امرأة محمَّد بن مسلم و كانت ولوداً: أقرئ أبا جعفر السلام و أخبره: أنّي كنت أقعد في نفاسي أربعين يوماً، و إنّ أصحابنا ضيّقوا علي فجعلوها ثمانية عشر يوماً؟ فقال أبو جعفر(عليه السلام): «من أفتاها بثمانية عشر يوماً[1]»؟! قلت: للرواية التي رووها في أسماء بنت عميس، الحديث.
و تقريب الاستدلال بالخبرين: أنّ الإمام(عليه السلام)قرّر أصل تقليد المرأتين عن بعض و إن كان خطّأ فتوى ذلك البعض.
و مثل الخبرين الخبر الوارد عن العبد الصالح(عليه السلام)قلت: إنّ أُناساً من أصحابنا قد لقوا أباك و جدّك، و سمعوا منهما الحديث، فربّما كان الشيء يبتلى به بعض أصحابنا و ليس في ذلك شيء بعينه، و عندهم ما يشبهه أ يسعهم أن يأخذوا بالقياس؟ فقال(عليه السلام): «لا»[2].
يظهر من السؤال الوارد فيه أنّ عمل أصحابنا في ذلك العصر كان على الرجوع إلى علمائهم الذين لقوا الإمامين الصادقين»، و سمعوا منهما الحديث، و يظهر من الجواب تقرير الإمام(عليه السلام)لعملهم، و النهي عن الفتوى بالقياس.
و مثله خبر علي بن أسباط قال: قلت للرضا(عليه السلام): يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته، و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟
فقال(عليه السلام): «ائت فقيه البلد فاستفته عن أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإنّ الحقّ فيه»[3].
و ظاهر هذا الحديث أنّ سيرة أصحابنا الإماميّة في عصر الحضور كانت مستمرّة على الاستفتاء من فقهاء موالي أهل البيت(عليه السلام)و قد أمضاها الإمام.
الطائفة الثانية: النصوص التي يظهر منها أنّ الإفتاء من فضلاء صحابتهم للعوامّ
[1]وسائل الشيعة، ج 2، ص 386، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 11.
[2]بحار الأنوار، ج 2، ص 304، ح 48.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 115، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 22.
كان متداولًا في عصرهم، مثل خبر حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول:
«من استأكل بعلمه افتقر» فقلت جعلت فداك: إنّ في شيعتك و مواليك قوماً يتحمّلون علومكم، و يبثّونها في شيعتكم، فلا يعدمون منهم البرّ و الصلة و الإكرام؟
فقال(عليه السلام): «ليس أولائك بمستأكلين، إنّما المستأكل بعلمه الذي يفتي بغير علم و لا هدى من الله عزّ و جلّ ليبطل به الحقوق طمعاً في حكّام الدنيا»[1]و سؤال حمزة يشهد أن بثّ علوم أهل البيت بواسطة علماء صحابتهم كان متداولًا في تلك العصور، و من المعلوم أنّ علومهم متناول لجميع أنواع العلوم الإسلاميّة، فيشمل الإفتاء بالأحكام، و لم يكن منحصراً بنقل الحديث.
الطائفة الثالثة: النصوص الواردة بعنوان عامّ لتعريف المفتي جواباً عن سؤال من يطلب معرفته، مثل ما رواه الكشّي بسنده عن أحمد بن حاتم بن ماهويه. قال: كتبت إليه يعني أبا الحسن الثالث(عليه السلام)أسأله عمّن أخذ معالم ديني؟ و كتب أخوه أيضاً بذلك. فكتب(عليه السلام)إليهما: «فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، و كلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء الله»[2].
بيان: المسنّ في حبّهم و كثير القدم في أمرهم «هو الذي تفقّه عندهم.
الطائفة الرابعة: النصوص الواردة في بيان وظيفة الإماميّة في عصر الغيبة و هي بلسان عامّ، مثل التوقيع المبارك: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة الله عليهم»[3].
بيان: الحوادث جمع حادثة: هي الواقعة الجديدة التي يجهل حكمها بسبب حدوثها جديداً، و عدم وقوعها في عصر الحضور.
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 141، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 12.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 151، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 45.
