بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 397

أمّا مخالفتها لقول الأوّل فلفقد شرطها و هو الترتّب على الظهر، و أمّا مخالفتها لقول الثاني فلفقد ما يعتبر فيها و هو الإقامة. و لقائل أن يقول بصحّة الصلاة في هذين الفرعين؛ لأنّه لا يستفاد من دليل التقليد بعد موافقة العمل لرأي أحد المجتهدين حرمة مخالفة جميع المجتهدين أيضاً، و اقتضاء إطلاقات الباب هو التخيير في الرجوع إلى أحد المجتهدين، و الملاك لصحّة العمل موافقته لرأي أحدهم بحكم الإطلاق و لو استلزم مخالفة الآخرين؛ فإنّ التخيير ملازم لهذا الاستلزام.

و بعبارة أُخرى: يصدق على من رجع إلى فتوى أحدهم أنّه قد سأل أهل الذكر و رجع الى رواة الحديث.

إنّ إطلاق حجّيّة قول المجتهد يقتضي سعة دائرة حجّيّته حتّى إذا كان العمل به مستلزماً لمخالفة قول الآخر، و المخالفة التي حصلت لكلا القولين في العمل المبعّض من حيث التقليد أنّها نشأت من جهة موافقته لكلا القولين، و موافقة كلّ واحد منهما قد استلزمت مخالفة كلّ واحد منهما، و حكم الإطلاق أنّ موافقة ما لقول مجتهد كافية للصحّة.

[المسألة 66] عسر معرفة موارد الاحتياط على العامّي‌

المسألة 66: لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامّي؛ إذ لا بدّ فيه من الاطّلاع التامّ، و مع ذلك قد يتعارض الاحتياطان فلا بدّ من الترجيح، و قد لا يلتفت إلى إشكال المسألة حتّى يحتاط، و قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط، مثلًا: الأحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر، لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الأحوط التوضّؤ به، بل يجب ذلك بناءً على كون احتياط الترك استحبابيّاً، و الأحوط الجمع بين التوضّؤ به و التيمّم، و أيضاً الأحوط التثليث في التسبيحات الأربع، لكن إذا كان في ضيق الوقت و يلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت فالأحوط ترك هذا الاحتياط، أو يلزم تركه.

و كذا التيمّم بالجصّ خلاف الاحتياط، لكن إذا لم يكن معه إلا هذا فالأحوط


صفحه 398

التيمّم به، و إن كان عنده الطين مثلًا فالأحوط الجمع، و هكذا.

[المسألة 67] التقليد في غير الفروع‌

المسألة 67: محلّ التقليد و مورده هو الأحكام الفرعيّة العمليّة، فلا يجري في أُصول الدين، و في مسائل أُصول الفقه، و لا في مبادئ الاستنباط من النحو و الصرف و نحوهما، و لا في الموضوعات المستنبطة العرفيّة أو اللغويّة، و لا في الموضوعات الصرفة، فلو شكّ المقلّد في مائع أنّه خمر أو خلّ مثلًا، و قال المجتهد: إنّه خمر لا يجوز له تقليده. نعم، من حيث إنّه مخبر عادل يقبل قوله، كما في إخبار العامّي العادل، و هكذا.

و أمّا الموضوعات المستنبطة الشرعيّة كالصلاة و الصوم و نحو هما فيجري التقليد فيها كالأحكام العمليّة.

التقليد في أُصول الدين‌

قد اشتهر بينهم أنّ التقليد لا يجري في أُصول الدين، فيجب على كلّ مسلم الاجتهاد فيها.

و المراد بأُصول الدين ما كان المطلوب فيها نفس المعرفة و الاعتقاد، كالإيمان بالمبدإ، و الإيمان بالمعاد، و الإيمان بالرسالة، و ما شابه ذلك ممّا يبحث عنه في علم الكلام. و يقصد من التقليد في أُصول الدين عقد القلب بها من قول أحد بلا طلب دليل من العقل أو النقل، و قد عرفت أن للتقليد سنخيّة مع ما يقع فيه التقليد.

و يقصد من الاجتهاد في أُصول الدين هو الاعتقاد بها الحاصل من دليل عقلي أو نقلي.

و استدلّ صاحب المستمسك على عدم جواز التقليد في أُصول الدين بالإجماع، و قال: «ادّعاه جماعة، بل ادّعي عليه إجماع المسلمين»[1].

[1]المستمسك، ج 1، ص 103.


