بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 217

[المسألة 1] لزوم الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط

المسألة 1: يجب على كلّ مكلّف في عباداته و معاملاته أن يكون مجتهداً، أو مقلّداً، أو محتاطاً. و هذه المسألة تشتمل على أُمور:

أ) المقصود من الوجوب‌

إنّ الأثر المطلوب من عبادة، أو عقد، أو إيقاع إنّما يتحقّق إذا وقعت صحيحة.

و الصحّة حكم شرعي وضعي ينتزع من مطابقة ما وقع في الخارج لما جعل في الشرع. و تحصيل العلم بهذه المطابقة غير ممكن، إلا بالاجتهاد أو بالتقليد، أو بالاحتياط، و ذلك هو الذي نقصده من وجوب أحد الأُمور الثلاثة.

ب) الوجوب شرعي أم عقلي؟

إذا فرض كون الوجوب شرعيّاً فلا بدّ له من حجّة شرعيّة، لكنّه لم نجد في لسان الشرع دليلًا عليه، و لا سبيل إلى القول بدلالة النصوص الواردة لبيان وجوب تعلّم الأحكام عليه فإنّها غير ممكنة الشمول للدلالة على وجوب الاحتياط؛ إذ العمل بالاحتياط غير واقع في طريق تعلّم الحكم، إنّ الاحتياط طريق إلى إطاعة التكاليف، و ليس بطريق إلى معرفتها.

و أمّا حكم الفقهاء بهذا الوجوب فهو غير كاشف عن تحقّق إجماع عليه؛


صفحه 218

لأنّه من قبيل اللازم الأعمّ للشي‌ء، فاحتمال أن يكون حكمهم بذلك من ناحية حكم العقل محكم.

أضف إلى ذلك، أنّ الوجوب الشرعي على ثلاثة أقسام: نفسي، و إرشادي، و مقدّمي، و لا سبيل إلى أحد من هذه الوجوبات الثلاثة في المقام.

أمّا الوجوب النفسي: فعلى فرض تسليم صحّة تعلّقه بالاجتهاد و التقليد، لكن تعلّقه بالعمل بالاحتياط غير معقول؛ إذ الاحتياط طريق لتحصيل العلم بإتيان الواجب النفسي، أو بترك المحرّم النفسي، مع أنّ سلوك طريق بما هو طريق غير صالح لأن يصير متعلّقاً للوجوب النفسي، و لا يمكن القول بكونه وجوباً نفسيّاً طريقيّاً.

و نقصد من الوجوب النفسي الطريقي أن يكون الإيجاب بداعي تنجيز التكليف الواقعي، أو التعذير عنه، و هذا الوجوب مساوق للحجّيّة، و لا يصحّ أن يكون أحد الأُمور الثلاثة واجباً بهذا الوجوب؛ لأنّ وجوب كلّ واحد من الاجتهاد، أو التقليد، أو الاحتياط إنّما يكون بعد تنجّز التكليف الواقعي، فلا معنى لصيرورة أحدها منجّزاً له، مضافاً إلى أنّ الاحتياط نفس عمل خارجي، و الفعل الخارجي أبكم لا يجوز أن يصير أمارة على حكم لفعل خارجي آخر، فاتّصاف الاحتياط بالمنجّزيّة و المعذّريّة غير معقول.

ثمّ إنّ العمل الخارجي إمّا نفس المأمور به، أو غيره؛ فعلى الأوّل: يكون التغاير بين الكاشف و المنكشف غير موجود، و على الثاني يكون الاتّحاد اللازم بين الكاشف و المنكشف غير موجود، فأحد المتباينين كيف يصير كاشفاً عن الآخر؟.

و لا يخفى أنّ الاحتياط يستحيل أن يوصف بالتعذير؛ فإنّ التعذير يكون في صورة خطإ الحجّة، و تطرّق الخطإ في الاحتياط غير ممكن.

و أمّا الوجوب الإرشادي: و نقصد منه الإيجاب بداعي الوصول إلى ملاكات الأحكام، و تلك الملاكات هي المرشد إليها بهذا الوجوب، فبيان عدم صحّته في المقام هو: أنّ الشرط المقوّم للوجوب الإرشادي أن لا يتطرّق الخطأ في الإرشاد بهذا الوجوب، و عدم تطرّق الخطإ في الاجتهاد، و في التقليد غير ممكن بحسب العادة؛ فإنّه‌


صفحه 219

كثيراً ما يقع الخطأ في إراءتهما فلا يمكن أن يحفظ بهما جميع الملاكات.

