و ذلك يدلّ على جواز التقليد في الجملة.
و اعلم أنّ المقصود من الجواز المعنى الأعمّ، فيجتمع هذا الجواز مع وجوب التقليد.
التقليد الواجب
لا ريب في وجوب التقليد في الجملة في الأحكام الشرعيّة على العامّي. فهل وجوبه نفسي أو مقدّمي؟ مولوي أو إرشادي؟ قال المدقّق الأصفهاني:
إنّ وجوب التقليد نفسي؛ لأنّ التقليد هو العمل استناداً إلى الفتوى، فليس التقليد إلا عين الصلاة الواجبة واقعاً على تقدير الموافقة، و غيرها على تقدير المخالفة.
ثمّ قال(قده):
و المراد بوجوبه النفسي انبعاث وجوبه عن نفس مصلحة الواقع الباعثة على الإيجاب الواقعي، فهو إيصال للواقع بعنوان آخر.[1]و فيه أوّلًا: أنّه يلزم من هذا الكلام صيرورة التقليد محكوماً بالأحكام الخمسة، فإنّ التقليد جار في جميع متعلّقاتها، و ليس إلا نفس العمل بتلك الأحكام.
و ثانياً: أنّه يلزم من جريانه في الأحكام الوضعيّة صيرورة التقليد محكوماً بكلّ واحد من تلك الأحكام.
و ثالثاً: انظر إلى قوله: «فهو إيصال إلى الواقع» و إلى قوله: «فليس التقليد إلا عين الصلاة الواجبة واقعاً» تجد تهافتاً و تناقضاً بينهما، فقد حكم في الأوّل بأنّه إيصال إلى الواقع و في الثاني بأنّه نفس الواقع.
فالتحقيق: أنّ التقليد في الأعمال الشرعيّة مختلف عنها اعتباراً و متّحد معها خارجاً، فإنّه كيفيّة اعتباريّة عارضة للعمل الشرعي، فالعمل الشرعي مع التقليد لا يتميّز عن العمل الشرعي بلا تقليد في الخارج.
و قد حكي عن شيخنا العلامة الأنصاري:
[1]بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 19.
أنّ وجوب التقليد مقدّمي لا نفسي و لا شرطي؛ لأنّه مقدّمة للامتثال الظاهري للأحكام الواقعيّة، و لا يناط به الواقع لو حصل بالاحتياط.[1]أقول: بل التقليد مقدّمة للعلم بالامتثال الظاهري للأحكام الواقعيّة، و ليس بمقدّمة لنفس الامتثال. فالحقّ أنّ وجوب التقليد إرشادي لا مصلحة فيه إلا الوصول إلى مصلحة نفس المرشد إليه. و سيجيء البحث عنه أيضاً، كما سيجيء أنّ الوجوب تخييري.
الاستناد إلى فتوى المفتي في التقليد
هل يجب على العامّي في أعماله الشرعيّة الاستناد إلى فتوى من رجع إليه أم لا؟
و الجواب عن هذا السؤال يتمثّل في صور نعرضها عليك.
الصورة الأُولى: إن كان ما أتى به من العمل الشرعي مطابقاً للواقع و قد تمشّى منه قصد القربة فلا يلزم في هذه الصورة الاستناد لوقوع العمل صحيحاً، و أنّه لا يلزم في صحّة العبادة أكثر من هذين الأمرين: مطابقة العمل للواقع، و وجود قصد القربة فيه، فإذا اعتبرنا الاستناد فلا بدّ من دليل خاصّ يدلّ عليه و هو مفقود في المقام.
الصورة الثانية: إذا كان عمله العبادي مخالفاً للواقع حال كونه مطابقاً لفتوى المفتي فاللازم حينئذ وجود العلم بالحجّة و هي فتوى المفتي؛ كي يكون العامّي مأموناً من العقاب فيما أتى به من العمل المخالف للواقع.
و هل يكفي في هذه الصورة نفس مطابقة العمل لفتوى المفتي حال وجود العلم بالفتوى، أو يعتبر في عمله الاستناد مضافاً إلى ذلك؟
نجيب عن هذا السؤال، بأنّه لا يعتبر في عمله الاستناد؛ لإطلاق حجّيّة الحجّة و عدم تقيّدها بالاستناد.
نعم، قد عرفت اعتبار العلم بالفتوى؛ لاشتراط حجّيّة الحجّة بالوصول،
[1]مجموعة رسائل، رسالة الاجتهاد و التقليد، ص 47.
