بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 81

فإنّه ليس بتقليد أعمى؛ لأنّ الجهة المرجّحة التي يخضع لها العقل تخرجه عن دائرة الذمّ و القبح، و تدخله في إطار المدح و الحسن. و الجهة المرجّحة معرفة من يتبع، بمورد الاتّباع.

و يرشدك إلى ذلك سيرة العقلاء في جميع أُمورهم، و شؤونهم مرّ الدهور و الأعوام؛ فإنّهم عند جهلهم بشي‌ء يتّبعون العارف به، فإنّ دربهم لتحصيل المعرفة بقيم الأشياء هو الرجوع إلى المقوّم العارف بالقيم، و لمعرفة صحيح الأشياء عن سقيمها هو الرجوع إلى المتخصّص، و في علاج مرضاهم هو الرجوع إلى الطبيب، كما يرجعون لمعرفة معاني الألفاظ إلى أهل اللسان، أو أئمّة اللغة.

بل يمكن أن يقال: إنّ رجوع الجاهل إلى العالم من العقل الفطري لكلّ إنسان، فمن البديهي أنّ من لا يعرف الطريق يسأل العارف به.

نظرة إلى السيرة

و من البديهي أنّ هذه السيرة غير مختصّة بصورة حصول اليقين من قول، العالم، بل هي جارية بينهم حتّى في الصورة التي لا يحصل لهم اليقين من قوله، كما أنّها جارية لديهم في صورة تمكّنهم من معرفة حال المجهول بالبحث عنه، و صرف الجهل في سبيل معرفته، فهم يرجعون إلى العالم إذا لم يقصدوا البحث عن معرفته بأنفسهم.

و أيضاً إنّ هذه السيرة جارية لديهم في صورة تمكّنهم من الاحتياط، فإنّ الرجوع إلى العارف لا يختصّ بالصورة التي لم يمكن فيها الاحتياط.

إجراء السيرة في الأُمور الشرعيّة

و لا نريد من تقليد العامّي بالأحكام الشرعيّة عن المجتهد إلا إجراء هذه السيرة العقلائيّة في كيفيّة إطاعة الأحكام الإلهيّة، فإنّ العقل هو الحاكم في مقام امتثال أوامره تعالى و نواهيه.

و لو كان للشرع طريق خاصّ لامتثال أحكامه لوجب الإخبار به، و إلا لزم لغويّة


صفحه 82

التشريع من جهة عدم معرفة البشر به، فإذا لم يخبر عن ذلك فهو كاشف عن اتّكال امتثال أحكامه إلى ما يعرفه العقل البشري.

مضافاً إلى أنّ تلك السيرة العقلائيّة لمّا كانت تبدأ من ابتداء العصر البشري، و تكون جارية مدى القرون و الأحقاب، و تنتهي بانتهاء الحياة البشريّة فلا محالة كانت بمرأى من النبي الكريمُ، و أوصيائه الطيّبين «؛ إذ كان المسلمون يعملون بهذه السيرة في امتثالهم لأحكام الله تعالى، فلو كان ذلك غير مرضي لهم لمنعوهم و أرشدوهم، و لو صدر منع عنهم «أجمعين لبان و وصل إلينا، فإنّ مثل هذا المنع عن مثل هذه السيرة ليس ممّا يخفى؛ إذن فعدم وصول ردع من ناحيتهم عن تنفيذ هذه السيرة للعمل بالأحكام الشرعيّة كاشف عن رضى الله تعالى بذلك. مضافاً إلى ما سيجي‌ء من إرشادات الكتاب و السنّة لإجرائها في الشرع.

و ممّا يدلّ عقلًا على جواز رجوع الجاهل بالأحكام الشرعيّة إلى العالم ما ذكره المدقّق الأصفهاني في تعليقته على كفاية الأُصول حيث قال:

بعد ثبوت التكليف في زمان الغيبة، و عدم كون العباد مهملًا فيه، فالعقل حاكم بأنّ عدم التعرّض لامتثاله جرأة و عصيان موجب لاستحقاق فاعله العقاب، و بعد عدم إيجاب الاحتياط لاستلزامه العسر و الحرج، و عدم معرفة طريقه، فتعرّض العامّي للامتثال إنّما يتحقّق بالتقليد دون غيره؛ لعدم اعتبار ظنّه عند العقلاء[1].

و قريب منه ما ذكره في رسالته في الاجتهاد و التقليد.

أقول: و نضيف إليه أنّ العامّي غير متمكّن تمكّناً فعليّاً من تحصيل الحجّة من الطرق المعتبرة في الشرع لمعرفة الأحكام؛ إذن فالحجّة للعامّي منحصرة بقول الفقيه.

