّ في العدول عنه إلى التمام احتمال العقاب موجود. و الخلل في هذا الوجه يظهر بأدنى تأمّل.
أمّا في المسألة الأُصوليّة فلأنّ احتمال تعيّن حجّة للحجّيّة قد يكون لصفة خاصّة بها بحيث لا يشترك معها عدلها، فالاحتمال في هذه الصورة متمكّن، و قد لا يكون كذلك؛ فالاحتمال ملغى عند العقلاء، و مقامنا من قبيل الثاني؛ فإنّ احتمال تعيّن قول الأوّل في الحجّيّة قد جاء من ناحية الشرع، و هذا مشترك بينها و بين عدلها، و ليس بشيء يختصّ بها.
أوّلًا: فإنّهما مثلان على فرض وجود إطلاق في الباب، و على فرض عدم وجوده و ثانياً: أنّ هذا الوجه لا ينهض في مقابل استصحاب التخيير.
و أورد بعض الأساطين ب:
أنّ الاستصحاب غير جار في جميع الصور، فإذا كان تقليد المجتهد الأوّل متعيّناً ثمّ وجد
مثله فيشكّ في حدوث التخيير لا في بقائه.[1]أقول: و لا بأس بهذا الكلام إن لم يكن خروجاً عمّا يبتنى عليه البحث فإنّه مبتن على فرض ثبوت التخيير البدوي، فوقع البحث عن استمراره.
و أمّا بيان الخلل في المسألة الفرعيّة: فإنّ احتمال العقاب في العدول إلى التمام قد نشأ من احتمال تعيّن البقاء على القصر؛ إذ في صورة انتفاء احتمال تعيّن البقاء يعلم بعدم العقاب أيضاً على العدول إلى التمام. و لم أعثر على وجه عقلي؛ أو شرعي لاحتمال تعيّن البقاء، و مثل هذا الاحتمال لا يعبأ به عند العقلاء. مضافاً إلى إجراء استصحاب تعليقي في العمل بالتمام، فيدفع به احتمال العقاب.
و منها: استلزام العدول؛ للعلم بمخالفة قطعيّة للتكيف الواقعي، مثلًا إذا أتى بالظهر قصراً تقليداً لفتوى الأوّل في مورد، و أتى بالعصر تماماً تقليداً لفتوى الثاني في ذلك المورد، فيعلم بفساد إحدى الصلاتين.
قال بعض الأساطين:
لا إجمال في متعلّق البطلان، بل يعلم تفصيلًا ببطلان العصر إمّا لعدم الترتيب؛ لاحتمال فساد الظهر و إمّا لأنّه قصر أيضاً كالظهر.
قال:
و هذا جار في كلّ عملين مترتّبين إذا قلّد في أحدهما مجتهداً ثمّ عدل إلى مجتهد آخر في الثاني.[2]أقول: هذا خلط بين الشرط الواقعي و الشرط الذكري؛ فإنّ ترتّب العصر على الظهر شرط ذكرى، و ليس بواقعي، فلو كان المقلّد متذكّراً للشرط عند الدخول في العصر لم يجز له الدخول فيها بقصد التمام؛ إمّا لعدم الإتيان بالظهر؛ أو لوجوب العصر عليه قصراً.
[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 72.
[2]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 72.
ثمّ لا يخفى ما في إطلاق عبارته، و هذا جار في كلّ عملين مترتّبين، فإنّه يجب التقييد بكونهما مثلين.
و بيان الخلل في هذا الوجه أوّلًا: أنّه منقوض بجميع موارد وجوب العدول أو جوازها، و منقوض بصورة تبدّل رأي المجتهد، و سيجيء فصل القول في جميع هذه الموارد.
و ثانياً: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، و عدم الفصل غير جار كما مرّ.
و ثالثاً: أنّ البحث يصير من صغريات البحث عن إجزاء الحكم الظاهري.
و منها: أنّ العدول يستلزم إمّا التبعيض في المسألة الكلّيّة و لا دليل على صحّة هذا التقليد، أو يستلزم نقض الأعمال السابقة إذا قلّد الثاني في المسألة الكليّة.
قال المدقّق الأصفهاني:
و أمّا الشقّ الأوّل فالوجه في صحّته و متانته: أنّ رأي المجتهد متعلّق بالحكم الكلّي لكلّي الواقعة، و هو الذي يجب الالتزام به، أو الاستناد إليه في مقام العمل، و ليس له رأي متعلّق بالجزئي حتّى يقلّد فيه.[1]أقول: لنا اختيار الشقّ الأوّل؛ إذ لا مانع من القول به عقلًا و نقلًا. قوله: «لا دليل على مثل هذا التقليد» باطل؛ إذ الدليل ما ذكرنا من الأدلّة في صدر البحث.
و أمّا تعلّق رأي المجتهد بالحكم الكلّي لكلّي الواقعة فغير ضائر؛ لانحلال رأيه الكلّي إلى آراء جزئيّة في موارد جزئيّة.
و أمّا الشق الثاني فراجع إلى الوجه السابق.
و لا يخفى أنّ القول بوجوب الأخذ بأحوط القولين كما ذهب إليه بعض الأساطين من قبيل القول بالتوقّف في المسألة، و مرجعه إلى القول بعدم الجواز.
[1]بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 160.
التقليد في أُصول الدين
قال صاحب الفصول(قده):
اختلفوا في التقليد في أُصول الدين، فقيل بتحريمه و وجوب النظر، و قيل بجوازه، و قيل بوجوبه و تحريم النظر.[1]أقول: إنّ المراد بالتقليد هنا معناه العرفي الذي يقرب من معناه الشرعي، و هو اتّباع الغير من غير طلب حجّة لقوله.
