ثالثها: ما يتوهّم من كونه مانعاً عن جريان الاحتياط في العبادات فقط.
و البحث عنه قد يكون فيما يستلزم الاحتياط تكرار العبادة، و سيأتي في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، و قد يكون فيما لا يستلزم التكرار.
فنقول: قال شيخنا الأنصاري في رسالة القطع:
أمّا إذا لم يتوقّف الاحتياط على التكرار كما إذا أُتي بالصلاة مع جميع ما يحتمل أن يكون جزءً فالظاهر عدم ثبوت اتّفاق على المنع، و وجوب تحصيل اليقين التفصيلي، لكن لا يبعد ذهاب المشهور إلى ذلك، بل ظاهر كلام الرضي في مسألة الجاهل بوجوب القصر، و ظاهر تقرير أخيه المرتضى له ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها.[1]أقول: الإجماع الذي ادّعاه الأخوان(قدس سرهما)على فرض ثبوت تعبّديّته مختصّ بالصلاة، فلا يعمّ جميع العبادات، و منه يظهر النظر في كلام صاحب المستمسك حيث توهّم دام ظلّه عموم الإجماع لجميع العبادات[2]،؛ ثمّ إن هذا الإجماع غير مانع عن القول بجواز الاحتياط في محلّ البحث؛ لأنّ المتيقّن منه صورة الجهل بمقدار كثير من أحكام الصلاة، بحيث لا يمكن معه إتيان الصلاة صحيحة، و الصلاة حينئذ باطلة قطعاً، هذا مع قطع النظر عن إيراد شيخنا الأنصاري النافي للاتّفاق.
اشتراط معرفة طريق الاحتياط بأحد عدليه
إنّ الوجوب في كلام الماتن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط إلخ شرطي، إمّا من جهة كون المعرفة من قبيل الشرط لتحقّق الاحتياط، و إمّا لكون عدمها من قبيل المانع عنه، فالعمل بالاحتياط بدون معرفة كيفيّته غير ممكن التحقّق، نعم، لو كانت كيفيّة العمل الذي يقصد الاحتياط فيه معلومة بالضرورة فلا يجب فيها الرجوع
[1]فرائد الأُصول، ج 1، ص 25.
[2]المستمسك، ج 1، ص 7.
إلى الاجتهاد أو التقليد؛ لأنّهما مختصّان بالمسائل النظريّة غير اليقينيّة.
[المسألة 3] الاحتياط ذو صور
المسألة 3: قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً، و كان قاطعاً بعدم حرمته، و قد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعاً بعدم وجوبه، و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار، كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر أو التمام.
الصور الممكنة للاحتياطقد عقدت هذه المسألة للإشارة إلى إخراج الاحتياط المستحيل من البحث، مثل: دوران الأمر بين الواجب و الحرام، و إليك صور الاحتياطات الممكنة:
منها: دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب، و الاحتياط هنا مقتض للترك.
و منها: دوران الأمر بين الواجب و غير الحرام، و الاحتياط مقتض للفعل.
و منها: دوران الواجب بين فعلين، و الاحتياط هنا مقتض لفعلهما معاً.
و منها: دوران الحرام بين فعلين، و الاحتياط هنا مقتض لتركهما معاً.
و منها: دوران الأمر بين الشرطيّة و المانعيّة.
فقد يمكن الجمع بينهما في فعل واحد، مثل: دوران الأمر بين الجهر و الإخفات، و الاحتياط في هذه الصورة أن يأتي بالقراءة جاهراً مرّة و أُخرى خافتاً، إمّا بنيّة القرآنيّة في كليهما، أو بنيّة تحقّق القراءة الواجبة بإحداهما و الاستحباب بالأُخرى، و قد لا يمكن الجمع بينهما، فيأتي بالمأمور به أوّلًا مع المشكوك فيه، و يأتي به ثانياً بدون المشكوك فيه.
[المسألة 4] حكم الاحتياط المستلزم للتكرار
المسألة 4: الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار و أمكن الاجتهاد أو التقليد.
جواز مثل هذا الاحتياطالبحث في جواز الاحتياط و عدم جوازه إنّما يصحّ في صورة تمكّن المكلّف من الاجتهاد أو التقليد؛ إذ لا إشكال في جوازه في صورة عدم التمكّن منهما، و الأقوى وفاقاً للمتن و لكثير من الأصحاب هو القول بالجواز؛ لقضاء العقل بتحقّق الامتثال إذا قصد المكلّف الإطاعة بإتيان فعلين حال كونه عالماً بأنّ أحدهما مأمور به؛ إذ العقل لا يرى فرقاً من حيث تحقّق الإطاعة بين هذا الامتثال، و بين ما إذا أتى بفعل واحد و هو يعلم بكون ذلك الفعل مأموراً به.
