منها: استصحاب الحكم المختار، و هو استصحاب تنجّز الرأى السابق بعد الشكّ فيه.
لأنّه اذا قلّد ابتداء من مجتهد كان رأيه وجوب ذلك الجزء فى الصلاة، مثلا وجوب السورة فى صلاة الاحتياط، ثمّ اراد العدول فى هذه المسألة بعينها الى مجتهد يكون رأيه عدم الوجوب، فحينئذ يكون له الشكّ فى بقاء حكم الأوّل بعد تنجّزه، لانّه لا يعلم، انّه هل يجوز له الرجوع هنا الى الغير، او لا يكون حكم السابق باقيا على حاله؟
فيستصحب بقائه على حاله، فلا يجوز الرجوع الى الغير.
الجواب عن الاستدلال:
و امّا الجواب عنه، انّ هذا الاستدلال، هو ان تنجّز الحكم المختار عليه، كان مشروطا بالالتزام به، و استصحاب مثل هذا الحكم، لا يوجب حرمة العدول الى غيره، و الالتزام به، لعدم اتّحاد الموضوع.
فيكون هذا الاستصحاب غير معارض مع استصحاب الحكم الإنشائى الّذى أفتى به الفقيه الآخر.
كلام الشيخ الأنصارى:
قال الشّيخ الأعظم(قدّه)فى رسالته فى الاجتهاد و التّقليد.
«إنّ استصحاب التّخيير الابتدائى، حاكم على استصحاب الحكم المختار به، لعدم بقاء الشكّ معه فى جواز العدول الى الآخر. فكما انّه جائز فى بدو الأمر، فكذلك جائز فى الاستدامة.»[1]
[1]- رسالة الاجتهاد و التّقليد للشيخ الأنصارى(قدّس سرّه).
التّحقيق فى المقام:
و التّحقيق فى المقام هو انّ الواقع بعد كون الرأى طريقا اليه، لا فرق فيه بين كونه عن رأى هذا المجتهد الأوّل او ذاك الثانى. فكما أنّ رأى الأوّل طريق الى الواقع، فكذلك رأى الثّانى.
و على فرض الموضوعيّة فى المصلحة بالنسبة الى الواقع فى رأى المجتهد، يكون الرّأيان من باب المتزاحمين فى المصطلحة، فيكون المقلّد مخيّرا بينهما.
فلا وجه لدخل الأخذ من الأوّل فى تغيير الواقع عمّا هو عليه.
فكلّ من الرأيين متساويان بالنسبة الى تنجّز الواقع، فلا مرجّح للأوّل منهما، لعدم توليد مصلحة فى الواقع من جهته.
نعم ان قيل بانّ نفس العمل برأى الأوّل، صارت من مرجّحات العمل برأيه بالأخذ او العمل، فالقول باستصحابه موجّه، و لكنّه غير ثابت.
لزوم المخالفة القطعية:
منها: استلزام العدول، للمخالفة القطعيّة بالنسبة الى التكليف الواقعى.
و ذلك انّه اذا اتى بصلاة الظهر قصرا، تقليدا للأوّل فيما اذا كان المسير اربعة فراسخ ذاهبا و جائيا.
ثمّ اتى بصلاة العصر تماما تقليدا للثّانى، لانّ رأيه إتمام الصلاة فى المورد.
فالمكلّف المقلّد، يعلم اجمالا بفساد احد الصلاتين، إمّا الأوّل او الثانى، لأنّ الواقع ليس الّا واحدا.
الجواب عن الاستدلال:
لكن الجواب عن الاستدلال، بانّ الثابت من التّكليف هو الواقع المنجّز على رأى المجتهد الّذى قلّده، لا الواقع الواقعى فى نفس الأمر، لانّ وظيفة المقلّد هى التبعيّة عن المجتهد المفتى و هو يعمل و يعذّر عمّا هو عليه.
اذ المقلّد قد اتى بالوظيفة، و اذا عمل بفتوى الثانى، فقد أتى بالوظيفة ايضا لأنّه عمل بالوظيفة بما أفتى اليه مجتهده المفتى.
فحينئذ كان عمل المقلّد فى الصّورتين، عمل على طبق وظيفته، و مجز له، و لا عقاب عليه.
لأنّه عمل بما أدّى اليه الدّليل الشرعى و هو رأى المجتهد فى الحكم الشرعى، و قد عمل به. نعم، لو ترك العمل رأسا و لم يعمل بالرأى كان معاقبا، لترك العمل مطلقا.