و لمّا كان الاعتقاد بأُصول الدين من أفعال القلب و الجوانح فالتقليد فيها عبارة عن عقد القلب بها الذي يحصل من قول الغير، لأمن الحجّة و الدليل.
و قد مرّ في أوائل البحث: أنّ التقليد في كلّ شيء إنّما يكون من سنخ ذلك الشيء، فالتقليد في الأقوال من مقولة القول، و في الأفعال من مقولة الفعل، و في العقائد من مقولة أوصاف النفس، إذا تبيّن ذلك فنقول: الأقوى هو القول الثاني. فلا يكون التقليد في أُصول الدين حراماً، و لا يكون واجباً و إن قيل: إنّ القول بتحريمه مشتهر بين أصحابنا الإماميّة.
لنا الأوّل: إنّ نبيّنا الكريمُ كان يقبل إسلام كلّ من أقرّ بالشهادتين، و يحكم بأنّه مسلم.
فكان يكتفي في إسلام كلّ أحد بمجرّد إقراره بهما، و لم يكن من دأبه المبارك أن يكلّف كلّ من يدخل الإسلام بالاستدلال و النظر في الحجج، بل كان يأمرهم بتعلّم الفروع و الأحكام الإسلاميّة.
و هذا خير شاهد على عدم وجوب النظر في الحجج المثبتة لأُصول الدين على كلّ مسلم، فلو كان النظر واجباً على القوم لكان رسول اللهُ يكلّف كلّ من أسلم على يده بذلك.
[1]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 133.
الثاني: قوله تعالى في سورة الحجرات:
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ[1]. الآية.
و تقريب الاستدلال بها: أنّه تعالى أمرهم بالإقرار بالإسلام حال كونه تعالى ينفي الإيمان عن قلوبهم، و إطلاقه متناول لصورة إسلامهم من دون نظر دليل و ذلك ليس بقليل.
الثالث: سيرة المسلمين عامّة على عدم الفحص، و النظر في أُصول الدين ما لم يقعوا في خطر الضلال، أو في معرض المناظرة مع غيرهم، و من المعلوم أنّ سيرة كثير من الفقهاء على ذلك.
نعم، سيرة علماء الكلام هو البحث عن الحجج لأُصول الدين، و ذلك شاهد لما قلناه؛ لأنّ الذي يخصّ بهم ذلك، و لا يعدّ خافياً على أحد أنّ الذي يكون مضرّاً هو الشكّ و الريب في صحّة أُصول العقائد؛ فإنّه ملازم لفقدان عقد القلب، فالمطلوب من كلّ مسلم هو الوثوق، و عقد القلب بصحّة أُصول الدين سواء أ كان حاصلًا من الاستدلال و النظر، أو من التقليد.
و قد استدلّ لهذا القول بأنّه لو وجب النظر لدار؛ فإنّ وجوب النظر إنما يثبت بالشرع، و ثبوت الشرع يتوقّف على وجوب النظر.
و فيه أنّ ثبوت الشرع يتوقّف على وجوب النظر عقلًا لا شرعاً.
حجج من قال بحرمة التقليد
الأولى: أنّ الله تعالى قد ذمّ الكفّار في تقليدهم آباءهم في مواضع عديدة من كتابه
، كقوله تعالىما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ[2].
[1]الحجرات (49) الآية 14.
[2]هود (11) الآية 109.
و قوله تعالى حكاية عنهم في غير موضعإِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ*[1].
فلو كان التعويل على التقليد مرضيّاً سديداً لما وجّه تعالى الذمّ إليهم، و لكان لهم المعارضة بجوازه في الإسلام.
و الجواب أنّ أمثال هذه الآيات لم يعلم ورودها في ذمّ أصل التقليد، فلدعوى ورودها في ذمّ تقليد خاصّ مجال، و هو التقليد التعصّبي الأعمى، و هو التقليد عن الإباء.
فإنّ الأب بما أنّه أب لا يصلح عند العقل و النقل لأن يصير مقلّداً و مرجعاً؛ فإنّ التقليد يجب عمّن يكون أهلًا لذلك، كالعقلاء و العلماء البحّاثين الذين يبحثون وراء الحقيقة، و ليس لهم تمايل بأي طرف، لا يريدون إلا الوصول إلى الواقع.
فالآية الكريمة تذمّ تقليد من لا أهليّة له للتقليد عنه، أمّا الذمّ عن أصل التقليد فهي ساكتة عنه.
الثانية: أنّ الاعتقاد الحاصل من التقليد في عرضة الزوال
، و صاحبه غير مأمون على زواله، فيجب تثبيته بالنظر.
و فيه أوّلًا: أنّ الاعتقاد الحاصل بالنظر قد يكون أيضاً كذلك، فإنّه قد يزول بخدشة في الاحتجاج، أو بإشكال في الاستدلال.
و ثانياً: أنّ محلّ الكلام هو صحّة الاعتقاد الحاصل بالتقليد ما دام ثابتاً لم يزل، فالحجّة أجنبيّة عن البحث.
الثالثة: الأخبار الدالّة على أنّ الإيمان ما استقر في القلب
من التصديق بالشهادتين، وجه الدلالة أنّ الاستقرار لا يتحقّق إلا بالدليل.
و الجواب: أنّ الاعتقاد الحاصل من التقليد يستقرّ أيضاً في القلب.
قوله: «إنّ الاستقرار لا يتحقّق إلا بالدليل».
و إن أراد من الدليل ما يشمل لقول المرجع، فالدليل للإيمان الحاصل من التقليد
[1]الزخرف (43) الآية 22.