فإنّ ملاك الامتثال لدى العقل هو حصول اليقين بإتيان المأمور به، و ذلك متحقّق في كلا الامتثالين بلا ريب، هذا حكم العقل في المقام.
و أمّا حكم الشرع فالدالّ على الجواز ترك الاستفصال الوارد في النصّ جواباً عن السؤال عن قبلة المتحيّر بالأمر بالصلاة إلى أربع جوانب، و ترك الاستفصال كالإطلاق شامل لصورة إمكان الفحص عن القبلة، و إليك قوله(عليه السلام): «إذا كان ذلك فليصلّ لأربع وجوه»[1].
و ما يمكن أن يكون مانعاً عن القول بالجواز أُمور:
أحدها: الإجماع
، و قد حكي على عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط إذا توقّف على تكرار العبادة. و يرد عليه: أنّ دعوى الإجماع موهونة؛ بعدم ذكر أحد من الفقهاء في أبواب العبادات أنّ التكرار من مبطلات العبادة، مضافاً إلى أنّهم أفتوا في بعض المسائل في باب العبادات بالاحتياط بالتكرار.
سلّمنا تحقّق الإجماع، لكن الكلام في تعبّديّته؛ إذ من المحتمل اعتماد المجمعين على بعض الاستحسانات العقليّة التي سنشير إليها، و من المحتمل استناد دعواه إلى السيرة العمليّة الجارية بين المسلمين على الاجتهاد أو التقليد، فهي تقوم على الإعراض عن
[1]تهذيب الأحكام، ج 2، ص 45، ح 144؛ الاستبصار، ج 1، ص 295، ح 1085.
العمل بالاحتياط، لكنّ الإعراض ناشئ عن المشقّة و الصعوبة الموجودة في الاحتياط، فالسيرة خُلقيّة و ليست بشرعيّة محضة.
الثاني: احتمال اشتراط قصد الوجه في العبادة
، و كذا احتمال اشتراط قصد التمييز فيها.
و هذا الاحتمال نشأ من قول بعض أصحابنا بالاشتراط، و قد حكي عن ابن إدريس في مسألة الصلاة في الثوبين المشتبهين أنّه قال: بعدم جواز التكرار للاحتياط حتّى في صورة عدم التمكّن من العلم التفصيلي بالمتنجّس.[1]و ذلك لفوات قصد الوجه المعتبر عنده في العبادات وصفاً أو غاية.
و التحقيق: أنّ اشتراط قصد الوجه في العبادات سيّما فيما تعمّ به البلى محلّ منع؛ لكونه ممّا لا يعتبره العقل، فيجب أن يكون اعتباره من ناحية الشرع، و إذا كان معتبراً في العبادة من قبل الشرع لكونه ممّا يغفل عنه الناس عامّة، فالواجب على الشارع الإعلام بذلك مثل بقيّة الشرائط المعتبرة عنده؛ فإنّ عدم الإخبار مخلّ بمقصوده.
و من المعلوم: أنّ قصد الوجه إذا كان معتبراً شرعاً فليس هناك دواع متوفّرة إلى إخفائه؛ و لذا يكون عدم وصول إعلام من الشارع يكشف عن عدم اشتراطه في العبادة عنده، مضافاً إلى أنّ الإطلاق المقامي في بعض النصوص الواردة في مقام بيان ما يشترط في عامّة العبادات كالنيّة و الإخلاص يدفع احتمال اشتراطه.
و مثله الكلام في قصد التمييز.
الثالث: أنّ في تكرار العبادة فوات نيّة الأمر
؛ لأنّ الفعل يكون حينئذ بداعي احتمال الأمر، لا بداعي نفس الأمر.
و فيه: أوّلًا: أنّه إن أُريد به فوات نيّة الأمر في أحد الفعلين فالمفروض أنّه لا يكتفى به، و إن أُريد به في مجموع الفعلين فقصد ذات الأمر فيها موجود؛ لأنّ الإتيان بهما قد كان بداعي ذات الأمر المعلوم إجمالًا، لا احتماله.
[1]السرائر، ج 1:، ص 184 و 185 (منقول بالمعنى).
