ليس لهم شغل سوى ذلك، كما أنّ هذا القول ملازم للقول بإنكار أنّ الدين الإسلامي دين لمجتمع عالمي في جميع الأزمان في مشارق الأرض و مغاربها، برّاً و بحراً.
ثمّ إنّ المقصود من هذه الحكاية أنّه لو كان جواز التقليد بديهيّاً لما احتاج القوم إلى إثبات عدم جوازه في أُصول الدين بذكر الأدلّة، فإنّ الحكم بعدم الجواز النظري لا يقاوم الحكم بالجواز البديهي.
و لو كان جواز التقليد بديهيّاً لما احتاج القوم إلى إثباته في الفروع بالدليل. و لما احتاجت نفسه الشريفة إلى الاحتجاج له بقوله: «و إلا لزم سدّ باب التقليد على العامّي».
ثانيها في قوله: «أنّه حكم جبلّي فطري» فإنّ الحكم الفطري هو الذي ينشأ من الغريزة، و جواز التقليد في الأحكام لم ينشأ من الغريزة، و لا من اقتضاءات الفطرة. نعم، يمكن أن يقال: إنّ أصل رجوع الجاهل إلى العالم فطري، فإنّ حبّ البحث عن المجهول من فطريّات الإنسان.
ثالثها: في قوله: «لدار أو تسلسل» فإنّه لو قيل بأنّ جواز التقليد في الأحكام موقوف على تقليد العقلاء في أُمورهم، و ذلك لا يتوقّف على جواز تقليد العامّي في الأحكام الشرعيّة و لو قيل بأنّ جواز التقليد في الأحكام موقوف على سيرة العقلاء في أُمورهم؛ و ذلك لا يتوقّف على جواز تقليد العامّي في الأحكام الشرعيّة فلا دور، و إنّ جواز تقليد العقلاء ممّا يحكم به العقل السليم، فلا تسلسل.
التقليد عند الشرع
الأصل الأوّلي: لمّا كانت أُصول الشريعة الإسلاميّة و فروعها غير خارجة عن إطار حكم العقل فأنت لا تجد أمراً جوّزه الإسلام و يحكم باستحالته العقل، أو أمر به الإسلام و يراه العقل قبيحاً، أو نهى عنه الإسلام يراه العقل حسناً، أو قال الإسلام باعتباره و العقل يحكم بلغويّته؛ فالأصل الأوّلي العقلي في التقليد بعينه هو الأصل الأوّلي الشرعي فيه. و إليك الإرشادات الواردة في الشرع
قال الله تعالىوَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ[1].
و قال تعالىوَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ[2].
تحكم هاتان الآيتان الكريمتان بحرمة اتّباع آباء الجهلة؛ فإنّه من التقليد الأعمى القبيح، فالقران الكريم يوبّخ قوماً يتّبعون آباءهم الذين لا يعلمون شيئاً و لا يهتدون.
إنّ جهّال البشريّة يجعلون آباءهم أصناماً، و يجعلون أنفسهم عبّاداً لأصنام صنعوها بأيديهم، لكن عقلاء البشريّة يأبون عن ذلك غاية الإباء، و يرون المتّبع لأهواء إبائه الجهلة أحمق، فإنّ الرجل من جهة كونه أباً لا صلاحيّة له للاتّباع، و الجاهل الذي لا يعرف الطريق كيف يقدر على إراءته.
و قال تعالىوَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[3]و قال تعالىإِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[4]. و قال تعالىما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ[5]. و قال تعالىوَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[6].
تفيد هذه الآيات الكريمة عدم جواز اتّباع الظنّ؛ فإنّه لا حجّيّة له، فاتّباع الظنّ تقليد أعمى، و الذي يجب أن يتّبع هو العلم دون سواه، فثوب الحجّيّة هو لباس العلم أعني الوثوق، و اتّباع العلم تقليد مستحسن عند العقل و النقل.
الأصل الثانوي: إن الرجوع إلى العالم و اتّباعه و التقليد عنه حسن راجح لازم.
قال الله تعالى:
[1]المائدة (5) الآية 104.
[2]البقرة (2) الآية 170.
[3]يونس (10) الآية 36.
[4]النجم (53) الآية 28.
[5]النساء (4) الآية 157.
[6]الإسراء (17) الآية 36.
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[1]. و قال تعالى أيضاًفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*[2].