هل جواز التقليد بديهي؟

إنّ صاحب الكفاية(قده)قد ادّعى بديهيّة جواز التقليد و قال:

[1]نهاية الدراية، ج 6، ص 399.


صفحه 83

إنّه حكم جبلّي فطري لا يحتاج إلى دليل، و إلا لزم سدّ باب العلم على العامّي مطلقاً غالباً؛ لعجزه عن معرفة ما دلّ عليه الكتاب و السنّة. و لا يجوز التقليد فيه أيضاً، و إلا لدار أو تسلسل.[1]أقول: و في كلامه مواقع للنظر: أحدها: في دعوى بديهيّته. فإنّه لو كان جواز التقليد في الأحكام الشرعيّة أمراً بديهيّاً لم يختلف فيه اثنان، و الحال أنّه قد وقع الاختلاف فيه، و إليك ما حكي عن الشهيد في ذكراه، قال(قده):

خالف فيه بعض قدماء الأصحاب، و فقهاء حلب، فأوجبوا على العوامّ الاستدلال، و اكتفوا فيه بمعرفته الإجماع و النصوص الظاهرة، و أنّ الأصل في المنافع الإباحة، و في المضارّ الحرمة، مع فقد نصّ قاطع في متنه و دلالته، و النصوص محصورة.

ثمّ قال(قده):

و يدفعه إجماع السلف و الخلف على الاستفتاء من غير نكير و لا تعرّض لدليل‌[2].

و إليك ما يحكيه صاحب الفصول: قال(قده):

شرذمة أوجبوا على العامّي الرجوع إلى عارف عدل يذكر له مدرك الحكم من الكتاب و السنّة، فإن ساعد لغته على معرفة مدلولهما، و إلا ترجم له معانيها بالمرادف من لغته. و إن كانت الأدلّة متعارضة ذكر له المتعارضين و نبّهه على طريق الجمع، و بعد تعذّره يذكر أخبار العلاج، و إذا احتاج إلى معرفة الراوي ذكر له حاله.

ثم قال صاحب الفصول: «و وضوح فساده يغني عن البيان»[3].

أقول: بل هو كرّ على ما فرّ؛ لأنّ الرجوع إلى عارف عدل كي يذكر له مدرك الحكم تقليد عنه، و الرجوع إليه في ترجمته الألفاظ بالمرادف من لغته تقليد عنه، و الرجوع إليه لمعرفة طريق الجمع الدلالي بين المتعارضين تقليد له، و كذا في معرفة حال الراوي.

و كأنّ هؤلاء الشرذمة زعموا أنّ عدد المسلمين لا يزيد على آحاد معدودة فارغين،

[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 435.

[2]ذكرى الشيعة، ص 2 و 3.

[3]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 133.


صفحه 84

ليس لهم شغل سوى ذلك، كما أنّ هذا القول ملازم للقول بإنكار أنّ الدين الإسلامي دين لمجتمع عالمي في جميع الأزمان في مشارق الأرض و مغاربها، برّاً و بحراً.

ثمّ إنّ المقصود من هذه الحكاية أنّه لو كان جواز التقليد بديهيّاً لما احتاج القوم إلى إثبات عدم جوازه في أُصول الدين بذكر الأدلّة، فإنّ الحكم بعدم الجواز النظري لا يقاوم الحكم بالجواز البديهي.

و لو كان جواز التقليد بديهيّاً لما احتاج القوم إلى إثباته في الفروع بالدليل. و لما احتاجت نفسه الشريفة إلى الاحتجاج له بقوله: «و إلا لزم سدّ باب التقليد على العامّي».

ثانيها في قوله: «أنّه حكم جبلّي فطري» فإنّ الحكم الفطري هو الذي ينشأ من الغريزة، و جواز التقليد في الأحكام لم ينشأ من الغريزة، و لا من اقتضاءات الفطرة. نعم، يمكن أن يقال: إنّ أصل رجوع الجاهل إلى العالم فطري، فإنّ حبّ البحث عن المجهول من فطريّات الإنسان.

ثالثها: في قوله: «لدار أو تسلسل» فإنّه لو قيل بأنّ جواز التقليد في الأحكام موقوف على تقليد العقلاء في أُمورهم، و ذلك لا يتوقّف على جواز تقليد العامّي في الأحكام الشرعيّة و لو قيل بأنّ جواز التقليد في الأحكام موقوف على سيرة العقلاء في أُمورهم؛ و ذلك لا يتوقّف على جواز تقليد العامّي في الأحكام الشرعيّة فلا دور، و إنّ جواز تقليد العقلاء ممّا يحكم به العقل السليم، فلا تسلسل.

