و هذا الحديث قد صدر منه(صلّى اللّه عليه و آله)بكلمات شتّى فى مواضع كثيرة عند عيون الصحابة.
الأصل للشريعة هو الكتاب و السنة:
فالأصل الأصيل للاحكام الشريعة الالهيّة، هو الكتاب العزيز و السنة النبوية و اهل بيته المعصومين(عليهم صلوات اللّه اجمعين). و الاطّلاع عليهما جامعة، يلزم معرفة الفنّ الاجتهادي، و استخراجه من المبانى الدينيّة المستنبطة.
يجب العلم بالدّلالات و المعانى فى الكتاب و السنّة:
يجب العلم من مواضع دلالات الالفاظ على معانيها، فى اوامرها و نواهيها، و عامّها و خاصّها، منطوقها و مفهومها، الى غير ذلك مما ورد فى علم الاصول للفقه الاسلامى.
و لا بد أيضا من معرفة الحاكى للسنة و هو الاخبار الواردة عنه(ص)و عن المعصومين من اهل بيته، فى منابعها الاصيلة بانواعها، من التواتر، و آحادها، و تعارضها، و مطلقها، و مقيّدها، الى غير ذلك ممّا ورد فى الأصول الروائي و الكتب الاخباريّة المنقولة عنهم(عليهم السلام).
و كذا يلزم، معرفة الإجماع عند القوم بأنواعه، و كيفيّة حجيّته، و كذا الشهرة عند القدماء، و الى غير ذلك مما يكون له دخل هنا.
و هكذا معرفة ما يدلّ عليه العقل، حين الشك فى اصل التكليف، او فى المكلف به من الحكم بالاحتياط فى العمل، او إجراء اصل البراءة او الإباحة، او الحكم بالتّخيير ابتداء او استدامة.
فيجب معرفة اجراء كل واحد من هذه الأمور فى موارده، و معرفة شروطه و لوازمه و كلّها فنون شتى، يجمعها، الفن الاجتهاد العلمى فى استنباط الحكم الشرعى، و استخراجه من المبانى الدينيّة الإسلامية المستندة.
لزوم الاجتهاد فى العلم بالأحكام:
و ليس يحصل ذلك الا للمجتهد المجد الخبير العارف ذى نفس صائبه، و ملكة عظيمة علميّة، يقتدر بها على الاستنباط من مواضيع الأحكام، و عرف دقيقا مواردها، و كيفيّة اجرائها و توابعها و صغرياتها ..
و قد كان الصحابى من الفقهاء فى زمن النبى الأعظم و الأئمّة المعصومين، فى سعة و فسحة فى فهم الحكم، و الاجتهاد فى ذلك اليوم خفيف المئونة، حيث انهم فى عصر الحضور، فيرون ما سمعوا و يفتون ما تحملوا مشافهة من النبى الاعظم(ص)و ما شاهدوه من أعماله و أقواله، و كذا من الأئمة المعصومين من اهل بيته(عليهم السلام). و لم يكن دائرة الفقه الاسلامى فى ذلك العصر القويم واسعة جدّا بهذا التوسّع الحالى.
اتّساع نطاق الإسلام و الحوادث الجديدة:
و لمّا اتّسع نطاق الإسلام زمن الغيبة، و حدثت ابتلاءات فى الفروع الفقهيّة و المسائل الجديدة، و اتّسعت دائرة الفقه اتّساعا. و كلّما بعد العهد من زمن الحضور تكثّرت الآراء و الانظار و دخل فيها الدسّ و الوضع، و توفّرت الدواعى للكذب ايضا، فصعب الأمر على المجتهد فى معرفة الأحكام.
يجب التّحقيق فى تحصيل الوظيفة:
و من هذه الجهة، اشكل على الفقيه، سلامة الحديث المرويّة، فيلزم عليه فى هذه العصور المتاخرة عنهم(عليهم السلام)، فى صدور الحكم الدينى، من التّحقيق و التفتيش، مزيد مئونة و استفراغ وسع للنظر و الاطّلاع على الصحّة للسنّة و الاطّلاع على كيفيّة الصدور، و الاطمينان بالرواة الناقلين له، و كشف السليم عن السقيم من الروايات الواردة، على التفصيل الذى دوّن فى كتب علم الرجال و الدراية، و من جهة آخر انّه ربّما تسقط القرائن الحاليّة او المقاليّة عند ذكر الرواية ايضا، و كان الصحابى
قد يسمع حكما او رواية من الشارع فى واقعة، و سمع صحابى آخر فى مثل ذلك، خلافه. و يكون هناك خصوصيّة تقتضى تغاير حكمها، و قد غفل الراوى عن ذلك الخصوصيّة، او التفت، و لكن غفل او نسى عن نقلها عند نقل الحديث، فيقع التعارض بين الحديثين ظاهرا من دون ذكر القرائن و الخصوصيّات، مع انه لا تنافى واقعا لو ذكر ذلك، و اشكل على المجتهد الفقيه استخراج الحكم من بينهما.
