و من المعلوم انّ العدالة من هذا القبيل من الأوصاف، حيث ان العدالة و الاستقامة فى الدّين ثابت فى الشخص، سواء كان قد عرفه غيره بهذه الصفة، ام لا.
فالعدالة على هذا المعنى امر ثبوتى واقعى.
العدالة امر حقيقى اضافى:
الثانى: ما يكون الاتصاف به موقوفا على وجود الغير، فيكون الصفة امرا حقيقيّا اضافيّا، مثل الشهرة و المعروفية و امثالهما.
فانّ الرجل لا يوصف بالشهرة الّا بعد وجود الغير، و انّ الشىء لا يوصف بالمعروفيّة فى الدّين إلّا بلحاظ الغير.
و من المعلوم انّ حسن الظاهر من هذا القبيل. فتبيّن لك ان العدالة صفة للشخص باعتبار نفسه، و حسن الظاهر صفة له باعتبار غيره، فكيف التّوفيق؟ لان الأوّل معنى اسميّ، و الثانى معنى حرفى، فلا يجوز اتّحادهما معا، لأنّ كلّ واحد منهما من مقولة مستقلّة.
فلو كانت العدالة نفس حسن الظاهر، يلزم منه ان يكون من يجتنب عن الذنوب ليس بعادل اذا لم يعرفه احد بهذه الصفة، مع ان المتبادر من التوصيف بالعدالة خلاف ذلك. فلا يمكن ان يكون العدالة هى نفس حسن الظاهر لوجود التغاير بينهما.
نعم يكون حسن الظاهر كاشفا عنها، فلا اشكال فيه.
كاشفية حسن الظاهر عن وجود العدالة:
قد سبق الكلام منّا، بأنّ حسن الظاهر لا يمكن ان يكون عين العدالة، لأنّ العدالة معنى اسميّ، و حسن الظاهر معنى حرفى و كل واحد منهما من مقولة غير الآخر فلا يجوز اتّحادهما. فلا بدّ و ان يكون حسن الظاهر هو الكاشف عن وجود العدالة، و امارة عليها.
و يتحقّق بيان هذا التعريف بما يدلّ فى الأخبار على ذلك.
النصوص الواردة فى المقام:
و قد تضافرت النصوص، و استفاضت فى الدلالة بأنّ حسن الظاهر كاشف عن العدالة فى الشخص.
فمنها: صحيحة عبد اللّه بن ابى يعفور، و قد يعرّف فيها باجتناب الكبائر التى اوعد اللّه تعالى عليها بالنار.[1]
و منها: صحيحة ابن مسلم عن ابى جعفر(ع)قال: لو كان الأمر الينا لأجزنا شهادة الرجل اذا علم منه خير، الحديث.[2]
و الخير هو حسن الظاهر منه.
و منها: رواية ابى بصير عن الصادق(ع)قال: لا بأس بشهادة الضّيف اذا كان عفيفا صائنا، الحديث.[3]
و العفة و الصون هو ستر العيوب و حسن الظاهر.
و منها: صحيحة حريز عن الصادق(ع)قال:
اذا كانوا اربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور، اجيزت شهادتهم جميعا، الحديث.[4]
و منها: خبر عبد الكريم بن ابى يعفور عن ابى جعفر(ع)قال: يقبل شهادة المرأة و النسوة اذا كنّ مستورات من اهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للازواج، تاركات للبذاء و التبرّج الى الرجال، الحديث.[5]
و منها: صحيح ابن المغيرة عن الرضا(ع)قال: كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح فى نفسه جازت شهادته.[6]
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 10.
[2]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 10.
[3]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 10.
[4]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 2.
[5]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 5.
[6]- وسائل الشيعة 41/ 5.
فانّ الصلاح هو حسن الظاهر.
و منها: مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن ابى عبد اللّه(ع)قال سألته عن البيّنة اذا اقيمت على الحقّ، أ يحلّ للقاضى ان يقضى بقول البينة؟
فقال(ع): خمسة اشياء يحسب على الناس، الاخذ فيها بظاهر الحكم، الولايات، و المناكح، و الذبائح، و الشهادات، و الانساب. فاذا كان ظاهر الرجل، ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه.[1]
يونس بن عبد الرحمن ثقة:
و لا يضرّ الارسال فى الحديث، اذ المرسل هو يونس و هو من كبار الصحابة و يعرف بأنّه ثقة معتمد، و قد حكى عن العلامة شيخ الشريعة الاصفهانى ان يونس يروى عن ستّين رجلا كلّهم من ثقات الحديث.
