معنى الاجتهاد
اختلف التعابير فى معنى الاجتهاد:
قيل انّه فى اللّغة عبارة عن تحمّل المشقّة. و فى الاصطلاح هو استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعى.
و قيل انّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعى.
و عن شيخنا الاستاد العراقى(قدّه): انّه استفراغ الوسع لتحصيل الحجّة الشرعيّة.
و كذا عن استادنا المحقّق النائينى(قدّه)مثل هذا التعريف.
و التّحقيق فى المقام يستدعى بيان ما له دخل فى تنقيح ما افاده الاعلام.
فنقول مستعينا باللّه تعالى:
انّ البحث عن الاجتهاد قد يلاحظ بالمعنى اللغوى، و قد يلاحظ بالمعنى الاصطلاحى الّذى هو المقصود الأصلى فى هذا الباب.
و لمّا كان الاطّلاع عن المعنى اللّغوى لا يخلو عن الفائدة فى طريق البحث، بدأنا الكلام فيه اولا.
الاجتهاد بالمعنى اللّغوى:
قال ابن اثير: الاجتهاد بذل الوسع فى طلب الأمر، و هو افتعال من الجهد و الطاقة.
و قال ايضا: الجهد بالضمّ، الوسع و الطاقة، و بالفتح، المشقّة.
قال الفيّومى: الجهد بالضمّ فى الحجاز، و بالفتح فى غيرهم، الوسع و الطاقة.
و قيل المضموم، الطاقة، و المفتوح المشقّة.
و قال ايضا: اجتهد فى الأمر، بذل وسعه و طاقته فى طلبه ليبلغ مجهوده، و يصل الى نهايته.
قال فى اقرب الموارد: الاجتهاد بذل الوسع فى تحصيل امر مستلزم للكلفة، تقول اجتهد فى حمل الحجر، و لا تقول، اجتهد فى حمل الخردلة.
و قال ايضا: الجهد بالفتح، مصدر جهد الطاقة، يقال افرغ جهده، اى طاقته، و المشقة يقال، اصاب جهدا اى مشقّة. و الجهد بالضمّ، الطاقة.
قال العلائلي: فى مرجعه، الاجتهاد، بذل غاية الوسع و اقصاه فى نيل المقصود، و لا يستعمل الّا فى ما فيه كلفة و مشقة.
اقول:
ظاهر كلام هؤلاء اللّغويين الّذين هم ائمّة اهل اللّغة، انّ الاجتهاد مأخوذ من الجهد الّذى بمعنى الوسع و الطّاقة للوصول الى المقصود، سواء كان بالفتح ام بالضمّ. و لم يقل احد منهم، انّ الاجتهاد من الجهد، الّذى بمعنى المشقّة، كما انّ كلّ من فسّر منهم الاجتهاد، فسرّه بذل الوسع فى طلب امر، و لم يفسره بتحمّل المشقّة.
فظهر انّ ما ذكره المحقّق الخراسانىّ من المعنى اللغوى للاجتهاد، بتحمّل المشقّة، غير صحيح.
قال(قدّه)فى الكفاية: الاجتهاد لغة، تحمّل المشقّة ....
و يرد عليه، ان المستفاد من كلمات هؤلاء اللّغويين، انّ نحوا من الطلب داخل فى
مفهوم الاجتهاد اللّغوى.
فلا ينطبق على مطلق تحمّل المشقّة و ان كان يقارنه فى المعنى.
و هذا الإشكال بعينه وارد على شيخنا الاستاد(قدّه)لانّه قال فى المقالات: الاجتهاد مأخوذ من الجهد بمعنى المشقّة. فيرد عليه ما يرد على صاحب الكفاية.
و هذه نبذة من الكلام فى المعنى اللّغوى للاجتهاد.
الاجتهاد بالمعنى الاصطلاحى:
و امّا الاجتهاد فى معناه الاصطلاحى عند القوم، فقد عرّفوا الاجتهاد بحسب المعنى الاصطلاحي بتعاريف.
قول ابن حاجب:
منها: ما قاله ابن حاجب على ما حكى عنه: الاجتهاد هو استفراغ الوسع فى تحصيل الظنّ بالحكم الشّرعى.
