غيره. نعم من لم يكن له قوّة الاستنباط فعلا، و الحال انّ تحصيل الاجتهاد واجب كفائىّ، و انّه يتمكّن من التّقليد فقط، او العمل بالاحتياط، فهو قد تخيّر بين الأمور الثلاثة.
و من لم يتمكّن من ذلك، كما اذا فرضنا عدم وجود مجتهد حىّ يجوز تقليده، و لم يجز تقليد الميّت ابتداء، و كان العمل بالاحتياط ايضا مخلّا للنظام، او المكلّف لم يعلم كيفيّة العمل بالاحتياط، او لم يمكن الاحتياط له فى مثل دوران الأمر بين المحذورين، تعيّن فى هذه الصورة، وجوب الاجتهاد على مثله.
و امّا اذا لم يتمكّن من ذلك لعدم اهليّته، فلا سبيل له الى تحصيل الوظيفة و امتثالها، الّا بالتّقليد عن المجتهد الميّت ضرورة، فيجوز له التّقليد عن المجتهد الميّت الّا علم على تشخيصه، لعدم جواز إهمال الأحكام و ترك التصدّى لها.
و الضّرورة تقدر بقدرها.
القول بالجواز عند البعض:
و قد نسب جواز ذلك الى علماء الأخباريّين، و وافقهم من الأصوليين، المحقّق القمّى فى كتاب جامع الشتات فى موردين.[1]
و ذهبت العامّة الى جوازه مطلقا، كما هو المعروف منهم.
و امّا المشهور بين اصحابنا الإماميّة، عدم الجواز مطلقا ابتداء، لأنّ تقليد الميّت ابتداء، غير مشروع عندهم.
الى غير ذلك من الكلام فى المقام، و التّحقيق فى ذلك يأتى فى محلّه فى باب التّقليد.
[1]- جامع الشتات للميرزا القمى ج 1/ 27- ج 2/ 42
مبادى الاجتهاد
قد تقرّر فى محلّه انّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم الشّرعى من الحجّة.
الاجتهاد فى عصر الحضور:
و على هذا لم يكن الاجتهاد فى عصر الحضور عند امام المعصوم(ع)، متوقّفا على مقدّمات علميّة، اذا امكن السائل بين يدى المعصوم(ع)، و استفادة الحكم الشرعى من كلامه الشريف مشافهة، فانّ ذلك هو الاجتهاد نفسه و الوصول الى وظيفة الهىّ الشرعى حقيقة دون غيره. اذ الحجّة هى كلام المعصوم(عليه السلام)على مبنى القرآن و السنّة.
نعم، اذا تعدّدت الاسئلة او تعدّدت الأجوبة على الافراد و اختلفت كلماته(ع)بحسب العموم و الخصوص، او الظاهر و الأظهر، و غير ذلك ممّا يمكن عند الحضور بحسب الشرائط الموجودة فى عصرهم(عليهم السلام)، كان الاستنباط فى هذه الأمور فى ذلك العصر يستدعى الدقّة اللازمة و النظر الى قرائن الحال و المقال. فيلزم حمل الظاهر على الأظهر، و تقييد المطلق بالمقيّد، و نحو ذلك من القواعد الّتى يجريها العقلاء فى محاوراتهم العرفيّة، بل يجرى الإنسان بعضها حسب مجرى الفطرة. و الصناعة الاصوليّة فى اصول الفقه سهّل الأمر فى ذلك، متكفّلة للبحث
عنها، و ان لم تكن هذه الصناعة بهذه الوسعة فى زمن الحضور. فيجوز التخلّص، و فهم المعنى بحسب القرائن و فهم الفطرى العرفى على ما دلّ عليه المحاورة فى كلّ عصر، و التطبيق على ما صرّح به الإمام المعصوم(ع)من الشواهد و الدلائل فى ذلك الزمان.
الاجتهاد فى عصر الغيبة:
و امّا الاجتهاد فى عصر الغيبة، كما فى عصرنا هذا، فاستخراج الحكم من الحجّة، موقوف على معرفة علوم، بها يتمكّن الفقيه المجتهد من الاستنباط، و تسمّى تلك العلوم، مقدّمات الاجتهاد فى معرفة الأحكام، و مباديه.