و امّا مع إتيانه بفتوى الأوّل فى الأوّل و فتوى الثّانى فى الثّانى على رأيهما، فقد أدّى الوظيفة على ما هو عليه من التكليف.
العلم الإجمالى فى البين:
و امّا العلم الاجمالى المتصوّر فى البين، لو كان، فهو يكون بالنسبة الى الواقع الّذى ليس هو باختيار المكلّف، و لم يكن منجّزا عليه، فلا تكليف له بالنسبة اليه، بعد كون رأى المجتهد هو الحجّة عليه فيما أفتى به فى كلّ واحد منهما مستقلّا.
و الشّاهد على ذلك، هو انّه إن قلّد مجتهدا و قصّر صلاة الظهر على رأيه، ثمّ مات ذلك المجتهد، ثمّ قلّد مجتهدا آخر حيّا، هو يقول بالتمام، فاتى صلاة العصر تماما، فلم يقل احد، بوجوب إعادة الصلاة.
فيعلم من ذلك انّه ليس المدار على الواقع الواقعى الإلهى الّذى ليس هو باختيار المكلّف فى الظاهر. بل ما هو المدار فى الإتيان، الّذى يكون باختيار المقلّد، هو رأى المجتهد فى بيان الحكم و إتيان الوظيفة ظاهرا، هو العمل مطابقا لرأى المفتى المجتهد الدينى الّذى قلّده الحين.
الإشكال فى المسألة:
ان قلت: فى خصوص المثال. انّه يمكن القول ببطلان العمل من جهة شرطية الترتيب.
فمن أتى بالعصر تماما بعد ما أتى بالظّهر قصرا، لا يحصل له العلم يكون إتيان العصر بعد الظّهر واقعا.
لانّه من المحتمل ان يكون الوظيفة، إتمام الظهر ايضا، فمع اتيانه قصرا، يكون المكلّف شاكّا فى حصول الترتيب و العمل بالوظيفة، فيكون البطلان من هذا الوجه.
جواب الإشكال:
قلت: انّه اذا قلنا بجواز العدول عن مجتهد الى آخر، فيكون عمله على طبق فتوى الأوّل موجبا لسقوط تكليف الظهر، مثل ما اتى به واقعا.
ثمّ إنّ عمله على طبق فتوى الثانى فهو ايضا على طبق وظيفته. فيكون الترتيب حاصلا حسب وظيفته الشرعيّة، فلا اشكال عليه.
القول فى جواز العدول:
انّ اطلاق ادلّة التّقليد اللفظيّة يقتضى ذلك و حاكم به. فكما انّه دلّ على تخيير العامى فى الرجوع الابتدائى، الى اىّ مفت من هذين المجتهدين، فكذلك يدلّ على تخييره استمرارا فى الرجوع الى اىّ مفت.
فإنّ لسان الأدلّة اثبات حجيّة ارشاديّة الى رأى المفتى المجتهد، و مقتضاها التّخيير بين الأخذ بأيّهما شاء، فإنّ لازم الحجيّة الإرشادية فى ذلك هو رفع اليد عن الأوّل و الأخذ بالثّانى.
و بعبارة اخرى انّ لسان دليل وجوب التّقليد، الحكم بوجوب الاستمراريّ فى كلّ واقعة متجدّدة و لا يكفى مجرّد الرجوع الى المفتى المعيّن فى واقعة واحدة فحسب.
و هذا الحكم بوجوب التّقليد فى الواقعة الأولى لم يكن تعيينا، فكذلك وجوبه فى جميع الوقائع، لاتّحاد الدلالة و اتّحاد الحكم. فيجوز له الرجوع فى واقعة الى مجتهد، و فى واقعة اخرى الى مجتهد آخر الجامع للشرائط، حسب اطلاق الأدلّة.
قيام السيرة العقلائيّة هنا:
ثمّ انّ سيرة العقلاء قائمة على ذلك ايضا.
فانّ المريض الّذى عدل عن طبيبه، الى طبيب آخر، غير مؤاخذ عندهم.
و هذا فى واقعة واحدة فكيف الأمر فى الوقائع المتعدّدة.
فكذلك فى الشرع ايضا، لأنّ الثابت من التكليف هو الواقع المنجّز للمكلّف حسب رأى المفتى، لا الواقع الواقعى لانّه لا يكون فى اختيار المكلّف.