و هذا المعنى و ان كان يناسب المعنى اللّغوى للاجتهاد و لكن لا يناسب المعنى الاصطلاحي عند القوم.
لأنّ اصحابنا الإماميّة، غير قائلين بحجيّة مطلق الظنّ من اىّ طريق قد حصل، سواء كان فى حال التمكّن من تحصيل العلم و انفتاح بابه، ام فى حال عدم التمكّن منه و انسداد باب العلم. و التعريف يلزم ان يكون جامعا و مانعا.
كلام المحقّق الخراسانى:
منها: ما قاله المحقّق الخراسانى فى تعريف الاجتهاد على مذهب الإماميّة فى كتابه الكفاية:
قال الأولى تبديل الظنّ بالحكم، بالحجّة عليه، فيكون الاجتهاد بالمعنى المصطلح
عند الكلّ هو استفراغ الوسع فى تحصيل الحجّة على الحكم الشرعى[1].
ثم قال(قدّه): ان المناط هو تحصيلها قوّة و فعلا، لا تحصيل الظنّ بما انّه ظنّ، حتّى عند القائلين حجيّة الظنّ مطلقا، او عند بعض الخاصّة القائل بحجيّة الظنّ عند انسداد باب العلم بالأحكام.
فانّ الظنّ بنحو الإطلاق، او فى حال الانسداد عند القائلين به من اضداد الحجّة.
و لا شبهة فى انّ التعريف يشمل هذا و يشمل غيره من اضداد الحجّة، سواء كان الغير من قبيل العلم بالحكم ام غيره من الإمارات و الطرق التعبديّة الّتى يفيد فى تحصيل الحجّة على الحكم».
و لكن يرد على هذا التعريف انّه اعمّ من المعرّف، لشموله، الاستفراغ الّذى يستعمله غير صاحب الملكة فى تحصيل الحجّة، مع انّ الاجتهاد متقوّم بالملكة النفسانيّة فى المجتهد.
كلام شيخنا البهائى:
منها: ما قاله شيخنا البهائى(قدّه)على ما حكى عنه: «انّ الاجتهاد ملكة يقتدر بها على الاستنباط الحكم الشرعى الفرعى من الأصل فعلا، او قوّة قريبة».
و لا يخفى على ما فى هذا التّعريف، لانّه غير مبيّن لحقيقة الاجتهاد، اذ الاجتهاد ليس نفس الملكة، و الّا لكانت اضافة الملكة الى الاجتهاد، اضافة بيانيّة. و الحال ان اضافة الملكة هنا، مثل لإضافة الملكة الى صفة العدالة او صفة الشّجاعة و السخاوة و غير ذلك.
مضافا الى انّه لا يصدق على من حصلت له هذه الملكة، العناوين الواردة فى النصوص مثل قوله(ع)من عرف احكامنا، و نظر فى حلالنا و حرامنا.
فانّ الظّاهر من الملكة انّه امر نفسانىّ و بالقوّة، و لذلك قال فى التّعريف: يقتدر بها،
[1]- كفاية الأصول للخراسانى.
مع انّ ظاهر النصّ، انّ العارف بالأحكام، و الناظر من الحلال و الحرام، هو امر بالفعل.
و الظّاهر، انّ نحوا من الطّلب داخلا فى مفهوم الاجتهاد.
و التّعريف المقبول، هو انّ الاجتهاد استخراج الحكم من الحجّة ناشئا عن الملكة.
ما قاله المحقّق الكمبانى:
منها: ما عرّفه المحقّق الكمبانى(قدّه)فى تعليقه على الكفاية: بانّه استنباط الحكم من دليله.
و قال: هو لا يكون إلّا عن ملكة. فالمجتهد هو المستنبط عن ملكة، و هو موضوع الأحكام باعتبار انسياق الفقيه و العارف بالأحكام.
ثمّ قال: و هذه الملكة، تحصل دائما بسبب معرفة العلوم الّتى يتوقّف عليها الاستنباط و ليست ملكة الاستنباط الّا تلك القوّة الحاصلة من معرفة هذه العلوم، و ليست بقوّة اخرى تسمّى بالقوّة القدسيّة، فانّ الاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع فى تحصيل الحجّة على الحكم الشرعى ممكن الحصول للعالم، انتهى.