فما لم تصل الحجّة لا حجّيّة لها، و لا يخفى أنّ وصول الحجّة عبارة عن العلم بها. و قد مرّ عليك أن الحجّيّة من الأُمور التي يكون وجودها الواقعي تابعاً لوجودها العلمي. هذا كلّه حكم العمل المخالف للواقع في صورة وحدة المفتي.
و أمّا الحال في صورة تعدّد المفتي فنقول: إن كان المجتهدون متّفقين في الفتيا فحال هذه الصورة حال وحدة المفتي. و إذا قيل باعتبار الاستناد في هذه الصورة. فالتحقيق كفاية الاستناد إلى الجميع أو إلى الجامع، أو إلى أحدهما المعين؛ لإطلاق الحجّة. و أمّا الاستناد إلى المجموع فقد قال بعض: إنّه لا مصحّح له؛ لمنافاته مع حجّيّة كلّ واحدة منها بالاستقلال.
أقول: لازم كلامه دام ظلّه عدم صحّة الاستدلال بالنصوص المتواترة إجمالًا، و العلم بصدور أخصّها مضموناً جهة تعليليّة للاستدلال بمجموعها.
و نقول في حلّ الإشكال: إنّ استقلال الحجّة عبارة عن عدم اشتراط حجّيّتها بشيء بأن تكون لا بشرط في الحجّيّة؛ فلا يضرّ الاستناد بمجموع الحجّتين المستقلّتين؛ فإنّ الحجّيّة المستقلّة تجاه الحجّيّة التخييريّة و هي التي تكون حجّيّتها مشروطة بعدم انضمام عدلها إليها، فالأقوى جواز الاستناد إلى المجموع، و إذا كان المفتون مختلفين في الفتيا، فالاستناد لازم؛ لأنّ الحجة التخييريّة مقيّدة بالاختيار.
و اعلم أنّ جميع هذه الصور مفروض فيها علم العامّي باتّفاق المفتين في الفتوى أو باختلافهم؛ و أمّا في صورة شكّ العامّي في ذلك فالأقوى اعتبار الاستناد؛ للشكّ في إطلاق الحجّة، أو في تقيّدها بالاختيار؛ إذ على فرض الاتّفاق فالحجّة مطلقة، و على فرض الاختلاف فهي مشروطة بالاختيار، فيجب الأخذ بالمتيقّن؛ إذ لا حجّيّة لمشكوك الحجّيّة. كما مرّ.
أوصاف المفتي
اتّفق العقل و النقل على اعتبار وصفين في المفتي:
أحدهما: الاجتهاد فعلًا، فلا يكفي مجرّد حصول الملكة؛ لأنّ صدق مفاهيم العالم و الراوي و أهل الذكر و نحوها من العناوين الواردة في الشرع متقوّم بالاجتهاد الفعلي؛ و لعدم صدق المتخصّص و الخبير و نحوهما من العناوين عند العقلاء على من لم يتّخذ رأياً بالفعل، فمن لم يحصل له الاجتهاد الفعلي لا يجوز التقليد عنه.
ثانيهما: الوثوق بخبره عن رأيه؛ لأنّ حجّيّة الخبر شرعاً و عقلًا موقوفة على الوثوق به، و العقلاء لا يعتمدون على خبر من لا يحصل الوثوق بقوله.
ثمّ إنّ القوم قالوا باعتبار أوصاف أُخر في المفتي، زائدة على هذين الوصفين، فالحري في البحث أن ننظر أوّلًا إلى مقتضى الأُصول الجارية، فنقول: إنّ الأصل الأوّلي حاكم باعتبار كلّ وصف في المفتي عند الشكّ في اعتباره شرعاً؛ فإنّ رأي المفتي الفاقد لذلك الوصف مشكوك في حجّيّته؛ لاحتمال اعتبار ذلك الوصف فيه لدى الشرع، و الشكّ في الحجّيّة ملازم للحكم بعدمها و قد مرّ وجهه.
على أنّه كيف يصحّ الاحتجاج عند العقلاء بأمر لم يثبت صحّة الاحتجاج به؟! و هناك وجه آخر مختصّ بصورة تعدّد المفتي بأن يكون أحدهما واجداً لذلك الوصف و الآخر فاقداً له.
و بيانه: أنّه يدور الأمر بين التعيين و التخيير في الحجّة، و المعيّنة منهما معلومة،
الحجّيّة، و غير المعيّنة منهما مشكوكة الحجّيّة فلتسقط.
و توضيح ذلك: أنّه لا ريب في حجّيّة قول المفتي الواجد للوصف، سواء أ كان ذلك الوصف معتبراً في المفتي أو غير معتبر؛ إذ بناء على الاعتبار يصير قوله حجّة معيّنة، و بناء على عدم الاعتبار يصير قوله حجّة مخيّرة.