و فى التعبير عن بعض رجال الحديث، اشعار الى تصير رواية يونس عن الإمام(ع)، و هذا شاهد على ثبوت وثاقته.
و من الرواة عن يونس، هو محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطينى، و هو ثقة مأمون و قد مدحه فضل بن شاذان.
و قد كان علىّ بن ابراهيم قد روى عنه، و تدلّ ذلك على ثبوت وثاقته لأنّه موثوق عندهم.
و مضافا الى ان هذه المرسلة مشهورة بين الأصحاب و معمول بها.
و منها: رواية البزنطى عن ابى الحسن(ع)قال: من ولد على الفطرة، أجيزت شهادته على الطلاق بعد ان يعرف منه خير.[2]
و من المعلوم ان المراد من الخير، هو الخير الظاهر لأنّه الذى يعرف و ليس ذلك إلّا التأدّب بالآداب الشرعيّة، و هذا معنى حسن الظاهر.
[1]- وسائل الشيعة كتاب القضاء و كتاب الشهادات
[2]- دروس فى فقه الشيعة ج 1/ 159.
هذه جملة من النصوص الواردة، و انّ الشارع جعل حسن الظاهر امارة للعدالة، وجودا تنزيليّا لها و كاشفا عن ثبوتها عند الجهل بها.
المقصود من حسن الظاهر:
و نقصد من حسن الظاهر حكومة الدّين فى المرء فى افعاله و اقواله، و ما ورد فى النصوص فى ذلك يكون تعبيرا عنه او مصداقا له، صنفان.
المفهوم العام فى حسن الظاهر:
احدهما: ما ورد فى مفاهيم عامله مبيّنة لحسن الظاهر فى المرء، او مرادفة لعنوان حسن الظاهر، مثل قوله(ع)ساترا لجميع عيوبه، او قوله(ع)اذا كان مرضيّا، او قوله(ع): عرف بالصلاح، او قوله(ع): ظاهره ظاهرا مأمونا، او قوله(ع): ان يعرف منه خير، او قوله(ع): فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، او قوله(ع): اذا كان لا يعرف بفسق، الى غير ذلك من النصوص.
و من المعلوم أنّ هذه العناوين المنصوصة، و ان كانت متخالفة بحسب التعبير، او بحسب السلب و الإيجاب، لكنّها متحدة بحسب المضمون و المقصود.
فإنّ الساتر للعيوب هى المرضىّ، و المرضىّ هو المعروف بالصلاح، و هو الذى فيه خير، و هو يكون ظاهره مأمونا و لم ير ارتكاب الذنب منه و لم يعرف بالفسق. فكلّ واحد من هذه التعبيرات، تفسير لحسن الظاهر و معرّف له.
بيان المصاديق فى حسن الظاهر:
ثانيهما: مصاديق خاصّة ورد لحسن الظاهر. مثل اجتناب الكبائر، و مثل التعاهد لصلوات الخمس.
و من هذا الباب قوله(ع): من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم. و قوله(ع): مطيعات للازواج، تاركات البذاء و التبرّج من
الرجل.
و كذا قوله(ع): ليس يعرفون بشهادة الزور فيكون فى هذه المنظر ترك المحرم او المحرمات مصداقا لحسن الظاهر.
و فى بعضها إتيان الواجبات مصداقا له.
و فى بعضها قد جمع بين فعل الواجب و ترك المحرّم مصداقا له و معرّفا لحسن الظاهر.
فمجيء هذه الأمور فى النصوص ليس من باب الموضوعيّة المحضة بل من باب ذكر المصداق و بيان المثال.
فحصول حسن الظاهر ببيان الامثلة و المصاديق فى هذه الروايات، معروف مسلّم، و لا يكون بمنحصر بها، اذ قد يتحقّق بغيرها من الروايات ايضا فى طوال الاحاديث فى ابواب مختلفة، من فعل الواجب و ترك المحرم من الاحكام فى الشريعة على المسلم.
نتيجة الكلام:
فالمراد من حسن الظاهر، هو ما يكون معروفا فى الالتزام بالشريعة و فعل الواجبات و ترك المحرّمات و ما هو من الدّين الحنيف.
طريق معرفة حسن الظاهر:
المعاشرة:
فقد يعرف حسن الظاهر فى المرء، بالمعاشرة و المخالطة بمقدار من الزمان حتّى يظهر الحال.
الشّياع:
و تحصل ايضا معرفته بالشّياع عنه، و ان لم يوجب العلم بذلك.
