جميع الموارد.
القول فى عدم دخول الصغيرة فى الرواية:
هذا، و لكن يشكل ذلك، بل و يقوى القول الثانى.
بانّ الكبيرة لا يختصّ صدورها بالبطن و الفرج و اليد و اللسان، بل قد تكون صادرة عن عضو آخر، مثل الفرار عن الزحف و مثل الرياء و مثل عقوق الوالدين، فإنّ صدورها غير مختصّ بكونه من عضو خاصّ دون عضو.
فيكون تخصيص الاعضاء الاربعة بالذكر، من جهة كثرة صدور الكبائر منها.
قرينيّة الموجود فى الانصراف:
و على هذا فإطلاق الكفّ فى الرواية على الجميع لا يخلو من التأمّل، من جهة احتمال قرينيّة الموجود، و سوق الكلام الى جهة الكبائر فقط.
و ممّا ذكرنا يظهر حال الاستدلال بعموم قوله(ع): بجميع عيوبه[1].
فانّ سبق الكلام بشىء قد يصير قرينة على انّ المقصود من العيب هو الكبيرة فقط.
القرينة الثانية للانصراف:
و هناك قرينة أخرى فى الرواية شاهدة على المطلوب، و هى الفقرة الاخيرة فى ذيل الكلام. و هى قوله(ع): حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه.
فانّه لو كان المقصود من قوله(ع): جميع عيوبه، هو الكبائر و الصغائر معا، لما بقى ما وراء ذلك عيب و عثرة يلزم ذكره، مع انّ المتبادر منه وجود عيوب و عثرات ما وراء ذلك المذكور.
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات.
و يستفاد الحكم من الإطلاق:
و يمكن الاستدلال لعدم دخول الصغائر فى العدالة، باطلاق قوله(ع): و يعرف باجتناب الكبائر[1].
فإنّ اطلاقه حاكم بعدالة من عرف باجتناب الكبائر، سواء عرف باجتناب الصغائر ام لا.
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات ج 10/ 41.
انقسام المعاصى الى الكبائر و الصغائر
الكتاب و انقسام المعاصى:
و امّا انقسام المعاصى الى الكبائر و الصغائر.
فقد ورد فى القرآن العظيم قوله تعالى شأنه: ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم.[1]و قوله تعالى:الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ[2].
فإنّ فى كلتا الآيتين صراحة تامّة بأنّ المعاصى له نوعان الصغيرة و الكبيرة، الكبيرة معصية و الصغيرة سيّئة.
[1]- نساء/ 31.
[2]- نجم/ 32.
الأخبار و انقسام المعاصى:
و فى الأخبار الصحيحة صريحة فى انقسام المعاصى الى الكبائر و الصغائر.
قال(ع): فى صحيحة ابن ابى يعفور، و تعرف باجتناب الكبائر التى اوعد اللّه عليها بالنّار.
و هذه صريحة بالكبائر و من دونها، الصغائر من الذّنوب.
و قال(ع)فى رواية علقمة، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، الحديث. إشارة الى مطلق الذنب الّذى يشمل الصغيرة و الكبيرة ايضا.
المعاصى كلّها كبيرة:
فالقول بانّ الكبيرة و الصغيرة، امران اضافيّان و انّ المعاصى كلّها كبائر، قول ضعيف جدّا.
و ان كان الارتكاب بالذنب كلّها امر منفى عند العقل و الشرع، و يكشف عن سوء سريرة العبد، و البعد عن الحق، على مراتبه.
العدالة و الاجتناب عن الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر
و قد كانت العدالة تدور مدار الاجتناب عن الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر. و يشهد بذلك حال الإصرار فى اعمالهم و افعالهم.
صحيحة ابن ابى يعفور:
و فى صحيحة ابن ابى يعفور، قال(ع): و الدّليل على ذلك كلّه ان يكون ساترا لجميع عيوبه. حتّى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه[1].
حيث يستفاد منها ان من ظهر منه عيب شرعىّ لم يكن هو بعادل و انّ دائرة الفسق واسعة فيفيد العموم و لزوم الاجتناب عن الصغائر و الكبائر.
و يمكن ان يقال انّ المستفاد من الصحيحة، انّ اجتناب الكبائر بخصوصها، امارة غالبيّة.
على اجتناب مطلق المعاصى، للملازمة الغالبيّة بينهما.