لزوم الدقّة للفقيه فى معرفة الأحكام:
و من ذلك كلّه، احتاج الفقيه فى معرفة الأحكام الى النّظر الدقيق فى الرّواية، و ضمّ بعضها الى البعض، و عرضها على الكتاب و السنة المسلّمة، و التوجّه الى القرائن فى صحّة الحديث، و معرفة الناقلين له.
فقد يكون للرواية ظاهر و مراد الشارع خلافه، اعتمادا على القرينة التى كانت فى المقام، و الحديث قد نقل و ترك القرينة.
و كان الرّاوى، تارة يروى نفس الفاظ الحديث، فيكون هو فى هذا الحال راوى الحديث فقط. و تارة يذكر الحكم المستفاد من الحديث بحسب نظره و فهمه، بدون ذكر لفظ الحديث، فهو فى هذا الحال يكون مفتى الحكم، و مجتهد فى فهم الحكم من الحديث.
يلزم مراجعة الفقيه الى الأدلّة:
فيلزم للفقيه مراجعة دليله، و نفس الحديث، فربّما يتفاوت بينهما، فى نظر الفقيه الآخر، و يرى هذا الحكم و ذلك الحديث الذى يكون مستند ذلك الحكم متفاوتا. و الى غير ذلك من الموارد الكثيرة الشتّى، تكون دخيلة فى الاجتهاد و الاستنباط.
فللفقيه ان ينظر الى جميع اطراف مستندات الحكم، حتّى يحصل له القطع او الاطمينان فى صدور الحكم الشرعى، لعمل نفسه او لغيره من المقلّدين له.
فهذا فنّ الاجتهاد فى الفقه الاسلامى، عزيز قدره، عظيم شأنه و اعلى قيمته، و
أشرف حملته، الّذين هم ورثة علم النّبيين و الحافظون للشريعة، و امناء الدين.
باب الاجتهاد مفتوح من زمن النّبى و الائمّة(ع):
و من يعط النظر حقّه فى تاريخ الفقه الاسلامى و مبدئه، يتّضح له انّ باب الاجتهاد كان مفتوحا فى عصر النبىّ الأعظم(ص)بين الصحابى، فضلا عن سائر الازمنة من بعده، لاتّساع الفقه الاسلامى و ضرورة الاجتهاد فى استنباط حكم الفروع المستحدثة و ربطها بالمبانى، و لا يزال معروفا فى زمن الائمّة المعصومين(عليهم السلام)، و انه بمرأى و مسمع منهم(عليهم السلام)، حسب ما هو الموجود فى الروايات من الدلائل و الشواهد، و المصرّحات كثيرا، بل الائمة(عليهم السلام)يرشدون اصحابهم الى الاجتهاد و فهم الفروع من الأصول، على ما ستعرف البيان فى ذلك فى خلال المباحث إن شاء اللّه
الاجتهاد له شرف عظيم:
و على هذا فللاجتهاد شرف عظيم فى الإسلام، و كان الاجتهاد هو الطريق الاصيل و نبع يزود الإنسان العارف بالمواقف الحقّة الالهية فى الحياة، فيشعر معه باطمينان فى القلب و وضوح فى الرؤية و انسجام تامّ مع الأحداث الواقعة الجديدة، دون ان يفقد قيادة لها. و كان مذهب اهل البيت(عليهم السلام)، قد شرّف التمسك بالاجتهاد و صيانته فى خلال التاريخ مسلسلة. و هذه نبذة من مكانة الاجتهاد، قيمة و شرفا للمجتهد الفقيه و ما اغلى هذا الثمن، لما تضمّن سعادة البشر و كرامة الإنسان و لا ثمن اغلى منه.
اهميّة الاجتهاد فى سلسلة التاريخ الإسلامى:
فالاجتهاد اهمّ موضوع فى سلسلة التاريخ فى الفقه الاسلامى من زمن الحضور الى عصر الغيبة و الى زماننا هذا و حملة العلم الاجتهادي فى الفقه الاسلامى، هم حملة التكاليف الالهى للبشر الى اقطار العالم و قد نشروا و انتشروا ما تحمّلوا من العلوم و
المعارف شتّى فنون الدينى و الفقه الاسلامى حسب اجتهادهم و دراساتهم فى المدارس الالهيّة العلمية و قابليّتهم العقلية و الاستعداديّة.
و هنيئا لهم، و للّه درّهم و عليه اجرهم و الى الرفيق الأعلى حشرهم. آمين آمين.
الاجتهاد عند الشيعة و اهل السنّة
الاجتهاد عند الشيعة:
لا يخفى عليك بانّ الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة، عبارة عن استقصاء الوسع فى طريق كشف الأحكام من الأدلّة، فهو استنباط الفروع من الأصول المأثورة فى الدّين.