و على هذا، فاذا عمل المكلّف على رأى المجتهد الأوّل فقد أتى بما تنجّز عليه، و اذا عمل بفتوى المجتهد الثانى فقد أتى بما تنجّز عليه حسب ما أفتى به الثانى. و حينئذ كان عمل العامى المقلّد على طبق رأى مجتهده، و منجّز له و لا عقاب عليه، لأنّه عمل بالوظيفة حسب ما تنجّز عليه. و هذا كلّه بمقتضى ما يستفاد من اطلاق الأدلّة للتقليد.
قياس حجيّة الفتوى بحجيّة الخبر على ما سلكه القوم:
و امّا ما سلكه القوم فى المقام، هو القياس من حجيّة الفتوى بحجيّة الخبر.
بتقريب انّ حجيّة الفتوى، امّا من باب الطريقيّة، و امّا من باب الموضوعيّة على التفصيل الّذى فى محلّه.
فان كانت من باب الطريقيّة، فهى منجّزة للواقع على تقدير الإصابة، و معذّرة عنه عند الخطأ.
و مع فرض التعارض، فلا معنى لمنجّزية كلّ واحد منهما، لعدم احتمال الإصابة فى كليهما، لكن لا مانع من معذورية كلّ منهما. بل لا بدّ من القول به هنا، للاجماع على عدم تساقط الفتويين، و الرجوع الى غير الفتوى، لأنّ الفرض انحصار الطريق فى اتّباع الفتوى.
كما نقول بعد التساقط فى الخبرين المتعارضين، للاخبار العلاجيّة الأمرة بالأخذ بأحدهما تعيينا تارة، و تخييرا اخرى.
بل و ان هذا المعنى، بعد فرض معقوليّته، لا مانع من استفادته من نفس دليل الحجيّة، لانّ المتعارض يمنع عن تصديق دليل الحجيّة، من حيث منجّزية الطريقين الى الواقع. حيث لا واقع فى الاثنين، بل فى احدهما فقط. و لكن لا مانع عن تصديق ذلك من حيث معذوريّة كلّ واحد منهما، فإنّ صفة المعذورية موجودة لكلّ منهما تخييرا بالنسبة الى الواقع.
و عليه فان كان معنى حجيّة كلّ من الفتويين بالنسبة الى الواقع، كون كلّ منهما معذرة، مع دوران العقاب ترك الواقع، مدار مخالفتهما معا.
فحينئذ اذا شكّ بعد العمل باحدى الفتويين فى تعيين ما اخذه عليه، كان مقتضى الاستصحاب، بقائها على تلك الصفة المجعولة شرعا.
و هذا اذا كانت حجيّة الفتوى من باب الطريقيّة الى الواقع او المعذورية.
حجيّة الفتوى من باب الموضوعيّة:
و امّا اذا كانت حجيّة الفتوى من باب الموضوعيّة. بجعل الحكم المماثل على طبق كلّ واحد من الفتويين، فحال الحكمين حال الواجبين المتزاحمين.
فان فرض التّخيير من قبل الشارع، مولويّا او ارشاديّا الى ما حكم به العقل، فالصحيح منه جعل الحكم المماثل على كلّ منهما بنحو التّخيير. و ان لم يكن التّخيير من الشارع، فلا مجال لاستصحاب التّخيير العقلى.
لكن استصحاب الحكم الشرعى المأخوذ من المجتهد العمل، غير مانع من ثبوت الحكم من مجتهد آخر.
لأنّ حكم العقل بالتّخيير بين هذا و ذاك، لا يوجب تصرّفا فى الحكم الشّرعى.
فكلّ منهما ثابت نحو ثبوته، و لا ينافى ثبوته، ثبوت الآخر على الفرض.
و على هذا يثبت القول بجواز العدول الى الآخر.
العدول يلزم خلاف الإجماع:
منها: ما يلزم العدول خلاف الإجماع.
و ذلك لأنّ العدول يستلزم إمّا التبعيض فى المسألة الكليّة، و لا دليل على صحّة هذا التّقليد. او يستلزم نقض الأعمال السابقة. و هذا خلاف الإجماع.