رواية النّبوى و ما يستفاد منها:
كما ورد فى رواية النبوى(ص)حيث قال(صلّى اللّه عليه و آله)من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروّته و ظهرت عدالته[2].
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 10/ 41.
[2]- المدرك.
فان وجود هذه الخصال الثلاثة كاشفة عن استقامته على طريق الشرع فى سائر الجهات، لوجود الملازمة الغالبيّة.
الّا ان العدالة تدور مدار الاجتناب عن الكبائر فقط. او انّ المدار، هو الاجتناب عن الظلم فى المعاملة مع النّاس، او الكذب، او خلف الوعد، فقط. بل كلّ هذه كاشفة عن تحفّظه عن دينه و عن مطلق المعاصى.
و لأجل ذلك ربما يقوى النظر فى انّ دوران العدالة يدور مدار الاجتناب عن مطلق المعاصى.
التّحقيق فى المسألة:
و التّحقيق أنّ اجتناب الكبائر، ان كان منبعثا عن فضائل نفسانيّة، فلا محالة يلازم اجتناب سائر المعاصى ايضا، لأنّه لا فرق فى مقتضيات الفضائل النفسانيّة فى الإنسان بين معصية دون معصية.
و إن كان منبعثا عن الخوف من العقوبة المترتّبة على المعاصى، فحينئذ حيث أن المعاصى متفاوتة فيما يترتّب عليها من العقوبات، فيمكن ان تؤثّر عليه شدّة عقوبات الكبائر فى شدّة الخوف من ارتكابها، دون غيرها من الذنوب، فلا ملازمة بينهما اصلا. نعم الاجتناب عن الصغائر للخوف من عقوباتها، يلازم الاجتناب عن الكبائر جدّا بالأولويّة.
الاجتناب عن الذنوب كلها:
فالملاك هو الاجتناب عن الذنوب كلّها فى تحقّق العدالة، الّا ان اطلاق الذنب فى رواية علقمة مقيد بخصوص الكبائر الّتى انيطت بها حقيقة العدالة على ما صرّح فى صحيحة ابن ابى يعفور.
ما فى ذيل الصحيحة:
و امّا قوله(ع)فى ذيل هذه الصحيحة فهو فرع لصدرها، لأنّ السّتر الذى جعل امارة، ستر تلك الذنوب و العيوب التى كان اظهارها فسقا، و هى الذنوب الكبائر، لأن قوله(ع): و تعرف باجتناب الكبائر، فى تمام بيان حقيقة العدالة، و قوله(ع): و الدليل على ذلك كلّه الخ، فى مقام بيان. الأمارة على تلك الحقيقة.
ما قيل ان اجتناب الكبائر امارة على اجتناب الصغائر:
و منه تبيّن الجواب عن جعل معرفة اجتناب الكبائر أمارة على اجتناب الصغائر بل و تكفيرا لها لو كانت.
الفرق بين الرّوايتين:
و به ظهر الفرق بينها و بين ما ورد فى الرواية المذكورة آنفا، من ان العادل من عامل الناس فلم يظلمهم ...، فانّه لا بأس بان تكون هذه الخصال امارة على استقامته فى سائر الأفعال على حدّ الدّين.
بخلاف ما افيد فى صحيحة ابن ابى يعفور فى مقام شرح الحقيقة، فلا دلالة لهذه الرواية على ان ترك مطلق المعصية مناط للعدالة، نظرا الى أنّ خلف الوعد ليس من الكبائر.
و ذلك لأنّ المترتّب على هذه الخصال، كمال المروّة و ظهور العدالة، فلعلّ للوفاء بالوعد دخلا فى كمال المروّة لا فى خصوص العدالة.
دلالة لهذه الرواية على وجوب الوفاء بالموعد و حرمة التخلّف، فضلا عن كون خلفه من الكبائر.
ما يشعر فى الرواية:
و فى الرواية اشعار ايضا بمقابلة كمال المروّة للعدالة، لا انّها مأخوذة فيها. و يمكن ان يقال بانّ مقتضى تكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر، كما هو ظاهر الكتاب و صريح
السنّة، هو دوران العدالة مدار خصوص اجتناب الكبائر، حيث انّ فعل الصغيرة من المجتنب عن الكبائر دائما من باب المقتضى المقرون بالمانع، فلا يؤثّر شيئا، بل هو اولى من التوبة، فانّها رفع و هذا دفع.
فتزول العدالة بالكبيرة، و تعود بالتوبة و لا تزول بالصغيرة، لمكان المانع المتعارف لمقتضى الإزالة.