و ثانياً: أنّ الفعل المأتي بداعي احتمال الأمر إنّما أُتي به بداعي نفس الأمر؛ إذ لا موضوعيّة للاحتمال، فإنّ المراد منه هو الرجاء، و لا شكّ في أنّ كلّ عمل يؤتى به رجاء يقصد منه المرجوّ، و يشهد لذلك أنّ الاهتمام بالاحتمال قد جاء من ناحية الاهتمام بالمحتمل.
هذا هو الحال في صورة العلم بالأمر، فإنّه لا موضوعيّة للعلم و إن كان من شرائط تنجّز الأمر و داعويّته، من دون فرق بين العلم الإجمالي و التفصيلي.
و ثالثاً: سلّمنا فوات نيّة الأمر و تحقّق الإخلال بقصده، لكن ذلك غير مضرّ بالعبادة؛ إذ لا دليل على اعتبار قصد الأمر في العبادة؛ لأنّ قوام العبادة بكونها لله تعالى، و ذلك محقّق في داعي الأمر المحتمل.
الرابع: أنّ الامتثال في الاجتهاد أو التقليد جزمي، و في العمل بالاحتياط احتمالي
. و لا ريب في تقدّم الامتثال الجزمي على الامتثال الاحتمالي عند العقل.
و فيه: أنّ الامتثال في الاحتياط أيضاً جزمي؛ إذ المفروض الإتيان بكلا الفعلين و عدم الاكتفاء بأحد الفعلين.
الخامس: أنّ التكرار لعب بأمر المولى جلّ ثناؤه
. و فيه: منع هذه الكلّيّة، بل في التكرار شدّة اهتمام بأمر المولى.
السادس: ما جاء في تقرير الكاظمي للعلامّة النائيني:
من اختيار تقدّم الامتثال التفصيلي على الامتثال الإجمالي المستلزم للتكرار إن كان عبادة؛ لفوات الانبعاث من بعث المولى في الإجمالي، فالانبعاث فيه عن احتمال البعث لا عنه نفسه.[1]أقول: هذا الوجه راجع إلى الوجه الثالث، فيرد عليه ما أُورد على ذلك الوجه، و نزيد عليه:
أوّلًا: أنّ قوله: «لفوات الانبعاث من بعث المولى في الإجمالي» مجرّد دعوى
[1]انظر فوائد الأُصول، ج 3، ص 72 و 73.
بلا دليل، بل التحقيق خلاف ذلك، و هو أنّ الانبعاث الحقيقي في الامتثال الإجمالي من نفس بعث المولى موجود، و الوجدان خير شاهد على ذلك.
و ثانياً: أنّ قوله: «فالانبعاث فيه إنّما يكون عن احتمال البعث لاعن نفسه» أيضاً دعوى بلا دليل، بل الدليل على خلافها؛ إذ لا موضوعيّة للاحتمال، فلو كان نفس الاحتمال باعثاً لكان الإتيان بفعل واحد كافياً.
ثمّ قال(قده):
لو سلّم الشكّ في ذلك فالأصل يقتضي الاشتغال لا البراءة؛ لرجوعه إلى الشكّ في التعيين و التخيير.[1]أقول: الملاك في حكم الشكّ عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير أنّ التخيير المحتمل إن كان من قبيل التخيير العقلي فالمرجع هو البراءة؛ لرجوع الشكّ فيه إلى اشتراط أمر زائد على الطبيعة المأمور بها، و إن كان من قبيل التخيير الشرعي فالمرجع هو الاشتغال؛ لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في بدليّة أمر مباين عن مباين آخر، و المقام من قبيل الأوّل، لا الثاني؛ لاتّحاد الفعلين في كلا الامتثالين التفصيلي و الإجمالي في جميع الجهات، عدا معرفة المأمور به بعينه، فيشكّ في اشتراطها في المأموريّة زائداً على ما فيه من الأجزاء و الشرائط، و الأصل الحاكم هنا أصالة البراءة، لا أصالة الاشتغال.
[المسألة 5] جواز الاحتياط مشروط
المسألة 5: في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلّداً؛ لأنّ المسألة خلافيّة.
اشتراط جواز العمل بالاحتياط بالاجتهاد أو التقليدلا يجوز العمل بالاحتياط ما لم يقم على جوازه اجتهاد أو تقليد؛ لوجود القول
[1]انظر فوائد الأُصول، ج 3، ص 73.
بعدم الجواز، فالاحتياط بدون أحدهما خلاف الاحتياط، فإنّ ما يلزم من وجوده عدمه محال، فالاحتياط بلا اجتهاد أو تقليد ليس باحتياط، و من ذلك ظهر النظر في المتن حيث عبّر بالجواز، مع أنّ أصل تحقّقه مشروط.