و أمّا الوجوب المقدّمي: فعدم صحّته في المقام فمن جهة أنّ كلّ واحد من الأبدال الثلاثة: الاجتهاد، و التقليد، و الاحتياط ليس بمقدّمة وجوديّة لواجب نفسي، على أنّ التحقيق عدم وجوب مقدّمة الواجب،[1]فقد ثبت من هذا البحث أنّ وجوب أحد الأبدال ليس بشرعي، فهو وجوب عقلي بمعنى أنّ العقل حاكم به.

ج) الملاك للوجوب العقلي‌

إذا ثبت كون الوجوب عقليّاً فيجب البحث عن ملاك حكم العقل به.

قال السيد دام ظلّه في مستمسكه: «إنّ الوجوب فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل».[2]أقول: إن كان المراد من الفطري ما هو المصطلح عند أصحاب صناعة الميزان و هو القضيّة التي يحكم بها العقل بواسطة لا يخلو الذهن عنها في حين من الأحيان، و تسمّى ب «قضايا قياساتها معها» كالعلم بأنّ الواحد نصف الاثنين؛ فالوجوب المبحوث عنه في المقام ليس من هذا القبيل، فإنّ كثيراً ما تخلو الأذهان عن واسطة: «دفع الضرر المحتمل» فهي مغفول عنها كثيراً.

و إن كان مراده من الفطري ما يكون من قبيل صفة الأفعال الصادرة عن الغرائز، و هي الأفعال التي لا دخل للعقل في صدورها من الإنسان، فذلك مختصّ بمقولة الفعل، و لا صلة له بالإدراكات النفسيّة.

مضافاً إلى أنّ صدور فعل عن الغريزة أمر بالطبع لا بالعقل، فلا التفات من ناحية النفس إلى آثار ذلك الفعل، فلا واسطة هناك.

ثمّ قال دام بقاؤه: «و عقلي بمناط وجوب شكر المنعم»[3]

[1]قد أثبتنا عدم وجوب المقدمة، في رسالة أفردناها للبحث عن مقدمة الواجب.

[2]المستمسك، ج 1، ص 6.

[3]المستمسك، ج 1، ص 6.


صفحه 220

أقول: لا ريب في أنّ العقل يرى كفران النعم، و استحقاق تاركه اللوم، كما لا ريب في أنّ ترك شكر المنعم كثيراً ما يصير مصداقاً لكفران النعم.

و من المعلوم: أنّ العقل و إن كان يرى حسن شكر المنعم، لكن شدّة هذا الحسن عنده بحيث يحكم باستحقاق تاركه العقاب و اللوم غير مسلّم، إذا لم يصر ذلك الترك مصداقاً لكفران النعم، و إلا يجب أن يكون كلّ مخلوق عاقل مستحقّاً للوم و للعقاب؛ لإنعام غير محدود عليه من قبل الله تعالى، فإنّه غير شاكر بالمقدار الذي يجب الشكر و يقتدر عليه.

ثمّ إنّ حكم العقل باستحقاق اللوم لكافر النعم غير ملازم لحكمه باستحقاق اللوم و العقاب لتارك شكر المنعم، سيّما إذا كان المنعم أجلّ قدراً، و أعظم منزلة من أن ينتفع من شكر الشاكر.

و الحاصل أنّ وجوب إطاعته تعالى من باب مجرّد شكر المنعم محلّ تأمّل، بل وجوب إطاعته تعالى من باب كونه تعالى أهلًا لوجوب الإطاعة، و من باب تحقّق المصلحة الذاتيّة الملزمة في طاعته تعالى.

و من دواعي أُخر نعرض عن ذكرها.

فالتحقيق: أنّ وجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط عقلي بمعنى أنّ العقل بعد الالتفات إلى ثبوت تشريع من قبله تعالى، و إلى أنّ الناس لم يجعلوا مهملين كالحيوانات، و إلى أن هناك وعداً من قبله تعالى للمطيع، و وعيداً للعاصي يدرك استحقاق العقاب لمن خالف التشريعات الإلهيّة، و مقتضى ذلك حكمه بلزوم الفرار عن العقاب حال عدم المؤمّن عنه.

و العقاب بالنسبة إلى كلّ تكليف محتمل محتمل احتمالًا منجزّاً. و نقصد من الاحتمال المنجّز: أنّه لا عذر لعدم الاعتداد به عند العقل إذا كان الاحتمال مصادفاً لتكليف واقعي، فهو مسؤول عنه بدون أن يكون له عذر يقبله العقل.

