حقيقة العدالة
و لكن لم تثبت انّ للعدالة حقيقة شرعيّة و لا متشرّعة و انّما هى بمعناها اللغوى و هى فى اللغة بمعنى الاستواء و الاستقامة و قد استعملت فى الشرع كذلك بمعنى الاستقامة فى الدّين و عدم الانحراف.
و هى اذا اسندت الى الأمور المحسوسة، يراد منها الاستقامة الحسيّة الخارجيّة، فيقال هذا الجدار عدل مستقيم، إذا لم يكن فيه اعوجاج و انحراف فيكون العدالة و الاستقامة من الأمور المحسوسة، و اذا اسندت الى الأمور المعنوية، فيقال الاستقامة المعنوية، و ذلك فى العقيدة و الاخلاق، فاذا قيل فلان عدل فى عقيدته و اخلاقه، يراد انّه مستقيم العقيدة اى سلك طريقا مستقيما لا اعوجاج فيه فهو يوصله الى الحقّ، او خلقه مستقيم اى لا افراط و لا تفريط له اى لا اعوجاج فيه، و قد تسند الى الذّوات فيقال زيد عدل، معناه انه مستقيم فى عهدة التكاليف المتوجّهة اليه.
و حيث ان الشّارع يراه مستقيما فى جادّة الشرع فهو عدل عنده.
فالعدالة المطلقة المنسوبة الى الذوات هى الاستقامة العمليّة الغير المنحرفة، كما يقتضيه معناها اللغوى مع قطع النظر عن الأدلّة الشرعيّة.
حاصل الكلام:
فالمتحصّل من ذلك، أنّ العدالة ليست لها حقيقة شرعيّة و انّما استعملت فى الكتاب و السنّة بمعناها اللغوى، اى الاستقامة فى الدّين فى فعل الواجبات و ترك
المحرمات على ما يقتضى الشرع الأنور، فلا اعوجاج فيه و لا انحراف.
غاية الأمر انّ هذا المعنى و هو فعل الواجبات و ترك المحرّمات، يكون منبعثا عن التزام نفسانى و امر قلبى، و هو الخوف من اللّه تعالى او رجاء ثوابه.
و على هذا ان العدالة ليس من الأوصاف النفسانيّة فحسب، و انما هى صفة للعمل المنبعث عمّا فى النفس مطابقا للمعنى اللغوى.
فيستدعى الكلام هنا الى التّحقيق و التفحّص فى معنى العدالة و المباحثة حولها.
العدالة فى اللغة
العدالة فى اللغة و كلمات الاعلام:
فنقول: العدالة بحسب المعنى اللغوى هى الاستقامة و عدم الاعوجاج.
قال ابن منظور اللغوى على ما حكى عنه:
قد عدل الرجل، بالضّم، عدالة ....
و قال تاج العروس: عدل الرجل ككرم عدالة، صار عدلا
كلام الشيخ فى المبسوط:
و قال الشيخ فى المبسوط: العدالة فى اللغة، ان يكون الإنسان متعادلا فى الأحوال متساويا.
و قد صرح بمثل ذلك المعنى ابن ادريس الحلّى فى السرائر.
و لا يخفى انّ تفسير العدالة بالمتعادل من باب تفسير المجمل بالمبيّن، فلا اشكال عليه من لزوم الدور.
و كأنّ التبادر من تفسير اللغوى للعدالة، هو الّذى حكاه الشيخ و الحلّى، بان العدالة عند اهل اللغة صفة الفعل، لا صفة النفس للانسان.
و لكن التفسير الذى ذكره صاحب تاج العروس، لا ظهور له فى ذلك المعنى، بل كان فيه اشعار بكونها من صفات النفس.
كلام بعض الأساطين:
و عن بعض الأساطين من المعاصرين:
انّ العدالة شرعا من صفات الفعل، لا من صفات النفس، و يشير الى هذا المعنى قوله تعالى:فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ...و قوله تعالى:وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ...[1].