و هذا الكلام منه(قدّه)، كلام حسن قريب الى المعنى الاصطلاحي للاجتهاد، الّا انّه لا يخلو من النّظر و سيظهر لك فى تحقيقنا فى المقام. و هذه كلمات القوم فى معنى الاجتهاد، و للّه درّهم و عليه اجرهم.
التّحقيق فى المقام:
و التّحقيق فى المقام انّه لا يخفى عليك انّ المراد بالمجتهد فى اصطلاح الفقهاء و الأصوليّين ليس من يصدق عليه فى اللّغة انّه اجتهد و سعى الى ذلك فهو مجتهد، و الّا لزم ان يشمل عنوان المجتهد لكلّ من هو كذلك فى مبادى الاستنباط ايضا، مثل من اجتهد فى علم النّحو او الصّرف او المنطق و صار صاحب رأى و نظر، فيقال بانّه مجتهد.
بل المراد من المجتهد فى تعريف المصطلح عند القوم، هو الفقيه الّذى عرف
الحلال و الحرام عن الأدلّة الشرعيّة من الدّين، و هو الموضوع لجواز التّقليد عنه، كما يكون التعبير كذلك فى الرّوايات بأنّه عرف حلالنا و حرامنا فليرضوا به حكما، و هذا هو المعنى الّذى ينطبق عليه جميع الآثار. فحينئذ لا ينطبق عليه التعاريف المذكورة من القوم فى المعنى الاصطلاحي للاجتهاد. و من يكون واصلا الى درجة الاجتهاد و حصل له القوّة و الملكة، و لم يستنبط الأحكام بمقدار معتدّ به، لا يصدق عليه انّه مجتهد و يصدق التّعاريف عليه، لأنّ صرف وجود القوّة لا يكفى كونه من اهل الذّكر الّذى يكون الأمر بالرجوع اليه.
و هكذا من استفرغ الوسع فى مقدار قليل من الأدلّة الّذى لا يعتنى به، فلا يصدق عليه انّه العارف بالأحكام.
فالتعبير في التّعريف بانّه استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ، او لتحصيل الحجّة كما عن المحقّق الخراسانى، و ابن حاجب غير تامّ. لأنّ تحصيل الوظيفة الشرعيّة ايضا يكون كافيا فى التعريف. كما انّه لا يكفى مجرّد وجود الملكة، او مجرّد الاستنباط كما عن شيخنا البهائى و المحقّق الكمبانى.
التعريف الصحيح للاجتهاد:
فالصّحيح فى التعريف، انّ الاجتهاد ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعيّة عن ادلّتها التفصيلية بالفعل. فمن كان له ملكة الاجتهاد و قد استنبط مقدارا معتنى به من الأحكام بحيث يصدق عليه انّه العارف بالحلال و الحرام عن مقتضى الأدلّة، فهو مجتهد يجوز له الفتوى و الحكم بين النّاس. و لا فرق فى ذلك بين ان يكون السند له الآية او الرواية او اصل من الأصول المحرزة كالاستصحاب و غير محرز كالبراءة، فانه و ان لم يكن له العلم بالحكم فى صورة اجرائه البراءة، لكنّه عارف بالوظيفة الشرعيّة من هذا الوجه.
فيكون رأى المجتهد حجّة لنفسه و لمقلّديه، و هو الخبرة فى الدين، فلا بدّ من الرجوع اليه من حيث انّه عارف بالأحكام حسب مقتضى ادلّتها، فلا يسأل المقلّد
عنه عن دليله تفصيلا كما انّ ساير الخبراء ايضا فى هذا الشأن.
شبهة الأخباريين:
و على هذا، انّ الشبهة بين اصحابنا الأخباريين الّذين يقولون بانّه لا معنى للاجتهاد فى الدّين، و المرجع الوحيد فى الأحكام انّما هو الرّوايات فقط، و بين الأصوليين الّذين يقولون بلزوم الاجتهاد فى الأحكام، لا محصّل له.