[3]مرّ الحديث في ص 73، تحت رقم 2 من هذا الكتاب.
و الرجوع فيها إلى الرواة لمعرفة حكمها عبارة عن الاستفتاء عنهم؛ فإنّهم المفتون.
ثمّ إنّ التوقيع في مقام بيان الطريق لرفع الاحتياج في أمر الدين، و الاحتياج إلى الفتوى أكثر من الاحتياج إلى القضاء.
مضافاً إلى أنّ التعليل و هو قوله(عليه السلام): «أنّهم حجّتي عليكم» عامّ يتناول لجميع ما يرجع إلى الإمام(عليه السلام)في أمر الدين، فهو(عليه السلام)حجّة الله تعالى و هؤلاء حججه.
الطائفة الخامسة: النصوص الدالّة على أمر الإمام بعض فقهاء صحابته بالإفتاء للناس، مثل قول أبي جعفر(عليه السلام)لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس؛ فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك»[1].
بيان: الإفتاء مقدّمة للعمل، فإذا لم يكن عمل فلا يفيد الإفتاء و يكون الأمر بها لغواً. و أمر الإمام(عليه السلام)لأبان بالإفتاء يخبرنا عن وجود العامل بفتاوى أبان. فما أورد على الاستدلال به بأنّ إظهار الفتوى لا يدلّ على جواز أخذه و اتّباعه غير وارد؛ فإنّ الإفتاء بحكم إنّما يكون مقدّمة للعمل به و اتّباعه، و يشهد بذلك قوله(عليه السلام)في صحيحة الحذّاء: «و لحقه وزر من عمل بفتياه»[2]و قد مرّت، فإنّ المفروض فيها ملازمة العمل للفتوى.
أضف إلى ذلك: أنّ مفهوم الإفتاء يغاير مفهوم إظهار الحقّ؛ إذ النسبة بين المفهومين عموم و خصوص من وجه، و من هذا الباب خبر معاذ بن مسلم النحوي عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال لي أبو عبد الله: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس» قلت: نعم، و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج: إنّي أقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، و يجيئني الرجل أعرفه بمودّتكم و حبّكم فأخبره بما جاء عنكم، و يجيئني الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا، و جاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك،
[1]وسائل الشيعة، ج 30، ص 291 باب الهمزة في أصول الرجال.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 20، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 1.
فقال(عليه السلام)لي: «اصنع كذا فإنّي كذا أصنع»[1].
بيان: ظاهر هذا الخبر أنّ معاذاً كان يفتي بما جاء عنهم «، كما أنّ قوله: «فيسألني عن الشيء» له ظهور في الاستفتاء.
الطائفة السادسة: النصوص الدالّة بحسب المفهوم على جواز الإفتاء طبقاً لأُصول المذهب.
مثل ما ورد من النهي عن الإفتاء بغير علم و لا هدى، كصحيحة الحذّاء التي مرّت، و مثل ما ورد من النهي عن الفتوى بالقياس و الرأي. كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس[2].
و مثل ما ورد في تحريم الفتوى بغير علم بالناسخ، و المنسوخ، و المحكم، و المتشابه، فعن النبي: «من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك»[3]بيان: يظهر من هذا النصّ أنّ شرط جواز الإفتاء هو الاجتهاد.
الطائفة السابعة: النصوص الواردة في الإرجاع إلى أشخاص فقهاء أصحابهم «، مثل قول أبي الحسن الهادي(عليه السلام)في جواب سؤال أحمد بن إسحاق: من أُعامل؟ أو عمّن أخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال(عليه السلام): «العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي، فعنّي يقول، فاسمع له و أطع»[4]رواه الكليني في أُصول الكافي.
و مثل هذا السؤال سأله أحمد عن أبي محمّد العسكري(عليه السلام)فقال(عليه السلام):
«العمري و ابنه ثقتان، فما أديا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك عنّي فعنّي
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 148، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 36.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 11.
[3]بحار الأنوار، ج 47، ص 50، ح 79.
[4]وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 4؛ الكافي، ج 1، ص 265، ح 1.