الجواب عن هذا الكلام:
و فيه أوّلا: انّ اثبات الحقيقة الشرعيّة بما ورد فى الكتاب، سيما فى المجعولات الشرعيّة فى محل منع و ردع.
و ثانياً: أنّ فعل (عدل) الّذى جاء فى الآيتين الشريفتين متعدّ، و انّه من باب ضرب، و اما العدالة حسب ما صرّح به الأكابر من اهل اللغة، عدل، و هو فعل قاصر من باب كرم، فكيف يصحّ الاستدلال باحدهما على الآخر.
ثمّ إن المقصود من المتعادل، هو القائم الذى لا يكون له ميل الى احد جانبيه، فيقال، قد تعادل الميزان، اذا تساوت كفتاه فى الجانبين.
تعريف صاحب المدارك:
قال صاحب المدارك: العدالة لغة، الاستواء و الاستقامة.
و لا يخفى أنّ الاستقامة عطف تفسيرى، اذ المراد من المعطوف و المعطوف عليه امر واحد.
فتحصّل ممّا ذكرنا، انّ العدالة بحسب معناها اللغوى، ان يكون الإنسان مستقيما فى مشيه و متساويا فى احواله و افعاله عند الغضب و الطرب، فلا يكون له افراط و لا تفريط.
[1]- دروس فى فقه الشيعة ج 1/ 135.
كلام المحقق الكمبانى[1]:
قال بعض الأكابر(قدّه):
انّ العدالة عند اهل اللغة، هى الاستواء او الاستقامة او ما اشبه ذلك مما يراد منهما او يقاربهما مفهوما، انتهى.
حقيقة هذا الكلام:
فالاستقامة على هذا المعنى تفسيرى على ما اسلفنا، و المراد بالاستواء، هو الاستواء فى الدّين بمعنى عدم الانحراف عن الاصول و الفروع.
فيقال فى الأمور الحسّية، الجدار مستقيم، اذا لم يكن فيه اعوجاج و لا انحراف.
و فى الأمور المعنوية، كالعقيدة و الاخلاق يقال فلان له عقيدة مستقيمة، اى غير مشوّشة، فلا اعوجاج فيها.
و يقال فى الذوات ان زيدا مستقيم فى الدّين يعنى مستقيم فى الخروج عن عهدة التكليف و الإتيان بما يلزم به فى جادّة الشرع.
و على هذا فالعدالة بمعنى الاستواء المنسوبة الى الذوات، و هى الاستقامة العمليّة فى طريق الشريعة و الاوامر الالهيّة بلا انحراف فى العقيدة و العمل، على ما يقتضيه معناها اللغوى.
و يلزم ان تكون هذه الاستقامة فى الدّين مستمرّة، بأن تصير كالطبيعة الثانوية للانسان المكلّف.
فالاستقامة فى حين دون حين، ليست من العدالة فى شىء، فإنّ المكلّف لا يكون مستقيما بذلك، فى طريق الدين، و لا مالكا فيه بداع دون داع، فلا يمكن الوثوق به فى هذه الاستقامة الحينية.
لأنّه قد يستقيم و قد لا يستقيم، فلا يعتمد به، مع انّ المعتبر فى العادل، ان يوثق
[1]- المحقق الكمبانى فى رسالة فى الاجتهاد و التّقليد.
بدينه دائما، و لا يتحقّق هذا إلّا بالاستمرار فى الاستقامة فى الدين.
و كذا الحال فى الاستقامة بالاضافة الى ترك المحرم، فانّ الترك فى بعض الأحيان دون بعض، ليس من العدالة كما انّ فعل الواجب فى حين دون حين كذلك.
نتيجة الكلام:
و الحاصل ان العدالة هى الاستقامة المستمرّة فى الدّين، و ما يلزم به شرعا فى العمل به، حسب الدليل على ما يقتضيه المعنى اللغوى لها.
العدالة عند علماء علم الاخلاق:
قال المحقق الكمبانى: و امّا عند علماء الأخلاق: العدالة و هى هيئة و ملكة يقتدر بها العقل العلمى على تعديل القوى الثلاثة من العاقلة و الشهويّة و الغضبيّة على حسب ما يقتضيه العقل النّظرى.