لأنّ فهم الحكم الشرعى من الأخبار ايضا هو الاجتهاد و العرفان بالحلال و الحرام حسب مقتضى الدليل، و هذا المعنى هو رأى الاصولى و اجتهاده. فالملاك بين الاصولى و الاخبارى واحد و هو تحصيل الوظيفة المقرّرة فى الشّريعة حسب الدّليل الشرعى من الأخبار و الآيات.
فلا وجه لتأبّى علمائنا الاخباريين عن لفظ الاجتهاد، اذ لو لم يكن الاجتهاد فى البين، لا نسدّ باب معرفة الأحكام فى غير الضروريّات من الدّين.
و يظهر من اخبار اهل البيت(ع)و آثارهم انّ الاجتهاد بالمعنى المتعارف الذى هو الموجود فى اعصارنا، هو موجود و متعارف فى اعصارهم(عليهم السلام)، و انّهم مضافا الى عدم ردعهم عن الاجتهادات التى كانت تقع على اساس القرآن العظيم و السنّة النبويّة و اخبار اهل البيت(عليهم السلام)، انّ هذا الاجتهاد بمرأى و مسمع منهم(ع). و قد كانوا يعلّمون الأصحاب طريق الاجتهاد الصحيح فى كلماتهم(ع)و يرشدون اليه و يأمرون به. و قد نشأ و تربّى فى تلك الاعصار، ببركة هذه التربية، فقهاء مجتهدون و المحدّثون من رواة الحديث ممّن يكون فى عصرهم و من تلامذتهم.
و الرّوايات الّتى يستفاد منها هذا الأمر كثيرة جدّا، و فيها روايات صحاح و موثّقات تدلّ على امرهم(ع)اصحابهم الى تفريع الفروع على الاصول المسلمة.
و عن الشّيخ الطوسى: باسناده عن ابن محبوب عن على بن الحسن بن رباط عن عبد الاعلى مولى آل سامان، قال قلت لابى عبد اللّه(ع)، عثرت فانقطع ظفرى فجعلت
على اصبعى مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟
قال(ع): يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ قال اللّه تعالى:وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، امسح عليه.[1]
و عن الصّدوق باسناده الى زرارة قال قلت لأبى جعفر(ع)، أ لا تخبرنى من اين علمت و قلت أنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟
فضحك و قال(ع): يا زرارة قال رسول اللّه(ص)و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ:
قالفَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، فعرفنا ان الوجه كلّه ينبغى ان يغسل، ثمّ قال، و ايديكم الى المرافق، فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه، فعرفنا انّه ينبغى ان يغسله الى المرفقين، ثم فصّل بين الكلام و قال و امسحوا برءوسكم، فعرفنا حين قال برءوسكم، انّ المسح ببعض الرأس، لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه، فقال و ارجلكم الى الكعبين، فعرفنا حين وصلها بالرأس، انّ المسح على بعضها، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه(ص)، فضيّعوه، الحديث.[2]
و رواه الكلينى باسناده عن زرارة، ايضا و عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه(عليه السلام)قال: انّما علينا ان نلقى اليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا.[3]
و عن احمد بن محمّد بن ابى نصر عن الرّضا(ع)قال: علينا القاء الاصول و عليكم التفريع.[4]
و لا ريب انّ تفريع الفروع على الاصول هو العمدة فى باب الاجتهاد. و هذا دليل على انهم(عليهم السلام)يعلّمون اصحابهم طريق الاستنباط، و هذا أكبر شاهد على انّ الاجتهاد بمرأى و مسمع و ممضاة عندهم.
و امّا دليل العقل، فهو المتّبع دائما، اذ العقل هو الرّسول الباطن، لا يجوز ردعه.
[1]- وسائل الشيعة ج 1/ 327 ابواب الوضوء.
[2]- وسائل الشيعة ج 1/ 291 ابواب الوضوء.
[3]- وسائل الشيعة ج 18/ 40 من ابواب صفات القاضى.
[4]- وسائل الشيعة ج 18/ 41 من ابواب صفات القاضى.