يقولان، فاسمع لهما و أطعمها، فإنّهما الثقتان المأمونان»[1]. رواه الكليني في الأُصول.
بيان: ظاهر السؤال عن الإمام الهادي(عليه السلام)بالعبائر الثلاث طلب المعرفة عمّن يصلح للإفتاء. و كذا جواب الإمامين ظاهر في الإرشاد إلى تعريف المفتي. و إليك أمرهما(عليه السلام)بالاستماع و الإطاعة، فإنّه أجنبي عن التحديث.
و من الباب خبر شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ربّما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال(عليه السلام): «عليك بالأسدي»[2]يعني أبا بصير.
بيان: ظاهر السؤال أنّ المحتاج إليه حكم الشيء، فالجواب إرجاع إلى المفتي.
و من الباب خبر عبد الله بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي ليست كلّ ساعة ألقاك و يمكن القدوم، و يجيء الرجل من أصحابنا فيسألني و ليس عندي كلّ ما يسألني عنه؟ قال(عليه السلام): «فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي، فإنّه قد سمع أبي و كان عنده مرضيّاً وجيهاً»[3].
بيان: ظاهر السؤال بل صريحه طلب الحكم، فإنّ ابن أبي يعفور لا يطلب من الإمام الحديث حين يلقاه.
و مثله خبر يونس بن يعقوب قال: كنّا عند أبي عبد الله(عليه السلام)فقال(عليه السلام): «أ ما لكم من مفزع؟! أ ما لكم من مستراح تستريحون إليه؟! ما يمنعكم من الحرث بن المغيرة البصري»[4].
بيان: المفزع و المستراح هو المنصوب الذي يرجع إليه في جميع الاحتياجات الدينيّة.
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 4؛ الكافي، ج 1، ص 265، ح 1.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 142، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 15.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى، ح 23؛ رجال الكشّي، ج 1، ص 163 الرقم 273.
[4]وسائل الشيعة، ج 27، ص 145، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 24.
و مثله خبر عليّ بن المسيّب قال قلت للرضا(عليه السلام): شقّتي بعيدة، و لست أصل إليك في كلّ وقت، فعمّن أخذ معالم ديني؟ فقال(عليه السلام): «من زكريّا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا»[1]قال ابن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمت على زكريّا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه.
بيان: ظاهر هذا الخبر أنّ الإمام قد نصب زكريّا بن آدم مقام نفسه، فابن آدم مفت أيضاً و ليس بناقل الحديث وحده، و إنّ قول الراوي: «لمّا انصرفت» ظاهر في السؤال عن الحكم، و أجنبي من السؤال عن الحديث.
و مثله خبر عبد العزيز بن المهتدي و كان وكيل الرضا(عليه السلام)و خاصّته سألت الرضا(عليه السلام)، فقلت: إنّي لا ألقاك في كلّ وقت، فممّن أخذ معالم ديني؟ قال(عليه السلام): «خذ عن يونس بن عبد الرحمن»[2].
أقول: و هو يونس آل يقطين، كما نسبه إليهم في حديث آخر.
و مثله خبر أبي علي بن راشد عن أبي جعفر الثاني(عليه السلام)قال قلت جعلت فداك قد اختلف أصحابنا فأُصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال(عليه السلام): «عليك بعلي بن حديد» قلت فأخذ بقوله؟ فقال: «نعم»[3]. فلقيت علي بن حديد فقلت له: تصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال: لا.
بيان: و هذا النصّ صريح في الإرجاع إلى الفتوى.
و مثله قول أبي محمّد العسكري(عليه السلام)في فضل بن شاذان: «أغبط أهل خراسان بمكان فضل بن شاذان، و كونه بين أظهرهم»[4].
الطائفة الثامنة: ما حكي عن التفسير المنسوب إلى أبي محمّد العسكري(عليه السلام): «و أمّا من كان من العلماء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه،
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 146، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 27.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 148، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 34.
[3]رجال الكشّي، ص 279، الرقم 499. في ترجمة هشام بن الحكم.
[4]وسائل الشيعة، ج 27، ص 101، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 77.
فللعوامّ أن يقلّدوه»[1].
قال شيخنا الأنصاري في رسائله: «هذا الخبر الشريف لائح منه آثار الصدق».