و امّا المبادى للاجتهاد:
اللّغة العربيّة:
فمنها معرفة اللّغة العربيّة، و هى انّ المصحف الشريف، قد نزل بهذه اللّغة و هكذا، السنّة من الرّوايات الواردة من النبى الأعظم و من الائمّة المعصومين(عليهم السلام).
العلوم العربيّة:
و منها معرفة العلوم العربيّة، اذ يكون الوصول الى معانى الالفاظ فى كتابه العزيز و السنّة الواردة، يتوقّف على معرفة الصرف و النحو و المعانى و البيان و الظرائف المطويّة فى الكلام، فلا يمكن معرفة الكلام و الوصول الى معناه إلّا بهذا الطريق المصطلح فى العرف العربيّة.
علم التفسير:
و منها معرفة التفسير فى الآيات الكريمة فيما هو المرتبط بالأحكام لأنّ معرفة تفسير
الآيات الكريمة لها دخل عظيم فى معرفة آيات الأحكام فى المصحف الشريف.
فانّ الآيات الواردة فى الكتاب فى كلّ باب من الأحكام الشرعيّة، تستدعى الاطّلاع على مواضع الآيات و مفهومها و الخصوصيّات الواردة معها على التفصيل الذى كان فى علم التفسير.
صناعة المنطق:
و منها معرفة صناعة المنطق، لأنّ لها دخل فى الاستدلال، لانّ معرفة صناعة المنطق توصل الى معرفة كيفيّة الاستدلال فى الاحتجاجات العقليّة فى فهم الحكم الاسلامى الشرعى على ما هو المدوّن فى محلّه تفصيلا، و معرفة الاستدلال فى الأحكام و المعارف الدينيّة موقوفة على معرفة هذه الصناعة الدقيقة.
علم الرجال:
و منها معرفة علم الرّجال فى اسناد الحديث فإنّ معرفة علم الرّجال بمقدار يتمكّن من تمييز الحديث الموثوق الصدور عن غيره، لها دخل عظيم فى الاطمئنان بالنّسبة الى صحّة الرواية و الصدور عن المعصوم(عليهم السلام).
اصول الفقه:
و منها معرفة علم اصول الفقه و فى هذا العلم دخل عظيم فى الاجتهاد لانّ استخراج الحكم عن الحجّة متوقّف على إجراء القواعد عقليّة و القواعد اللفظيّة المقدّرة فى علم الاصول على التفصيل.
و لا شبهة فى ان الاستنباط للحكم الفقهى الإلهىّ يحتاج الى هذه العلوم كلّها، و خصوصا الاخير منها، من ناحية الفقيه المجتهد لتحصيل الأحكام الشرعيّة، لا بدّ من الاطّلاع الجامع فى تلك العلوم المذكورة كلّها، فلا يصدق عنوان العارف بالأحكام، على من كان مقلّدا للغير فى ذلك العلوم. فصرف قول النحوى او اللّغوى او
الاصولى، او المنطقى، او الرجالى، او المفسّر، لا يكفى فى احراز ما نحن بصدده فى هذه الأبواب من العلوم. بل لا بدّ له من الاجتهاد و الاطّلاع اللازم مع الدقّة فيما يحتاج اليه من هذه العلوم المذكورة.
العمدة فيما يتوقّف عليه الاجتهاد:
و العمدة فيما يتوقّف عليه الاجتهاد بعد معرفة العلوم المذكورة، و قواعدها علمان:
احدهما: علم اصول الفقه:
و إحساس الحاجة اليه فى الاجتهاد ممّا لا يكاد يخفى.
لأنّ الأحكام الشرعيّة ليست من الأمور الضروريّة الّتى لا يحتاج اثباتها الى الدليل، بل انّما هى امور نظريّة دقيقة يتوقّف تحصيلها على الدليل و البرهان، و المتكفّل لادلّة الأحكام و براهينها من الحجج و الامارات و غيرهما ممّا يؤدّى الى معرفة الأحكام الشرعيّة، هو علم اصول الفقه.
فما من حكم نظرى، الّا و يستنبط من تلك الأدلّة، فعلى الفقيه ان يتقنها و يحصّلها بالنظر و الاجتهاد، لانّها لو كانت تقليديّة لأدّى الى التّقليد فى الأحكام، و النتيجة تتّبع اخسّ المقدمتين.