صفحه 399

أقول: يمكن أن يكون المراد من الإجماع الاتّفاق؛ لأنّ تحصيل الإجماع و هو دليل تعبّدي في مثل هذه المسألة التي يكون للعقل سبيل فيها صعب، و لعلّه غير ممكن، و أمّا دعوى إجماع المسلمين فهي خلاف سيرة أكثرهم، فإنّ قليلًا منهم قد حصلت له هذه العقائد من الدليل و البرهان.

إنّ عقد القلب بأُصول الدين قد حصل لكثير من ناحية التوارث، أو من ناحية الظروف المحتفّة بهم، أو بقول من يوثق بقوله.

لو كان إيمان كلّ واحد من المسلمين حاصلًا من الدليل و لم يكن للعاطفة فيه دخل لما افترقوا فرقة فرقة، و لما وقع الخلاف الشاسع بينهم، و لم يسيطر على كثير منهم التعصّب.

ثمّ إنّ المراد من معقد هذا الإجماع هل هو أنّ من عقد القلب بأُصول دين الإسلام عقداً حاصلًا من التقليد فهو ليس بمسلم؟ فيكون المراد من عدم الجواز معناه الوضعي؟ أو أنّه يجب على كلّ مسلم تحصيل الاعتقاد بها اجتهاداً، بمعنى تطبيق الدليل على وفق ما اعتقده تقليداً؟ أو أنّ المراد أنّ من لم يجتهد في أُصول الدين فهو عاص بسبب تركه للاجتهاد، فهو مسلم مرتكب لذنب، فليس بعادل؟

أو أنّ المراد من الاجتهاد في أُصول الدين عدم الاكتفاء فيها بالظنّ، و وجوب تحصيل اليقين و الوثوق بها؛ و ذلك لزعمهم بأنّ العلم قلّما يحصل بالتقليد، فاعتبار الاجتهاد من جهة كونه طريقاً إلى اليقين لا موضوعيّة له؟ و جميع هذه الاحتمالات لا تخلو من نظر واضح.

و يحتمل أن يكون المراد بإجماع المسلمين اتّفاقهم من حيث إنّهم عقلاء، فيفيد أنّ العقل الصحيح حاكم بوجوب البحث و التحقيق عن أُصول الاعتقادات و مباني الدين حتّى يحصل الوثوق و اليقين بها.

و من المعلوم: أنّ من كان يدخل في الإسلام في عهد النبيّ لم تكن سيرته المقدّسة قائمة على مطالبة الحجّة منه لإسلامه، و إنّ سيرة المسلمين على ذلك أيضاً فلا يطالبون من يريد اعتناق الإسلام بالحجّة، بل هي قائمة على عدم المطالبة بالحجّة عن‌


صفحه 400

كلّ من يظهر الإسلام. و قد مرّ تفصيل الكلام في هذا البحث، فراجع.

التقليد في مسائل أُصول الفقه‌

و قد اشتهر بين القوم عدم جريان التقليد في مسائل أُصول الفقه.

فمن كان مقلّداً في تلك المسائل فلا رخصة له أن يدخل دار الاستنباط في الفروع الفقهيّة؛ إذ النتيجة تابعة لأخصّ المقدّمتين، فمن لم يكن مجتهداً في إحدى مقدّمات الاجتهاد فليس بمجتهد، مثلًا: إذا كان مقلّداً لمجتهد في حجّيّة الخبر الواحد فليس له أن يتّخذ رأياً مخالفاً لرأي ذلك المجتهد استظهاراً من الأخبار، و لا يجري عليه حكم الاجتهاد من العمل برأيه، و نفوذ قضائه، و نحو ذلك. نعم، قد يحصل له الوثوق في بعض مسائل أُصول الفقه من قول أُستاذ بحّاث، فلا سبيل إلى الحكم بعدم جريان الاجتهاد عليه.

هذا كلّه على سبيل المماشاة معهم في هذا الباب، لكن لقائل أن يقول:

هل يكون قوله(عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا، أو من عرف أحكامنا، أو من نظر في حلالنا و حرامنا»[1]. منصرفاً عمّن قلّد مجتهداً في حجّيّة الخبر، أو في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؟

ثمّ إنّ بناء العقلاء قائم أيضاً على الرجوع إلى الأخصّائيّين في مباني المسألة التي يريدون الاجتهاد فيها، و إنّ قياس هذا الباب بما تقرّر عند أرباب المنطق من كون النتيجة تابعة لاخسّ بالسين أو بالصاد المقدّمتين محلّ تأمّل؛ لأنّ المقصود من الأخسيّة جزئيّة إحدى المقدّمتين، و عندئذ تكون النتيجة جزئيّة و ليست بكلّيّة، و أين ذلك من الباب؟ و عدم صدق المجتهد عليه في جميع المبادئ غير مضرّ إذا صدق عليه أنّه مجتهد في الفقه، فإنه ليس بموقوف على الاجتهاد في جميع العلوم المقدّميّة.