و تقريب الاستدلال بالآية الأولى التي قد سمّيت عندهم بآية النفر: أن المأمور به فيها هو الإنذار، و المقصود من الإنذار بيان الأحكام الشرعيّة بشهادة نفس الآية؛ فإنّ الظاهر منها كون الإنذار نتيجة التفقّه في الدين. فذكر اللازم و أريد الملزوم.
و اعلم أنّ بيان الأحكام قد يكون بحكاية قول النبيّ و ذلك هو الرواية و التحديث، و قد يكون بحكاية ما استفيد من قوله أو فعله أو تقريرهُ و ذلك هو الإفتاء، و الإخبار عن التفقّه و الاجتهاد.
ثمّ اعلم أنّ كلمة «لعلّ» الواقعة في الآية على الحذر مفيدة للتوقّع. و لمّا كان التوقّع غير لائق بمقامه تعالى فإنّ الشكّ مأخوذ في مفهوم التوقّع، فكلمة «لعلّ» تفيد أنّ الحذر مطلوب له تعالى.
و من المعلوم أنّ الحذر فعل اختياري، و قد جعل في الآية الكريمة غاية للإنذار الواجب، فيكون الحذر واجباً بالأولويّة القطعيّة؛ لظهور أنّ وجوب المغيّا قد نشأ من وجوب الغاية.
و «الحذر» في العرف و اللغة بمعنى التحرّز عن الشيء، فهو من الأفعال الخارجيّة، و ليس بأمر نفساني، كما يشهد بذلك قولهم: الغراب حذر.
«فالحذر» في الآية الكريمة جعل كناية عن العمل بما أخبر به النافرون، و هم الرواة أو المجتهدون. و العمل بخبر المجتهد هو التقليد عنه، ففي الآية دلالة على أنّ التقليد هو العمل.
و لا يخفى أنّ اختلاف التفقّه و الاجتهاد سهولة في صدر الإسلام و صعوبة في هذه الأزمنة لا يوجب صرف ظهور الآية عن معنى عامّ إلى معنى خاصّ، و هو الدلالة على
[1]التوبة (9) الآية 122.
[2]النحل (16) الآية 43.
حجّيّة الخبر؛ لأنّ اختلاف مصاديق العامّ في بعض الأحوال و الميزات لا يوجب صرف ظهوره إلى بعضها، مع أنّ جملة «التفقّه في الدين» أظهر في الدلالة على الاجتهاد من نقل الحديث.
و أمّا تقريب الاستدلال بالآية الثانية التي قد سمّيت عندهم بآية الذكر: هو أنّ المخاطب بالأمر بالسؤال «من لا يعلم» فيصير المراد من أهل الذكر «هم الذين يعلمون» بقرينة المقابلة، كما أنّ ظاهر الآية أنّ الأمر بالسؤال للإرشاد إلى طريق تحصيل العلم، فالعلم الحاصل من السؤال قد يكون مطلوباً بنفسه و قد يكون مطلوباً للعمل به، فالآية الكريمة دالّة على قانون كلّي عليه تجري سيرة العقلاء و هي رجوع الجاهل إلى العالم؛ فقد أُمر الجاهل بالسؤال عن العالم كي يطّلع على أُصول الدين و فروعه.
و أورد في الكفاية على الاستدلال بهذه الآية ب: «قوّة احتمال الإرجاع لتحصيل العلم لا للأخذ تعبّداً[1]» و ب: «أنّ المسئول فيها هم علماء أهل الكتاب، كما هو ظاهرها، أو أهل بيت العصمة، كما فسّر به الأخبار[2]».
لكن كلا إيراديه غير وارد فإنّه يجاب عن الأوّل منهما بأنّ لرجوع الجاهل إلى العالم موردين:
أحدهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة مطلوبة لنفسها.
و ثانيهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة طريقاً للعمل بها.
فإنّ الآية الشريفة تشير و الله اعلم إلى تنفيذ السيرة العقلائيّة فيما يتعلّق بمعالم الدين من أُصوله و فروعه، فلا وجه لدعوى اختصاص دلالتها بالأُصول فقط.
و الجواب عن الثاني: أنّه لا شكّ في أنّ أهل بيت العصمة من أشرف مصاديق أهل الذكر و أفضلها، لكن ذلك لا يوجب حصر الظهور بهم، كما أنّ علماء أهل الكتاب أيضاً من مصاديق أهل الذكر بلا شكّ، فالعموم متناول للجميع، و المورد
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 435 (نقل بالمعنى).
[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 435 و 436 (نقل بالمعنى).