الطلاق قوله(ع)فى صحيحة ابن ابى يعفور: قال(ع): فاذا سئل عنه فى قبيلته و محلّته، قالوا ما رأينا منه الّا خيرا.
العلم الوجدانى:
و قد يحصل العلم بالوجدان، كما هو الحال فى كثير من ائمّة الجماعات و الجمعة فى المساجد و المدائن التى يقام الجماعة فيها.
اخبار الثقة:
و قد يعرف ذلك ايضا بإخبار الثقة التى يثق بقوله و يحصل الاطمينان بخبره.
تقوّم حسن الظاهر:
و امّا تقوّم حسن الظاهر فهو يحصل بعدم العلم بصدور المعصية منه. فانّ المتبادر من قوله(ع): و تعرف باجتناب الكبائر، فهو بحسب الظهور العرفى عبارة عن عدم العلم بارتكاب المعصية.
فلا يتوهّم، لزوم دلالته على حصول العلم بالاجتناب من المعصية.
و الشّاهد على ذلك قوله(ع): ليسوا يعرفون بشهادة الزور، و كذا قوله(ع): فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان. و كذا قوله(ع): اذا كان لا يعرف بفسق.
فكلّ هذه التعبيرات دليل على ان اللّازم عدم العلم بارتكاب المأثم و الكبيرة عند المعاشرة بمقدار من الزمان الذى تحقّق احراز حسن الظاهر له.
فلا يعتبر حصول العلم بعدم الارتكاب بل يكفى مجرّد عدم العلم بذلك فى ثبوت حسن الظاهر.
حسن الظاهر أمارة تعبّدية:
إنّ حسن الظاهر هل هو حجّة تعبديّة، فيكون لحجيّته اطلاق يتناول صورة عدم افادة الوثوق، او هو حجّة عقلائية امضاها الشارع فتكون غير متناول لتلك الصورة، ففيه بحث و نظر.
و التّحقيق أنّ حسن الظاهر، و ان كان مفيدا للوثوق الشخصى، لكن اطلاقات النصوص الواردة فى المقام، تدلّ على اعتباره مطلقا، فتشمل تلك الصورة ايضا.
و امّا صورة الظن بالخلاف، فشمول الإطلاقات عليها محلّ تأمّل بل منع.
لانّ جعل الامارة، انما يكون عند الجهل بالواقع، و امّا عند العلم به، فجعل الكاشف امر لغو.
و الظن يكون مرتبة من مراتب العلم، فالظّان بالخلاف لا يكون جاهلا، بل هو داخل فى العارف و العالم بذلك، فلا يشمل الإطلاق هنا، صورة الظن بالخلاف.
و الشّاهد على ذلك صحيح ابى بصير عن الصادق(ع)قال سألته عمّا يرد من الشهود. فقال(ع): الظّنين و المتهم و الخصم.
و المتّهم هو الذى صار محلا للظن بالخلاف و ان كان ظاهره حسنا.
حرمة التجسس عن الباطن:
إنّ تحصيل الظن بحسن الباطن لا دليل عليه، لأنّه يتوقّف على تتبّع و تفحّص عن زلّاته و هو من الأسرار الداخلية، و الفحص عن اسراره لا يجوز شرعا.
لأنّ حسن الظاهر امارة تعبدية على تحقّق العدالة الواقعية، و مقتضى اطلاق ما دلّ على أماريته، عدم لزوم تحصيل الظن بحسن الباطن، بل مقتضاه كفاية عدم الظّنّ بالخلاف، و هو هنا موجود، لقوله(ع): و لا يسأل عن باطنه، دفعا لتوهّم وجوب الفحص عن الباطن. فانه لو كان تفتيش الباطن معتبرا، فلا معنى لجعل حسن الظاهر دليلا.
بل كان الظّنّ بحسن الباطن، و ان كان غير معتبر لكنّه يحصل من نفس حسن الظاهر من دون توقّف على تتبّع و تفتيش على أسراره.
و قد عرفت انّ الملاك هو مجرّد وجود حسن الظاهر و هو بنفسه يفيد الوثوق بالعدالة إلّا فى مورد الظّنّ بالخلاف.
حاصل الكلام:
فتحصّل من جميع ما ذكرنا، انّ حسن الظاهر يكون كاشفا عن وجود العدالة و امارة عليها، فلا يحتاج الى أمر زائد، إلّا اذا علم بالخلاف، و هو امر آخر خارج عما نحن بصدده. و هذا تمام الكلام فيما تعرف به العدالة.