و أمّا المفتي الفاقد لذلك الوصف فقوله حجّة إن كان ذلك الوصف غير معتبر في الشرع، و ليس بحجّة إن كان الوصف معتبراً، و العامّي يكون مخيّراً بين الرجوع إلى أيّهما في صورة عدم الاعتبار، و لا يكون مخيّراً في صورة الاعتبار؛ لأنّ الرجوع إلى الواحد قد تعيّن. هذا بحسب الحاقّ الواقع، و أمّا بحسب الظاهر فيصير قول الفاقد مشكوكاً حجّيّته.
ثمّ إنّ استصحاب عدم جواز تقليده حاكم أيضاً بعدم الجواز؛ فإنّه قبل حدوث الاجتهاد الفعلي له لم يكن جائز التقليد، فيحكم بذلك عند حدوث الاجتهاد حال عدم اتّصافه بذلك الوصف. هذا كلّه بحسب اقتضاء الأصل الأوّلي.
و أمّا البحث بمقتضى الأصل الثانوي المقدّم على الأصل الأوّلي فنقول: إنّ الأصل الثانوي حاكم بعدم اعتبار كلّ وصف قد شكّ في اعتباره في المفتي؛ إذا كانت السيرة العقلائيّة قائمة على عدم اعتباره في الخبراء و المتخصّصين؛ فإذاً كانت الإطلاقات الواردة في لسان الشرع صالحة للصدق على المفتي بدون ذلك الوصف.
نعم، لو كان الصدق مشكوكاً فلا يجوز تقليد مثله؛ لبقائه تحت الأصل الأوّلي؛ لعدم خروجه عنه. و ذلك من غير فرق بين كون الشبهة مفهوميّة أو مصداقيّة. فليجر عنان الكلام إلى البحث عن أشخاص الأوصاف، و إلى النظر إلى الأدلّة الخاصّة التي ذكروها لاشتراط كلّ واحد منها في المفتي.
البلوغ
من الأوصاف التي ذكروا اشتراطها في المفتي البلوغ، و ظاهر كلام شيخنا العلامة الأنصاري كونه من المسلّمات. و يجب التنبيه على أنّ مورد البحث هو غير البالغ الذي
يحصل الوثوق بصحّة اجتهاده، و إلا فلا يكون موصوفاً بالوصفين الأوّلين.
قال صاحب الفصول:
لا عبرة بفتوى الصبي؛ لعدم شمول الأدلّة له؛ و لأنّه لا تقبل روايته، فلا تقبل فتواه بطريق أولى[1].
أقول: لعلّ مراده(قده)من «عدم شمول الأدلّة» انصرافها عن الصبيّ. و التحقيق عدم انصرافها عن الصبيّ بالمعنى الذي ذكرنا.
فكيف لا تشمل عناوين: «الراوي و أهل الذكر» و نحوهما لمثل هذا الصبيّ، مع أنّ سيرة العقلاء قائمة على الرجوع إلى الصبيان الخبراء؛ إذا كانوا موثوقين في آرائهم و أخبارهم.
أمّا عدم قبول روايات الصبيّ فهو ممنوع إن كانت تفيد الوثوق، و إن لم تفد الوثوق فعدم قبولها مشترك مع خبر البالغ غير الموثوق به.
ثمّ إنّه لم يثبت إجماع على عدم جواز تقليد الصبي، و على فرض تسليم ثبوته فهو غير تعبّدي؛ فإنّ المسألة ممّا للعقل و النقل فيها سبيل، على أنّ المتيقّن منه هو الصبيّ الذي لم يوثق باجتهاده لصباوته.
و أمّا قوله(عليه السلام)في رواية أبي خديجة: «انظروا إلى رجل منكم» الحديث. فغير مفيد لتقييد الإطلاقات؛ لاحتمال كون التعبير بالرجل من باب المثال، أو كونه وارداً مورد الغالب، مع أنّها واردة في باب القضاء لا في باب الإفتاء، و اشتراط وصف في القاضي لا يوجب اشتراطه في المفتي؛ لأنّ قبول حكم القاضي قد يحتاج إلى وجود وصف فيه، فإنّ الرجوع إليه في حال النزاع و التخاصم و اشتداد ثورة الغضب، و الرجوع إلى المفتي في حال الانقياد و التسليم، و لم يدلّ إجماع على اتّحاد القاضي و المفتي في جميع الأوصاف.
و أمّا قوله(عليه السلام)في التفسير المنسوب إليه: «صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً
[1]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 137.