لا يوجب تخصيص العامّ به، و حصر الكلّي عليه.
و استدلّ لجواز التقليد عند الشرع بالإجماع، قال المحقّق(قده)في المعارج:
اتّفق علماء الأعصار على الإذن للعوامّ للعمل بفتوى العلماء من غير تناكر، و قد ثبت أنّ إجماع كل عصر حجّة[1].
أقول: إنّ المسألة ممّا للعقل إليها سبيل، و لواضح النقل عليها دليل، فكون هذا الإجماع شرعيّاً تعبّديّاً محلّ تأمّل.
و اعلم أنّ سيرة الصحابة و التابعين كانت على ذلك، فكان العوامّ منهم يرجعون إلى فقهائهم، كما كان الفقهاء منهم يرشدون العوامّ إلى الأحكام الشرعيّة.
و هل كان ذلك إجماعاً من الصحابة من باب أنّهم صحابة النبيّ فيكون إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن إرشاد النبيّ بذلك أم كان ذلك اتّفاقاً منهم من حيث إنّهم عقلاء، فيخرج عن كونه دليلًا شرعيّاً و يدخل في سيرة العقلاء.
و من أدلّة جواز التقليد شرعاً سنّة الرسولُ الواصلة إلينا من طريق العترة الطاهرة الذين هم أحد الثقلين و هي طوائف من النصوص:
الطائفة الأُولى: ما يفيد تقرير الأئمّة المعصومين «للتقليد المتداول بين المسلمين و هو رجوع العامّي منهم بالأحكام إلى علمائهم، مثل مرفوعة إبراهيم بن هاشم قال: سألت امرأة أبا عبد الله(عليه السلام)فقالت: إنّي كنت أقعد من نفاسي عشرين يوماً حتّى أفتوني بثمانية عشر يوماً. فقال(عليه السلام): «و لم أفتوك بثمانية عشر يوماً؟[2]» فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول اللهُ قال لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمّد بن أبي بكر، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ أسماء سألت رسول اللهُ و قد أتى بها ثمانية عشر يوماً[3]» و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل ما تفعله المستحاضة.
و مثلها الخبر الوارد في امرأة محمّد بن مسلم عن حمران بن أعين، قال: قالت
[1]معارج الأُصول، ص 197.
[2]وسائل الشيعة، ج 2، ص 384، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.
[3]وسائل الشيعة، ج 2، ص 384، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.
امرأة محمَّد بن مسلم و كانت ولوداً: أقرئ أبا جعفر السلام و أخبره: أنّي كنت أقعد في نفاسي أربعين يوماً، و إنّ أصحابنا ضيّقوا علي فجعلوها ثمانية عشر يوماً؟ فقال أبو جعفر(عليه السلام): «من أفتاها بثمانية عشر يوماً[1]»؟! قلت: للرواية التي رووها في أسماء بنت عميس، الحديث.
و تقريب الاستدلال بالخبرين: أنّ الإمام(عليه السلام)قرّر أصل تقليد المرأتين عن بعض و إن كان خطّأ فتوى ذلك البعض.
و مثل الخبرين الخبر الوارد عن العبد الصالح(عليه السلام)قلت: إنّ أُناساً من أصحابنا قد لقوا أباك و جدّك، و سمعوا منهما الحديث، فربّما كان الشيء يبتلى به بعض أصحابنا و ليس في ذلك شيء بعينه، و عندهم ما يشبهه أ يسعهم أن يأخذوا بالقياس؟ فقال(عليه السلام): «لا»[2].
يظهر من السؤال الوارد فيه أنّ عمل أصحابنا في ذلك العصر كان على الرجوع إلى علمائهم الذين لقوا الإمامين الصادقين»، و سمعوا منهما الحديث، و يظهر من الجواب تقرير الإمام(عليه السلام)لعملهم، و النهي عن الفتوى بالقياس.
و مثله خبر علي بن أسباط قال: قلت للرضا(عليه السلام): يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته، و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟
فقال(عليه السلام): «ائت فقيه البلد فاستفته عن أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإنّ الحقّ فيه»[3].
و ظاهر هذا الحديث أنّ سيرة أصحابنا الإماميّة في عصر الحضور كانت مستمرّة على الاستفتاء من فقهاء موالي أهل البيت(عليه السلام)و قد أمضاها الإمام.
الطائفة الثانية: النصوص التي يظهر منها أنّ الإفتاء من فضلاء صحابتهم للعوامّ
[1]وسائل الشيعة، ج 2، ص 386، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 11.