التقليد عند الشرع‌

الأصل الأوّلي: لمّا كانت أُصول الشريعة الإسلاميّة و فروعها غير خارجة عن إطار حكم العقل فأنت لا تجد أمراً جوّزه الإسلام و يحكم باستحالته العقل، أو أمر به الإسلام و يراه العقل قبيحاً، أو نهى عنه الإسلام يراه العقل حسناً، أو قال الإسلام باعتباره و العقل يحكم بلغويّته؛ فالأصل الأوّلي العقلي في التقليد بعينه هو الأصل الأوّلي الشرعي فيه. و إليك الإرشادات الواردة في الشرع‌


صفحه 85

قال الله تعالى‌وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‌ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ‌[1].

و قال تعالى‌وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ‌[2].

تحكم هاتان الآيتان الكريمتان بحرمة اتّباع آباء الجهلة؛ فإنّه من التقليد الأعمى القبيح، فالقران الكريم يوبّخ قوماً يتّبعون آباءهم الذين لا يعلمون شيئاً و لا يهتدون.

إنّ جهّال البشريّة يجعلون آباءهم أصناماً، و يجعلون أنفسهم عبّاداً لأصنام صنعوها بأيديهم، لكن عقلاء البشريّة يأبون عن ذلك غاية الإباء، و يرون المتّبع لأهواء إبائه الجهلة أحمق، فإنّ الرجل من جهة كونه أباً لا صلاحيّة له للاتّباع، و الجاهل الذي لا يعرف الطريق كيف يقدر على إراءته.

و قال تعالى‌وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[3]و قال تعالى‌إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[4]. و قال تعالى‌ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ‌[5]. و قال تعالى‌وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‌[6].

تفيد هذه الآيات الكريمة عدم جواز اتّباع الظنّ؛ فإنّه لا حجّيّة له، فاتّباع الظنّ تقليد أعمى، و الذي يجب أن يتّبع هو العلم دون سواه، فثوب الحجّيّة هو لباس العلم أعني الوثوق، و اتّباع العلم تقليد مستحسن عند العقل و النقل.

الأصل الثانوي: إن الرجوع إلى العالم و اتّباعه و التقليد عنه حسن راجح لازم.

قال الله تعالى:

[1]المائدة (5) الآية 104.

[2]البقرة (2) الآية 170.

[3]يونس (10) الآية 36.

[4]النجم (53) الآية 28.

[5]النساء (4) الآية 157.

[6]الإسراء (17) الآية 36.


صفحه 86

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‌[1]. و قال تعالى أيضاًفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*[2].

و تقريب الاستدلال بالآية الأولى التي قد سمّيت عندهم بآية النفر: أن المأمور به فيها هو الإنذار، و المقصود من الإنذار بيان الأحكام الشرعيّة بشهادة نفس الآية؛ فإنّ الظاهر منها كون الإنذار نتيجة التفقّه في الدين. فذكر اللازم و أريد الملزوم.

و اعلم أنّ بيان الأحكام قد يكون بحكاية قول النبيّ و ذلك هو الرواية و التحديث، و قد يكون بحكاية ما استفيد من قوله أو فعله أو تقريرهُ و ذلك هو الإفتاء، و الإخبار عن التفقّه و الاجتهاد.

ثمّ اعلم أنّ كلمة «لعلّ» الواقعة في الآية على الحذر مفيدة للتوقّع. و لمّا كان التوقّع غير لائق بمقامه تعالى فإنّ الشكّ مأخوذ في مفهوم التوقّع، فكلمة «لعلّ» تفيد أنّ الحذر مطلوب له تعالى.

و من المعلوم أنّ الحذر فعل اختياري، و قد جعل في الآية الكريمة غاية للإنذار الواجب، فيكون الحذر واجباً بالأولويّة القطعيّة؛ لظهور أنّ وجوب المغيّا قد نشأ من وجوب الغاية.

و «الحذر» في العرف و اللغة بمعنى التحرّز عن الشي‌ء، فهو من الأفعال الخارجيّة، و ليس بأمر نفساني، كما يشهد بذلك قولهم: الغراب حذر.

«فالحذر» في الآية الكريمة جعل كناية عن العمل بما أخبر به النافرون، و هم الرواة أو المجتهدون. و العمل بخبر المجتهد هو التقليد عنه، ففي الآية دلالة على أنّ التقليد هو العمل.

و لا يخفى أنّ اختلاف التفقّه و الاجتهاد سهولة في صدر الإسلام و صعوبة في هذه الأزمنة لا يوجب صرف ظهور الآية عن معنى عامّ إلى معنى خاصّ، و هو الدلالة على‌

[1]التوبة (9) الآية 122.

[2]النحل (16) الآية 43.