ثمّ إنّ المقصود من جواز العمل بالاحتياط هو الاكتفاء به عن التكليف الواقعي، فالحكم بجوازه موقوف على حكم العقل بأنّ العمل بالاحتياط مبرئ للذمّة، و أنّه به يخرج عن مخالفة المولى، فإذا كان العامل بالاحتياط مدركاً لذلك بحسب عقله و مذعناً له فهو مجتهد في هذه المسألة؛ إذ الاجتهاد في مثلها مغاير بحسب الكيفيّة مع الاجتهاد في الفروع الفقهيّة، كما أنّ العامل بالاحتياط إذا أذعن بهذا الإدراك العقلي تبعاً لغيره فهو مقلّد في المسألة.
فالحكم الكلّي أنّ العامل بالاحتياط ما لم يذعن بذلك الإدراك العقلي لا سبيل له إلى العمل بالاحتياط؛ لعدم حصول العلم له ببراءة الذمّة من التكليف الواقعي، فالصواب في التعليل ذلك، لا بأنّ المسألة خلافيّة، فإنّه لو كانت المسألة إجماعيّة أيضاً كان يلزم عليه الاجتهاد، أو التقليد في حجّيّة الإجماع، و في تحصيله، و يمكن حمل قوله: «خلافيّة» على كون المسألة نظريّة، و ليست بضروريّة حتّى لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد أو التقليد.
[المسألة 6] لا تقليد في الضروريات
المسألة 6: في الضروريّات لا حاجة إلى التقليد كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما، و كذا في اليقينيّات إذا حصل له اليقين، و في غير هما يجب التقليد إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط، و إن أمكن تخيّر بينه و بين التقليد.
إنّ التقليد يكون في المسائل النظريّة من الفقه الإسلامي؛ ليرتفع به جهل العامّي بها، فلا تقليد و لا اجتهاد في الأحكام الإسلاميّة البديهيّة، و كذا لا اجتهاد و لا تقليد فيما حصل له اليقين من أحكامها، فلا وجه لاختصاص عدم التقليد فيهما، فإنّه لا اجتهاد فيهما أيضاً.
و من هنا يمكن تصحيح أعمال كثير من العوامّ الذين ليسوا بمقلّدين لأحد من المفتين؛ لحصول اليقين لهم بها من أيّ شيء حصل، و لو من قول أحد.
ثمّ إنّ عدم ذكر مثال في المتن لليقينيّات؛ لعلّه من جهة اختلافها بحسب الأحوال و الأشخاص؛ إذ قد يكون حكم عند أحد يقينيّاً و ليس بيقيني عند آخر، أو يكون يقينيّاً في حال دون حال.
و علّل صاحب المستمسك عدم الاحتياج إلى التقليد في الضروريّات و اليقينيّات ب:
وضوح أنّ وجوب العمل شرعاً برأي الغير حكم ظاهري كوجوب العمل بظاهر الحجج، و من المعلوم: أنّ الحكم الظاهري يختصّ جعله بحال الشكّ، فيمتنع جعل حجّيّة رأي الغير مع العلم[1].
أقول: وجوب العمل برأي الغير كوجوب العمل بسائر الحجج حكم واقعي، و ليس بحكم ظاهري، فإنّ عدم جعل طريق من ناحية الشارع لمعرفة أحكامه، أو عدم إمضاء طريق لها غير محتمل في حقّ الشارع، و الحكم الظاهري هو الذي يستفاد من مداليل تلك الحجج.
ثمّ إنّ المقصود من وجوب التقليد في غيرهما أنّه شرط للحكم بصحّة عبادات العامّي و معاملاته، فالوجوب إرشاد من العقل إلى ذلك، و قد مرّ في البحث عن المسألة الأُولى ما يفيد في المقام.
و أمّا تعيّن التقليد لغير المجتهد إذا لم يتمكّن من الاحتياط؛ فلأنّه إذا تعذّر أحد الطريقين تعيّن عند العقل سلوك الطريق الآخر، و هذا هو الحال في الواجب التخييري.
[المسألة 7] عمل العامّي بلا تقليد و احتياط
المسألة 7: عمل العامّي بلا تقليد و لا احتياط باطل.
يجب تقييد إطلاق قوله: «باطل» بالمسألة السابقة، فيقال: عمل العامّي في
[1]المستمسك، ج 1، ص 10.