[2]بحار الأنوار، ج 2، ص 304، ح 48.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 115، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 22.
كان متداولًا في عصرهم، مثل خبر حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول:
«من استأكل بعلمه افتقر» فقلت جعلت فداك: إنّ في شيعتك و مواليك قوماً يتحمّلون علومكم، و يبثّونها في شيعتكم، فلا يعدمون منهم البرّ و الصلة و الإكرام؟
فقال(عليه السلام): «ليس أولائك بمستأكلين، إنّما المستأكل بعلمه الذي يفتي بغير علم و لا هدى من الله عزّ و جلّ ليبطل به الحقوق طمعاً في حكّام الدنيا»[1]و سؤال حمزة يشهد أن بثّ علوم أهل البيت بواسطة علماء صحابتهم كان متداولًا في تلك العصور، و من المعلوم أنّ علومهم متناول لجميع أنواع العلوم الإسلاميّة، فيشمل الإفتاء بالأحكام، و لم يكن منحصراً بنقل الحديث.
الطائفة الثالثة: النصوص الواردة بعنوان عامّ لتعريف المفتي جواباً عن سؤال من يطلب معرفته، مثل ما رواه الكشّي بسنده عن أحمد بن حاتم بن ماهويه. قال: كتبت إليه يعني أبا الحسن الثالث(عليه السلام)أسأله عمّن أخذ معالم ديني؟ و كتب أخوه أيضاً بذلك. فكتب(عليه السلام)إليهما: «فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، و كلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء الله»[2].
بيان: المسنّ في حبّهم و كثير القدم في أمرهم «هو الذي تفقّه عندهم.
الطائفة الرابعة: النصوص الواردة في بيان وظيفة الإماميّة في عصر الغيبة و هي بلسان عامّ، مثل التوقيع المبارك: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة الله عليهم»[3].
بيان: الحوادث جمع حادثة: هي الواقعة الجديدة التي يجهل حكمها بسبب حدوثها جديداً، و عدم وقوعها في عصر الحضور.
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 141، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 12.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 151، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 45.
[3]مرّ الحديث في ص 73، تحت رقم 2 من هذا الكتاب.
و الرجوع فيها إلى الرواة لمعرفة حكمها عبارة عن الاستفتاء عنهم؛ فإنّهم المفتون.
ثمّ إنّ التوقيع في مقام بيان الطريق لرفع الاحتياج في أمر الدين، و الاحتياج إلى الفتوى أكثر من الاحتياج إلى القضاء.
مضافاً إلى أنّ التعليل و هو قوله(عليه السلام): «أنّهم حجّتي عليكم» عامّ يتناول لجميع ما يرجع إلى الإمام(عليه السلام)في أمر الدين، فهو(عليه السلام)حجّة الله تعالى و هؤلاء حججه.
الطائفة الخامسة: النصوص الدالّة على أمر الإمام بعض فقهاء صحابته بالإفتاء للناس، مثل قول أبي جعفر(عليه السلام)لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس؛ فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك»[1].
بيان: الإفتاء مقدّمة للعمل، فإذا لم يكن عمل فلا يفيد الإفتاء و يكون الأمر بها لغواً. و أمر الإمام(عليه السلام)لأبان بالإفتاء يخبرنا عن وجود العامل بفتاوى أبان. فما أورد على الاستدلال به بأنّ إظهار الفتوى لا يدلّ على جواز أخذه و اتّباعه غير وارد؛ فإنّ الإفتاء بحكم إنّما يكون مقدّمة للعمل به و اتّباعه، و يشهد بذلك قوله(عليه السلام)في صحيحة الحذّاء: «و لحقه وزر من عمل بفتياه»[2]و قد مرّت، فإنّ المفروض فيها ملازمة العمل للفتوى.
أضف إلى ذلك: أنّ مفهوم الإفتاء يغاير مفهوم إظهار الحقّ؛ إذ النسبة بين المفهومين عموم و خصوص من وجه، و من هذا الباب خبر معاذ بن مسلم النحوي عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال لي أبو عبد الله: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس» قلت: نعم، و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج: إنّي أقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، و يجيئني الرجل أعرفه بمودّتكم و حبّكم فأخبره بما جاء عنكم، و يجيئني الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا، و جاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك،
[1]وسائل الشيعة، ج 30، ص 291 باب الهمزة في أصول الرجال.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 20، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 1.