فالعدالة عندهم فى القلب مثل الاعتدال فى المزاج فى القالب النفسانى.
و بالجملة، فضيلة القوّة المدركة هى الحكمة، و فضيلة القوّة الشهوية هى العفّة، و فضيلة القوّة الغضبيّة هى الشجاعة، و فضيلة القوّة الغضبيّة هى الشجاعة، و فضيلة النفس الناطقة بما هى عقل عملى هى العدالة، و هى أمّ الفضائل.
كما انّ العلم و الحكمة وسط بين الجربزة و البلادة، و العفة وسط بين الشرة و الخمود، و الشجاعة وسط بين التّهور و الجبن، فكذلك العدالة فهى وسط بين الظلم و الانظلام. فالعادل من ينتصف من نفسه لغيره و من نفسه و من غيره لنفسه، انتهى.
و هذا التفسير للعدالة بالنسبة الى علماء الاخلاق، و مقتضى ذلك الفنّ العزيز الشريف، هو ذلك.
فانّ قوله، ملكة يقتدر بها العقل العملى على تعديل ذلك، حسب ما يقتضيه العقل النظرى.
هو انّ الأعمال الخارجة من الواجبات و العزم على ترك المحرمات، يكون ناشئا عن ذلك الاقتدار النفسانى و الملكة الشريفة الموجودة فى النفس، المقتضية لذلك.
فهو السبب المقتضى المفضى للمسبّب و هو الاعتدال فى الأعمال الخارجة.
فهذا التعريف للعدالة مرشد الى العقل العملى المنبعث من الملكة فى النفس حسب ما حكم به العقل النظرى.
و حاصله هو ان العدالة هى الاستقامة فى العمل الدينى فى الشريعة، من غير افراط و لا تفريط، الناشئة عن الملكة النفسانيّة للانسان الحاكم بذلك.
و اليه يرشد قولهم، فالعدالة وسط بين الظلم و الانظلام الخ.
اى لا يكون الإنسان ظالما و لا مظلوما يقبل الظلم من غيره لنفسه، و لا يكون ظالما من نفسه لغيره.
فالعادل، هو الّذى ينتصف من نفسه لغيره و من نفسه و من غيره لنفسه.
و هذا المقصود، هو العمل الخارجى المنبعث من الملكة فى النفس الناطقة.
هذا على ما فسّره علماء الاخلاق من مفهوم العدالة على رأيهم.
العدالة فى الشرع:
و امّا العدالة فى الشرع، فكما انّها ليست مطلق الاستقامة، كذلك ليست الاستقامة الأخلاقيّة، اذ هى قلّ ما توجد فى الأوحدى من النّاس فى كل عصر و مصر، فلا يعقل ان تناط بها الموارد الكثيرة التى تعتبر فيها العدالة شرعا، كما يظهر من اخبارها ايضا.
فانها و إن اعتبرت بعنوانها فى موارد كثيرة، فى باب الطلاق و فى باب الشهادات فى الحقوق و فى الهلال و غيرها، لكن قد عبّر عنها، بعناوين أخر فى تلك الابواب، مثل عنوان العفيف و الصائن، و الصالح، و الخيّر، و المرضىّ، و المأمون، و من علم منه خير، و من عرف بالصلاح فى نفسه، و من يوثق بدينه و امانته، و من لا يعرف بفسق، الى غير ذلك من العناوين.
فيعلّم من هذه التعبيرات المختلفة الصادق كلّ واحد منها مع فقد العدالة الاخلاقية، انّ دائرة العدالة الشرعيّة اوسع من دائرة العدالة الاخلاقية.
و ما ورد فى تفسير حقيقة العدالة الأخلاقية من صحيحة ابن ابى يعفور من قوله(ع):
لا يقتضى اتّحادهما، نظرا الى ان ما فى الصحيحة من اعتبار الستر و العفاف و كفّ