و هذا الاحتمال المنجّز متحقّق عند عدم انحلال العلم الإجمالي بوجود أحكام و تشريعات من قبله تعالى، و انحلال هذا العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بعدد من‌


صفحه 221

التكاليف و إلى شكّ بدويّ في وجود تكاليف أُخر إنّما يتحقّق بالاجتهاد، أو بالتقليد في الأحكام غير الضروريّة.

و إذا انتفى الاجتهاد أو التقليد فالعقل حاكم بلزوم العمل بالاحتياط؛ فإنّ العقل مدرك للزوم دفع الضرر المحتمل إذا كان الضرر معتدّاً به، و لم يزاحمه نفع أو ضرر أو مشقّة، و أمّا عند مزاحمته مع أحد هذه الأُمور فيلاحظ الكسر و الانكسار مع الجانبين، و يراعى ما هو الأهمّ في البين.

د) متعلّق الوجوب‌

إنّ متعلّق هذا الوجوب العقلي كلّ فعل أو ترك لا يعلم حكمه الشرعي عند الابتلاء به.

نعم، الضروريّات الدينيّة خارجة عن ذلك؛ إذ لا يحتاج العلم بتلك الضروريّات إلى اجتهاد أو تقليد، فظهر النظر في كلام الماتن حيث خصّ متعلّق الوجوب بالعبادات و المعاملات.

و يمكن الدفاع عنه بأحد وجهين: أحدهما: أن يقصد من ذلك الحكم بالصحّة، فإنّها تخصّ بالعبادات و المعاملات.

و ثانيهما: أنّ سيرة المتشرّعة في غير العبادات و المعاملات ليست على ذلك.

فالمجتهدون منهم غير مقيّدين بالاجتهاد في كثير من المستحبّات و المكروهات و المباحات.

و غير المجتهدين منهم غير مقيّدين بالتقليد في غير العبادات و المعاملات، بل هؤلاء غير مقيّدين بالتقليد في مطلق المندوبات و المكروهات و المباحات، مثل التقليد الذي يتقيّدون به في الواجبات و المعاملات.

فهم يعملون في هذه الأحكام الثلاثة بقول كلّ من يدّعي العلم، و لا بأس بدعوى اتّصال هذه السيرة إلى زمان الحضور، و ممّا ذكرنا ظهر حال الاحتياط؛ فإنّه لا يجري إلا في الواجبات و المحرّمات.


صفحه 222

ه) بدليّة الأبدال على سبيل منع الخلوّ

إنّ متعلّق الوجوب العقلي أحد الأُمور الثلاثة: الاجتهاد، التقليد، الاحتياط على سبيل التخيير بحسب معناه اللغوي.

فلا نقصد من التخيير المعنى المصطلح عندهم؛ فإنّه لا سبيل إلى كلّ واحد من معنييه في المقام.

أمّا التخيير العقلي فلعدم وجود جامع بين الأبدال الثلاثة. و أمّا التخيير الشرعي فلعدم كون الوجوب شرعيّاً، فالوجوب العقلي التخييري بين الأبدال إنّما يكون على سبيل منع الخلوّ؛ لأنّ رفع الجميع غير جائز، و لكن ليس بين الأبدال، منع جمع؛ إذا يمكن الجمع بين الاجتهاد و الاحتياط، أو بين التقليد و الاحتياط.

و) الحصر استقرائي‌

حصر الإطاعة في هذه الإبدال الثلاثة إنّما يكون بحسب الاستقراء؛ فإنّ الطرق العقلائيّة لتحصيل العلم بالإطاعة منحصر فيها، لكن تحقّق الإطاعة بطريق الاجتهاد، أو بطريق التقليد من جهة حصول العلم بأداء الوظيفة الواجبة.

أمّا تحقّق الإطاعة في العمل بالاحتياط فمن جهة حصول العلم بالوصول إلى الواقع. و إن لم تحصل للمكلّف المحتاط معرفة تفصيليّة بالتكليف الواقعي؛ فإنّ المعرفة التفصيليّة غير ممكنة لجميع الناس، سيّما في عصر الغيبة.

ز) الأبدال عرضيّة أم طوليّة؟

هل التخيير بين الأبدال الثلاثة عرضي أم طولى؟ فإن كان التخيير عرضيّاً فللمكلّف أن يختار أيّها شاء ابتداء. و إن كان طوليّاً لا يجوز له عند تمكّنه من المتقدّم التعرض لإتيان المتأخّر.

إنّ البحث حول ذلك يقع تارة في تقدّم الاجتهاد، و التقليد على العمل بالاحتياط،


صفحه 223

و أُخرى يقع في تقدّم الاحتياط عليهما. و ثالثة يقع في تقدّم الاجتهاد على التقليد.

أمّا البحث عن المرحلة الأُولى فسيجي‌ء في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.