فإنّ رأى المجتهد متعلّق بالحكم الكلّى، لكلّى الواقعة، و هو الّذى يجب الالتزام به، او الاستناد اليه فى مقام العمل، و ليس له رأى، متعلّق بالجزئى من الموارد حتّى يقلّد فيه. مثلا اذا افتى المجتهد الأوّل بوجوب السورة فى صلاة الاحتياط، فقد افتى الحكم الكلّى لكلّى هذه المسألة، و قد عمل المكلّف به. ثمّ عدل عنه الى المجتهد الثّانى و هو أفتى بعدم وجوبها.
و حينئذ ان قلنا بانّ عدم الوجوب يكون من حين العدول، لا قبله، فهذا موجب للقول بالتّبعيض فى رأى واحد كلّى، و لا دليل عليه و لا يقول به احد.
و ان قلنا بان اطلاق فتوى الثانى يوجب بطلان الصلاة مع السورة، فهذا موجب لنقض الأعمال السابقة، و لا يقول به احد. فيلزم من هذا القول، خلاف الإجماع من القوم.
الجواب عن هذه الملازمة:
و امّا الجواب عنه، هو انّ التّقليد امّا ان يكون هو العمل فى وقايع شخصيّة، و إمّا ان يكون هو العمل على طبق العنوان الكلّى للحكم، او يكون هو الالتزام بالعمل.
فعلى الأوّل، فهو يقلّد الثانى فى هذه الواقعة الشخصيّة السابقة، و لا يسرى الحكم الجديد من المجتهد الثانى، الى السابق من فتوى المجتهد الأوّل.
نعم اذا كان التّقليد هو الالتزام، فيمكن الالتزام بكلّى وجوب السورة فى صلاة الاحتياط.
فاذا كان فتوى الثانى عدم وجوبها بهذا العنوان الكلّى فإطلاقها، و ان كان شاملا للصّلاة السابقة ايضا، لكن انا نختار التبعيض، و نقول بانّه لا يشمل الحكم الثانى للواقعة السابقة، بل يكون الالتزام بها من الآن. و ما ذكر من عدم الدليل على التبعيض
لا يتمّ، لأنّ الأدلّة العامّة للتقليد و اطلاقها تشمل المقام، و لا يكون لنا مانع من شمولها للفرض هنا، فانّ الجاهل فعلا يرجع الى العالم فعلا حسب الأدلّة، لترتّب الاثر من حين التّقليد من الثانى. فعلى فرض كون التّقليد هو الالتزام بالعمل ايضا لا اشكال فيه.
و امّا على القول بفرض كون التّقليد هو العمل على طبق العنوان الكلّى، مثل التّقليد فى الحكم الكلّى بعدم وجوب السورة فى المسألة، فاطلاق الفتوى الثانى، و ان كان لازمه وجوب القضاء فيما سبق، لكن المانع منه هو الإجماع الموجود من عدم وجوب القضاء.
فيكون الإجماع هو الدّليل على عدم وجوب القضاء، لا دليل عدم جواز العدول.
فلو لا الإجماع، لامكن القول بجوازه و وجوب القضاء فى السابق، و لا بحث فيه.
و على هذا فلا يتمّ الاستدلال؟
جريان قاعدة الاشتغال:
و منها: قاعدة الاشتغال، من جهة دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير.
للعلم باشتغال التكليف الإلهى، و تحصيل براءة الذمّة بواسطة العمل بالفتوى المأخوذة اوّلا، و الشّكّ فى حصول البراءة بالعمل على طبق الفتوى الثانية.
و بعبارة أخرى، انّ حجيّة قول الفقيه الأوّل معلومة لتقليد العامىّ عنه حسب وظيفته بالأدلّة الشرعيّة النقليّة و العقليّة.
و حجيّة قول الفقيه الثانى مشكوكة فيها، لانّها مبتنية على جواز العدول، و حيث لم تثبت، فهى ساقطة عن الحجيّة، اذ الشكّ فيها ملازم للحكم بعدمها.
و بعبارة أخرى، أنّ الأمر هنا يدور بين التعيين، و هو معلوميّة حجيّة قول الفقيه الأوّل، لانّه الحجّة المعيّنة على فرض عدم جواز العدول، و بين التّخيير، و هو انّه الحجّة المخيّرة على فرض جواز العدول الى الثانى فاذا نفرض فى المثال المذكور هنا فى المسألة الفرعيّة. انّه اذا رأى الفقيه الاوّل وجوب القصر فى الصّلاة، اذا كانت المسافة