ثانيهما: علم الرجال:
لأنّ جملة من الأحكام الشرعيّة، و ان كانت تستفاد من الكتاب، الّا انّه قليل، و غالبها يستفاد من الأخبار المأثورة عن اهل البيت(عليهم السلام). و على ذلك ان قلنا بانّ الاخبار المدوّنة فى الكتب الاربعة، مقطوعة الصّدور، او انّها ممّا تطمئنّ بصدورها، و الأصحاب قد عملوا على طبقها و لم يناقشوا فى اسنادها، و هذا يفيد الاطمئنان بالصدور، فقد استرحنا من علم الرّجال و الامر سهل، لعدم مساس الحاجّة الى معرفة احوال الرجال فى الحديث.
ما سلك اليه المحقّق الهمدانى:
و قد سلك الى ذلك المحقّق الهمدانى، حيث قال: ليس المدار عندنا فى جواز العمل بالرّواية، على اتّصافها بالصحّة المطلوبة. و الّا فلا يكاد يوجد خبر يمكننا اثبات عدالة رواتها على سبيل التّحقيق لو لا البناء على المسامحة فى طريقها، بل المدار على وثاقة الراوى او الوثوق بصدور الرّواية و ان كان بواسطة القرائن الخارجيّة الّتى عمدتها، كونها مدوّنة فى الكتب الأربعة او المأخوذة من الأصول المعتبرة مع اعتناء الأصحاب بها و عدم الاعراض عنها. و لأجل ذلك جرت السّيرة على ترك الفحص عن حالهم ..».
و حينئذ كان اللّازم حال الرواية عند الأصحاب، من حيث انّها معمول بها عندهم فتكون حجّة او انّها غير معمول بها و انّهم معرض عنها فتسقط اعتبار حجيّة الرّواية.
و فى هذه الصورة، لا تمسّ الحاجّة الى علم الرجال الا قليلا فيما اذا لم يظهر لنا عمل الأصحاب بالنّسبة الى الرواية من العمل بها او معرض عنها.
المسلك الصحيح عندنا:
و امّا على ما بنينا ممّا هو الصّحيح عندنا و هو انّ المتّبع حسب سيرة العقلاء الّتى هى العمدة فى حجيّة الخبر، و انّما تدلّ على اعتبار الخبر الموثوق به او الممدوح رواته، حتّى يعتمد عليه فى الحكم الشرعى. فلا محالة تزداد الحاجة الى علم الرجال، فإنّ به يعرف حال الثّقة عن الضعيف، و به يتميّز الغثّ عن السمين. فلا مناص الّا الرجوع الى تفتيش حال الرواة فى سلسلة السند واحدا بعد واحد حتّى يظهر الحال انّه موثوق به ليؤخذ خبره، او انّه ضعيف معرض عنه فلا يعتمد على اخباره. و المتحصّل من الكلام، هو انّ علم الرجال من أهمّ ما يتوقّف عليه رحى الاستنباط و الاجتهاد، بعد علم اصول الفقه فى دخله فى ذلك جدّا و بقيّة العلوم الّتى ذكرناها اجمالا فلها دخل فى حدّ ذاتها بالنّسبة الى ما يتوقّف عليها من الحاجّة فى طريق
تحصيل الحكم من المدارك فى الكتاب و السنّة من الرّوايات الواردة من النبىّ الاعظم او من الائمّة الأطهار(عليهم السلام).
الإشكال و جوابه:
و حينئذ فما ذكر من الإشكال من انّ المجتهد فى الفقه و الأحكام الشرعيّة، لا يكون مجتهدا، فى العلوم المذكورة، بل يعلم قليلا فكيف يكون مجتهدا و يفتى فى الأحكام الفقهى، مندفع.
بانّ الاطّلاع من ذلك العلوم المذكورة بمقدار لازم فى طريق تحصيل الحكم الشرعى و الاطّلاع على فهم المدارك، كاف للفقيه فى الاجتهاد، فلا يجب عليه الاطّلاع الجامع، بحيث يكون هو مجتهدا فى كلّ واحد من هذه العلوم مستقلّا.