لهواه، مطيعاً لأمر مولاه»[1]فإنّه و إن كان المتبادر منه المفروض في الكلام كون المفتي بالغاً مكلّفاً، لكنّه لا دافع لاحتمال وروده مورد الغالب، فإنّ جلّ المفتين مكلّفون.
و احتجّ لاشتراط البلوغ في المفتي بقوله(عليه السلام): إنّ عمد الصبي خطأ»[2].
و تقريب الاستدلال به أوّلًا: أنّ المستفاد به إلغاء آثار أفعال الصبيّ و أقواله، و منها: آراؤه و فتاواه، و لا حجّيّة للرأي الصادر عنه.
و يرد عليه: أنّ ظاهر لفظ العمد اختصاصه بما يصلح أن يوصف به، كالقول و الفعل، فهو منصرف عمّا لا يصلح لأن يوصف به كالعلم.
و ثانياً: أنّ المقسم بين العمد و الخطإ في الرواية ليس بمطلق الأفعال، بل المقسم هو الفعل الذي يختلف حكمه الشرعي حال صدوره خطأ عن حال صدوره عمداً كالجنايات، فإنّ حكم القتل خطأ مثلًا «أنّ الدية على العاقلة» فيدلّ الحديث أنّ دية قتل الصبيّ على العاقلة، كما يدلّ على ذلك نصّ، فلا إطلاق له حتّى يشمل جميع ما للصبي من الأقوال و الآراء و العلوم.
ثمّ إنّ البلوغ على فرض تسليم اشتراطه في المفتي هل هو وصف للمرجع، أو هو وصف لزمان الاجتهاد؟ و لعلّ الأوّل أظهر بدعوى دلالة قوله(عليه السلام): «فاصمدا في دينكما عل كل مسنّ في حبّنا، و كلّ كثير القدم في أمرنا»[3]لكن احتمال جعل الوصفين طريقاً إلى حصول الوثوق بتشيّعه، و بمعرفته لعلومهم «لا دافع له.
العقل
و من الأوصاف التي قالوا باشتراطها في المفتي العقل. قيل: و عليه إجماع السلف و الخلف.
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 131، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20؛ تفسير العسكري، ص 300، ح 143.
[2]وسائل الشيعة، ج 29، ص 89، الباب 35 من أبواب القصاص، ح 2.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 151، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 45،
و تحقيق البحث فيه أن يقال: إنّ للجنون درجات و مراتب. و المجنون الذي يصحّ منه الاستنباط، و يقتدر على الاجتهاد، و يتمكّن من بيان آرائه و فتياه خارج عن متيقّن معقد الإجماع، لكن لا يبعد دعوى انصراف الأدلّة اللفظيّة عن مثله.
و أمّا المجنون الأدواري فالظاهر كونه مشمولًا للإطلاقات، و خارجاً عن متيقّن معقد الإجماع المدّعى؛ و لعلّه لذلك حكي القول بجواز تقليده عن صاحبي الإشارات و المفاتيح.[1]ثمّ إنّ العقل المعتبر في المفتي هل هو العقل في حال الاستنباط أم العقل في حال العمل بفتواه؟
و الأوّل أقرب؛ لقيام سيرة العقلاء على الرجوع إلى رأي الخبير عند جنونه إذا كان استنباطه في حال إفاقته، و لا بأس بجريان استصحاب جواز العمل بمثل هذه الفتوى بعد عروض الجنون، كما أنّ المتيقّن من الإجماع على عدم جواز تقليد المجنون هو الجنون في حال الاستنباط.
و قال بعض الأساطين:
لا ريب في اعتبار العقل حال العمل بفتواه فضلًا عن حال الاستنباط؛ لظهور الأدلّة اللفظيّة في أنّ المرجع هو الفقيه لا رأيه، و لا يصدق الفقيه و العالم على المجنون، فلا اعتبار برأيه السابق قبل طروء الجنون عليه[2].
أقول: و هذا الكلام لا يخلو من ضعف؛ لأنّ الظاهر من الإرجاع إلى الفقيه أنّ المراد من الفقيه من يكون صالحاً لأخذ الفتوى منه.
و أمّا عمل المستفتي بقوله فهو أجنبي عن ذلك، و غير مقوّم لصلاحيّة الفقيه لأن يصير مرجعاً، فإنّ المعتبر في المرجع هو الصلاحيّة، لا الفعليّة.
و أمّا ظهور الأدلّة في كون المرجع هو الفقيه لا رأيه، و دعوى انصرافها عن المجنون
[1]مفاتيح الأُصول، ص 611، سطر 5.
[2]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 120.