صفحه 87

حجّيّة الخبر؛ لأنّ اختلاف مصاديق العامّ في بعض الأحوال و الميزات لا يوجب صرف ظهوره إلى بعضها، مع أنّ جملة «التفقّه في الدين» أظهر في الدلالة على الاجتهاد من نقل الحديث.

و أمّا تقريب الاستدلال بالآية الثانية التي قد سمّيت عندهم بآية الذكر: هو أنّ المخاطب بالأمر بالسؤال «من لا يعلم» فيصير المراد من أهل الذكر «هم الذين يعلمون» بقرينة المقابلة، كما أنّ ظاهر الآية أنّ الأمر بالسؤال للإرشاد إلى طريق تحصيل العلم، فالعلم الحاصل من السؤال قد يكون مطلوباً بنفسه و قد يكون مطلوباً للعمل به، فالآية الكريمة دالّة على قانون كلّي عليه تجري سيرة العقلاء و هي رجوع الجاهل إلى العالم؛ فقد أُمر الجاهل بالسؤال عن العالم كي يطّلع على أُصول الدين و فروعه.

و أورد في الكفاية على الاستدلال بهذه الآية ب: «قوّة احتمال الإرجاع لتحصيل العلم لا للأخذ تعبّداً[1]» و ب: «أنّ المسئول فيها هم علماء أهل الكتاب، كما هو ظاهرها، أو أهل بيت العصمة، كما فسّر به الأخبار[2]».

لكن كلا إيراديه غير وارد فإنّه يجاب عن الأوّل منهما بأنّ لرجوع الجاهل إلى العالم موردين:

أحدهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة مطلوبة لنفسها.

و ثانيهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة طريقاً للعمل بها.

فإنّ الآية الشريفة تشير و الله اعلم إلى تنفيذ السيرة العقلائيّة فيما يتعلّق بمعالم الدين من أُصوله و فروعه، فلا وجه لدعوى اختصاص دلالتها بالأُصول فقط.

و الجواب عن الثاني: أنّه لا شكّ في أنّ أهل بيت العصمة من أشرف مصاديق أهل الذكر و أفضلها، لكن ذلك لا يوجب حصر الظهور بهم، كما أنّ علماء أهل الكتاب أيضاً من مصاديق أهل الذكر بلا شكّ، فالعموم متناول للجميع، و المورد

[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 435 (نقل بالمعنى).

[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 435 و 436 (نقل بالمعنى).


صفحه 88

لا يوجب تخصيص العامّ به، و حصر الكلّي عليه.

و استدلّ لجواز التقليد عند الشرع بالإجماع، قال المحقّق(قده)في المعارج:

اتّفق علماء الأعصار على الإذن للعوامّ للعمل بفتوى العلماء من غير تناكر، و قد ثبت أنّ إجماع كل عصر حجّة[1].

أقول: إنّ المسألة ممّا للعقل إليها سبيل، و لواضح النقل عليها دليل، فكون هذا الإجماع شرعيّاً تعبّديّاً محلّ تأمّل.

و اعلم أنّ سيرة الصحابة و التابعين كانت على ذلك، فكان العوامّ منهم يرجعون إلى فقهائهم، كما كان الفقهاء منهم يرشدون العوامّ إلى الأحكام الشرعيّة.

و هل كان ذلك إجماعاً من الصحابة من باب أنّهم صحابة النبيّ فيكون إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن إرشاد النبيّ بذلك أم كان ذلك اتّفاقاً منهم من حيث إنّهم عقلاء، فيخرج عن كونه دليلًا شرعيّاً و يدخل في سيرة العقلاء.

و من أدلّة جواز التقليد شرعاً سنّة الرسولُ الواصلة إلينا من طريق العترة الطاهرة الذين هم أحد الثقلين و هي طوائف من النصوص:

الطائفة الأُولى: ما يفيد تقرير الأئمّة المعصومين «للتقليد المتداول بين المسلمين و هو رجوع العامّي منهم بالأحكام إلى علمائهم، مثل مرفوعة إبراهيم بن هاشم قال: سألت امرأة أبا عبد الله(عليه السلام)فقالت: إنّي كنت أقعد من نفاسي عشرين يوماً حتّى أفتوني بثمانية عشر يوماً. فقال(عليه السلام): «و لم أفتوك بثمانية عشر يوماً؟[2]» فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول اللهُ قال لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمّد بن أبي بكر، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ أسماء سألت رسول اللهُ و قد أتى بها ثمانية عشر يوماً[3]» و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل ما تفعله المستحاضة.

و مثلها الخبر الوارد في امرأة محمّد بن مسلم عن حمران بن أعين، قال: قالت‌

[1]معارج الأُصول، ص 197.

[2]وسائل الشيعة، ج 2، ص 384، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.

[3]وسائل الشيعة، ج 2، ص 384، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.