و أمّا البحث عن المرحلة الثانية، و هي البحث عن تقدّم الاحتياط على بدليّة.

فنقول: إنّ المراد من العمل بالاحتياط هو الاحتياط الذي لا يكون عند الشرع مبغوضاً، كما لو استلزم منه اختلال النظام، أو الذي لا يكون عند الشرع مرفوعاً، مثل العمل بالاحتياط الذي يستلزم منه الحرج. إذا عرفت ذلك فاصغ لما نتلو عليك:

إنّ الدليل على تقدّم مثل هذا الاحتياط و هو الذي لا يكون مبغوضاً و لا مرفوعاً أنّه مصيب دائماً، و لا يتطرّق إليه الخطأ في العمل به، و به يمكن الوصول إلى المكلّف به الواقعي، و إلى المصالح المتحقّقة في نفس الأمر، و به يمكن الاجتناب عن المفاسد الواقعيّة غير المعلومة.

فما دام الوصول إلى الحكم الواقعي حاصلًا لا سبيل إلى التعرّض للحكم الظاهري الموجود في الاجتهاد و التقليد.

أقول: و هذا الدليل مبتن على وجوب الوصول إلى التكاليف الواقعيّة. فإذا فرض عدم وجوب الوصول فلا يبقى له محلّ.

و الحقّ هو القول بعدم وجوب الوصول إليها؛ فإنّه لو كان الوصول إليها واجباً لدى الشرع لوجب الاحتياط في كثير من الأُمور الشرعيّة، و لو كان ذلك لبان، فإنّه ليس بشي‌ء يخفى من جهة كثرة ابتلاء الناس به.

مضافاً إلى أنّ الاحتياط في كثير من الأُمور الشرعيّة إمّا داخل في الاحتياط المبغوض، أو في الاحتياط المرفوع.

ثمّ إنّه يدلّ على عدم تقدّم العمل بالاحتياط على العمل بالاجتهاد أو بالتقليد أُمور:

أحدها: إطلاق دليل حجّيّة الأمارة الشامل لصورة تمكّن المجتهد من الاحتياط.

ثانيها: أنّ دليل حجّيّة الأمارة قد جعل الأمارات نازلة منزلة العلم الوجداني بالواقع لدى الشارع، و من المعلوم أنّ سيرة العقلاء قائمة على عدم العمل بالاحتياط


صفحه 224

عند وجود العلم الوجداني. ثالثها: أنّ سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمان المعصومين «جارية على عدم العمل بالاحتياط يكشف ذلك عن عدم تقدّم الاحتياط في الشرع على عدليه، بل سيرتهم العمليّة قائمة على تقديم الاجتهاد أو التقليد على الاحتياط.

رابعها: إطلاق أدلّة التقليد اللفظيّة حاكم بعدم تقدّم الاحتياط على التقليد.

و أمّا البحث عن المرحلة الثالثة فنقول:

إنّ تحصيل ملكة الاستنباط غير واجب بالوجوب العيني إذا وجد مفت يجوز الرجوع إليه. و قد مرّ عليك سابقاً أنّ الاجتهاد واجب كفائي. و ذلك هو المتبادر من: «كريمة النفر» حيث خصّ لزوم النفر بطائفة من كلّ فرقة.

و تدلّ على ذلك سيرة العقلاء؛ فإنّهم لا يفرّقون في رجوع الجاهل إلى العالم بين الجاهل الذي يستطيع أن يصير عالماً، و بين من لا يستطيع، و لم يصل من الشارع ردع لإجرائها في الأُمور الشرعيّة، مع أنّ إطلاقات أدلّة التقليد اللفظيّة تشمل لصورة تمكّن المستفتي من الاجتهاد.

و أمّا دعوى قيام سيرة المتشرّعة على عدم تقدّم الاجتهاد على التقليد فثبوتها متوقّف على كون سيرتهم كذلك بما أنّهم متشرّعة، لا بما أنّهم عقلاء، و إثبات ذلك خرط القتاد.

ح) التقليد و واجد الملكة

هل يجوز التقليد لمن حصلت له ملكة الاجتهاد في المسائل التي لم يستنبط أحكامها؟ قد مرّ عليك ما حكاه شيخنا الأنصاري:

أنّ المعروف عندنا العدم، بل لم ينقل الجواز عن أحد منّا؛ لعدم ثبوت السيرة على جوازه، و لانصراف إطلاقات الآيات، و الأخبار عمّن حصلت له الملكة.[1]

[1]مجموعة رسائل، ص 48 (طبعة قديمة) ص 53 (طبع مكتبة مفيد).