[1]مرّ تخريجه في ص 386.


صفحه 401

التقليد في مبادئ الاجتهاد

يقصدون من مبادئ الاجتهاد ما يتوقّف عليه الاجتهاد من العلوم، مثل: النحو و الصرف و البلاغة و المنطق و ما شابه ذلك، و بيان عدم جواز التقليد فيها بمثل ما مرّ من البيان في البحث عن التقليد في مسائل أُصول الفقه، و لازم هذا القول أنّه إذا قلّد نحويّاً في سبب رفع المبتدإ فلا يجوز له العمل برأيه فيما استنبطه من الأحكام الفقهيّة، فضلًا عن تقليد العامّي له، و هذا القول يوجب إخراج كثير من المجتهدين الكبار من دار الاجتهاد، و تحقيق المطلب أنّ ما يتوقّف عليه الاجتهاد في الأحكام هو معرفة هذه العلوم لا الاجتهاد فيها، و قد وقع الخلط بينهما.

التقليد في الموضوعات المستنبطة

و هي الموضوعات الخارجيّة التي قد رتّبت عليها أحكام في الشرع، و مفاهيمها تكون غير مبيّنة عند العرف، أو بحسب اللغة، مثل: الصعيد و الفناء و الإناء و نحو ذلك، و لست أدري لماذا لا يجري التقليد فيها و أخد مفاهيمها من الأخصّائيّين في ذلك.

قال صاحب المستمسك:

و البناء على عدم جواز التقليد فيها يقتضي البناء على وجوب الاحتياط، أو الاجتهاد، و لا يظنّ الالتزام به من أحد[1].

أقول: بل قد يقع الإشكال في الاجتهاد فيها، فإنّ اجتهاد من لا يكون متخصّصاً في أمر كيف يكون؟ إلا أن يقال بوجوب تخصّص المجتهد في كثير من العلوم، و ذلك ممّا لا يقول به كثير من المجتهدين من القدامى و المتأخّرين.

و اعلم أنّ الفرق بين الموضوع المستنبط العرفي، و بين الموضوع المستنبط اللغوي،

[1]المستمسك، ج 1، ص 105.


صفحه 402

أنّ الأوّل ممّا يستعمل لدى العرف فيؤخذ مفهومه منه سعة و ضيقاً، بخلاف الثاني فإنّه غير مستعمل أو مستعمل بغير معناه السابق، فلا بدّ من الرجوع إلى قول اللغوي لرفع الشكّ عن مفهومه سعة و ضيقاً، و قول اللغوي حاك عن استعمالاته السابقة في لغة العرب، و لا يبعد أن يكون أكثر الموضوعات من قبيل الثاني، لا الأوّل.

التقليد في الموضوعات الصرفة

لا سبيل إلى التقليد في الموضوعات الصرفة؛ لأنّه ليس للفقيه تصرّف فيها، بل الأمر فيها بيد العرف.

فمن شرب سمّاً اعتماداً و تقليداً لقول فقيه إنّه ليس بسمّ حال كونه شاكّاً في صحّة قوله و مات على إثر شرب ذلك السمّ فهو الملوم عند العقلاء، بل عند الشرع.

التقليد في الموضوعات الشرعيّة

إنّ التقليد يجري في الموضوعات الشرعيّة و وجهه واضح.

فإنّ بيان حقيقة هذه الموضوعات مثل الصلاة و نحوها، و ما يعتبر فيها، و ما يفسدها إنّما يكون بيد الفقيه دون غيره. إنّ هذه الموضوعات ممّا له دخل في الأحكام، فيجب أخذها من الفقيه.

[المسألة 68] وظائف المجتهد

المسألة 68: لا يعتبر الأعلميّة فيما أمره راجع الى المجتهد إلا في التقليد، و أمّا الولاية على الأيتام و المجانين و الأوقاف التي لا متولّي لها و الوصايا التي لا وصيّ لها و نحو ذلك فلا يعتبر فيها الأعلميّة.

نعم، الأحوط في القاضي أن يكون أعلم من في ذلك البلد أو في غيره ممّا لا حرج في الترافع إليه.