و قد بنى الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة على اصلين اصيلين، و هما الكتاب و السنّة.
امّا الكتاب فهو المصحف الشّريف الالهى على ما فيه من الأحكام الدينيّة و التكاليف و الأحكام.
و امّا السنّة فهى المحكية عن النبى(صلّى اللّه عليه و آله)، و الائمّة المعصومين من اهل بيته(عليهم السلام)، الّذين اذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا. بنقل ثقات الصّحابة كلامهم او فعلهم او تقديرهم.
و امّا الإجماع عند الشّيعة الإماميّة فهو ليس بحجّة مستقلّة، بل يعدّ حاكيا للسّنّة، اذ منه يستكشف عن رأى المعصومين(عليهم السلام).
قال الفقيه الهمدانى فى مصباح الفقيه:
انّ مدار حجيّة الإجماع، على ما استقرّ عليه رأى المتأخّرين، ليس على اتّفاق الكلّ، و لا على اتّفاقهم فى عصر واحد. بل على استكشاف رأى المعصوم، بطريق الحدس، من فتاوى علماء الشيعة الحافظين للشّريعة. و هذا ممّا يختلف باختلاف الموارد.
فربّ مسألة لا يحصل فيها الجزم بموافقة الإمام(ع)و ان اتّفقت فيها آراء الاعلام.
كبعض المسائل المبتنية على مبادى عقليّة، او نقلية القابلة للمناقشة، و ربّ مسئلة يحصل فيها الجزم بالموافقة، و لو من الشهرة.
و امّا العقل عند الشيعة الإماميّة، فهو الحاكم فى مقام امتثال الأحكام الشرعيّة، و ليس بحاكم فى مقام اصل التشريع. نعم يصير حكم العقل طريقا الى معرفة الحكم الشرعى من الشارع الحكيم.
و هذا معنى الاجتهاد عند الشيعة الإمامية.
الاجتهاد عند اهل السنّة:
و امّا الاجتهاد عند اهل السنّة، فهو اصل مستقلّ عندهم تجاه الكتاب و السنّة، فلذا قد جعل البحث عنه، فى كتبهم فى اصول الفقه، فى فصل مستقلّ.
و ذلك لأنّ اهل السنّة، لمّا لم يعتقدوا بامامة الائمّة الاثنى عشر المعصومين(ع)من اهل بيت النّبى(صلّى اللّه عليه و آله)، و حجيّة اقوالهم فى الشريعة، و لم تكن الاخبار الواردة النبويّة الموجودة عندهم كافية لبيان جميع الأحكام الفقهيّة، يلزم الاحتياج فى استنباط احكام الحوادث الواقعة الجديدة الى القول بحجيّة القياس.
ثم لمّا كان لم يف القياس الى جميع الأحكام، بحثوا الى الاستحسانات العقلية، و الى الحكم على طبق ما يرونه من المصالح و المفاسد الظنّيّة.
و من المعلوم، انّه لو صار باب هذا الاجتهاد منفتحا فى الدين، فجاز دخول كلّ شيء خارج عن الدين، فى الدين لوجود الاستحسانات و غيرها، و اين هذا هو الاجتهاد
فى الدين؟
و امّا الإجماع عند اهل السنّة، فهو اصل قوىّ بل يكون اقوى من الاجتهاد، و هو ايضا دليل مستقلّ عندهم، تجاه الكتاب و السنّة.
و هم يستندون لهذا الإجماع، ما روى عن النبى(صلّى اللّه عليه و آله)، انّه قال(ص): لن تجتمع أمّتى على الخطأ.
و يفسّرون الإجماع، باتّفاق المجتهدين من هذه الامّة فى عصر، على امر من الأمور، و لا يخفى ما فيه من الإشكال.
لأنّ اطلاق النصّ، شامل لجميع الامّة، فلا يختصّ بطائفة خاصّة منهم فى عصر واحد.
كما أنّ اطلاق الامّة، يعمّ جميع الطّوائف الإسلامية، فلا يختصّ باهل السنّة منهم.
فحينئذ كان الإجماع بحسب هذا المعنى الجامع، شامل لجميع الامّة الإسلامية. و يلزم من ذلك ان المعصوم(ع)داخل فى الإجماع ايضا. و على هذا فالشّيعة الإماميّة ايضا يقولون بحجيّة مثل هذا الإجماع بالمعنى الّذى يشمل الجميع.
فلا يصحّ على ما قالوا به من اتّفاق المجتهدين فقط فى عصر واحد.
و هذا مكانة الاجتهاد عند الشيعة و اهل السنّة، مع ما فيه من الدقّة اللازمة فى نظر الشيعة، و ارجاع الإجماع بالسنّة من قول المعصوم(عليه السلام).