أقول: فعلى هذا لا يلتفت إلى ما أورد عليه بضعف السند.
و ما رواه عيسى بن عبد الله العلوي عن أبيه، عن آبائه، عن علي(عليه السلام)قال: قال رسول الله: «اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً. قيل: يا رسول اللهُ من خلفاؤك؟ قال: الذين يبلّغون حديثي و سنّتي ثم يعلّمونها أُمّتي»[2].
بيان: تعليم السنّة المحمّديّة لأُمّة محمدُ هو الإفتاء.
و ما رواه عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت الرضا(عليه السلام)يقول: «رحم الله عبداً أحيا أمرنا» فقلت: و كيف يحيي أمركم؟ قال(عليه السلام): «يتعلّم علومنا و يعلّمها الناس»[3]الحديث.
بحث و تحقيق
قال صاحب الكفاية:
إنّ هذه الأخبار على اختلاف مضامينها، و تعدّد أسانيدها لا يبعد دعوى القطع بصدور بعضها، فيكون دليلًا قاطعاً على جواز التقليد، و إن لم يكن كلّ واحد منها بحجّة، فتكون مخصّصاً لما دلّ على عدم جواز اتّباع غير العلم، و الذمّ على التقليد من الآيات و الروايات.[4]أقول: و في كلامه مواقع للنظر:
أمّا أوّلًا: فإنّ الحجّة في هذه الأخبار موجودة، بل هي فيها أكثر من واحد، فإنّ
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 91، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 50؛ تفسير العسكري؛ ص 300، ح 143.
[2]بحار الأنوار، ج 2، ص 144، ح 3.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 92، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 52.
[4]كفاية الأُصول، ج 2، ص 436.
خبر الإرجاع إلى العمرى و إلى ابنه صحيح، و خبر الأمر بالإفتاء لأبان بن تغلب صحيح و مستفيض، و خبر إرجاع ابن أبي يعفور إلى محمّد بن مسلم صحيح، و خبر الإرجاع إلى زكريا ابن آدم صحيح. فيما أذكر. و إنّ ما ورد في النهي عن الفتوى بالقياس و الرأي و بغير علم تكون الحجّة فيها كثيرة مع أنّ الطائفتين متواترتان.
و أمّا ثانياً: فإنّ الخروج من الأصل الأوّلي العقلي و الشرعي الحاكم بعدم جواز التقليد كان بالتخصّص كما عرفت، لا بالتخصيص، كما صرّح به؛ فإنّ التقليد المذموم عقلًا المنهي عنه شرعاً هو التقليد الأعمى الذي لم ينشأ عن أمر عقلائي، و ليس فيه جهة راجحة عند العقل، مثل كون من يقلّد عنه موصوفاً بالعلم و التقوى و الفضل.
و ممّا احتجّ لجواز التقليد شرعاً سيرة المتشرّعة الإماميّة، كما قال الشيخ أبو جعفر الطوسي(قده)في العدّة:
إنّي وجدت عامّة الطائفة من عهد أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، و يستفتونهم في الأحكام و العبادات و يفتيهم العلماء فيها، و يسوّغون لهم العمل بما يفتون به. و ما سمعنا أحداً منهم قال لمستفت: لا يجوز لك الاستفتاء و لا العمل به. بلى ينبغي أن تنظر كما نظرت و تعلم كما علمت. و لا أنكر عليه العمل بما يفتونهم. و قد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمّة «، و لم يحك عن واحد من الأئمّة «النكير على هؤلاء، و لا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوّبونهم في ذلك، فمن خالف في ذلك كان مخالفاً لما هو المعلوم خلافه.[1]أقول: ما ذكره حقّ لا ريب فيه، و هل هذه السيرة إلا سيرتهم بما أنّهم متشرّعة، فتكون دليلًا شرعيّاً آخر على جواز التقليد، أم هي سيرتهم بما أنّهم عقلاء؟ و قد مرّت الإشارة إليها.
و لا يخفى أنّ هذه السيرة جارية بين جميع متشرّعة المسلمين فإنّهم يرجعون إلى
[1]العدّة، ص 294، الطبعة القديمة.