نعم يكون فى العلماء من يجتهد فى علم العربية جامعة مثل ابن حاجب و غيره او يكون مجتهدا فى اللّغة مثل الفيّومى و العلائلي او كان مجتهدا عالما فى التفسير مثل الطبرسى و الزمخشرى و غيرهما.
بل كان علم اصول الفقه فى زماننا هذا فى سعة ممّا يحتاج الفقيه من هذا العلوم.
مثل بحث المشتق، فانّه متكفّل لفهم تركيبات الجملة بتحليل منه الى المادّة و الهيئة و الاطّلاع على هيئة الفاعل و غير ذلك. و هكذا البحث عن العامّ و الخاصّ من مباحث الالفاظ فى علم اصول الفقه، بنحو يجىء ذهن المجتهد الى الاستعارة و الكناية، او الحقيقة و المجاز ممّا دوّن فى المعانى و البيان.
و بعض ما ذكر من العلوم، يبحث عنه فى الفقه بنحو اضبط من الكتب المدوّنة فى ذلك. مثل آيات الأحكام يفسّر فى الفقه بنحو جامع من كتب التفسير.
مثل آية التيمم فى الطهارة، فهل ترى من مفسر فى كتابه، بهذا النحو الّذى ذكر الفقهاء من الإطالة فى بيان ما هو الدلالة. و مثلها ساير الآيات فى الأحكام.
و كذا فى علم اللّغة، اذا احتاج الفقيه بالرّجوع الى كتبه، فانّه فى تحقيقه أدقّ من اللّغوى زائدا على ما جاء به اللّغوى فى دقّته.
و هكذا الأمر فى علم الرجال، و ان كان له شأن و دخل عظيم فى الوثوق بالرّوايات و هو يتلو فى الأهميّة بعد اصول الفقه، الّا انّه يتحقّق الوثوق بواسطة موافقته مع الشهرة، فلا تصل النوبة الى الدقّة فى رجال الحديث. نعم على فرض عدم قبول بعض اقسام الشهرة مثل شهرة الفتوائية مثلا، فنحتاج الى علم الرّجال و هو المطلوب.
و مع ذلك، فالاجتهاد و الوثوق بالرّواية سهل، لأنّ بعض رجال الحديث لا نحتاج فى شأنهم الفحص و التّحقيق حيث انّ فى مثل زرارة و محمّد بن مسلم و غيرهما من اصحاب الإجماع الّذين كثروا نقل الحديث، و هم كالشّمس فى رابعة النّهار من علوّ شأنهم. و من يحتاج الى الفحص عن حاله من الرّواة، رجال معدودون اذ لكلّ امام معصوم(ع)صحابة و رواة معلوم حالهم و قد بحثوا فى الفقه عنهم حتّى يحصل الوثوق.
اهميّة علم اصول الفقه فى الاجتهاد:
فتحصّل من جميع ما ذكرنا انّ ما لا محيص عنه من هذا العلوم فى مبادى الاجتهاد هو علم الأصول بهذا المنهج الّذى بايدينا جامعا و مانعا، و الفقيه لا بدّ منه بحيث اذا لم يكن لم يحصل الاجتهاد له، فهو الأصل الوحيد فى المرتبة فى باب مقدّمات الاجتهاد و يتلوه علم رجال الحديث فى بعض الموارد على ما فصّلناه.
و من العجب عن بعض اخواننا الأخباريين، حيث قالوا بانّ علم الاصول بهذا النحو بدعة، و هذا القول منهم فى غاية البعد و الاعجاب. لأنّهم ان ارادوا من قولهم، انّه بدعة، هو ان العلم بالترتيب الّذى يكون بايدينا من الابواب و المباحث و فصول، لم يكن بهذا الترتيب فى زمن الائمة(عليهم السلام)فهو صحيح الّا انّه لا يفيد مطلوبهم. لان علم التفسير ايضا كذلك و كذا ساير العلوم ايضا لم يكن بهذا الترتيب الّذى يكون الآن دارجا فى الكتب المدوّنة، فى زمن الائمّة(عليهم السلام). فكما انّ هذه لم تكن بدعة فى شىء، فكذلك علم الاصول ايضا.