إنّ الوجه في جميع ذلك إطلاق ما استدلّ به على ثبوت الولاية العامّة للفقيه،


صفحه 403

لكن قد تنظّروا في دلالته و قالوا: لا دليل على ولايته إلا في باب القضاء، و بناءً على صحّة هذا القول يكون ثبوت الولايات المذكورة في المتن من باب ولاية الحسبة، و هي القربة المقصود منها التقرّب إلى الله تعالى، و موردها كلّ معروف علم إرادة نفس وجوده في الخارج شرعاً من غير نظر من الشارع إلى من يوجد ذلك المعروف.

ثمّ قالوا: مقتضى القاعدة فيها ولاية الأعلم مع التمكّن من الوصول إليه؛ لأنّه القدر المتيقّن من دليلها الذي هو الإجماع أو الضرورة.

أقول: كون الأعلم قدراً متيقّناً لمن ثبتت له هذه الولايات محلّ تأمّل و إن سلّمناه في المرجعيّة و الإفتاء، و احتمال كون الأعقل أو الأعدل قدراً متيقّناً في هذا الباب أولى.

و أمّا وجه الاحتياط في اعتبار الأعلميّة في القاضي فهو الوجه في اعتبار الأعلميّة في المفتي على الأحوط، لكن هناك قائل بتعيّنه.

قال العلامة(قده)في القواعد:

لو كان أحدهم أفضل تعيّن الترافع إليه حال الغيبة، أمّا حال ظهور الإمام فالأقرب جواز العدول إلى المفضول؛ لأنّ خطأه ينجبر بنظر الإمام‌[1].

إنّ القضاء مورد للتخاصم و اللجاج و العناد، فيمكن أن يعتبر فيه أُمور لسدّ باب اللجاج أو لزواله.

[المسألة 69] اعلام المجتهد عن تبدّل رأيه‌

المسألة 69: إذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب عليه إعلام المقلّدين أم لا؟ فيه تفصيل: فإن كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط فالظاهر عدم الوجوب، و إن كانت مخالفة فالأحوط الأعلام، بل لا يخلو عن قوّة.

علّق الشيخ ضياء الدين العراقي على قوله: «فالظاهر عدم الوجوب» قائلًا:

مع بقاء مقلّده على إتيانه برجاء الواقع، و إلا فمع عدم المشروعيّة يجب إرشاده إلى‌

[1]قواعد الأحكام، ج 2، ص 200 201.


صفحه 404

ما يراه تكليفاً فعلًا في حقّه، اللهمّ أن يدّعي منع قيام الدليل على وجوب إرشاد الجاهل عند عدم مخالفة عمله للواقع، مع فرض اعتقاده بعدم تشريعه في قصده‌[1].

أقول: لازم صحّة هذا الكلام إمّا عدم جواز إفتاء المفتي بالاحتياط، أو وجوب الإعلام عليه، بأن يأتي المستفتي بالعمل الاحتياطي برجاء إدراك الواقع، و ذلك بحث عامّ لأصله له بصورة تبدّل الرأي، و قد تقدّم البحث عن ذلك بالتفصيل في المسألتين «48 و 58»، فراجع.

[المسألة 70] العامّي و إجراء لأصل‌

المسألة 70: لا يجوز للمقلّد إجراء أصالة البراءة أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، و أمّا في الشبهات الموضوعيّة فيجوز بعد أن قلّد مجتهده في حجّيّتها، مثلًا: إذا شكّ في أنّ عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له إجراء أصالة الطهارة، لكن في أنّ هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا يجوز له إجراؤها بعد أن قلّد المجتهد في جواز الإجراء.

أنّ التقليد في إجراء الأصل الحكمي مثل التقليد في مسائل أُصول الفقه، و قد مرّ البحث عنه في «المسألة 67».

مضافاً إلى أنّ إجراء الأصل في الشبهة الحكميّة موقوف على الفحص عن الدليل الاجتهادي و اليأس عن وجوده، و العامّي عاجز عن ذلك، فإنّ الفحص و اليأس موقوفان على فهم دلالة الدليل، و على الوصول إلى ما يمكن أن يكون معارضاً له، فحال هذا العامّي حال المجتهد الذي لم يفحص عن الدليل الاجتهادي.

و المراد من عدم جواز إجراء الأصل الحكمي للعامّي معناه الوضعي، و هو عدم الأثر لإجرائه، و إذا حصل اليأس عن الدليل للمجتهد و أخبر بذلك العامّي فهل يجوز له إجراء الأصل الحكمي أم لا؟ وجهان: أوجههما عدم الجواز؛ لعدم أثر عملي‌

[1]تعليقة استدلاليّة، ص 15.