عليها بارجاع الفروع و الحوادث الواقعة الى اصولها الشرعيّة الفقهيّة المتبينة على الكتاب و السنّة. و هذا هو المستند الاصيل الذى يلزم لكلّ فقيه مجتهد العمل على طبقه.
احكام الشرائع السّابقة:
و من الأدلّة الّتى اختلف الفقهاء فيها.
ما ثبت حكمه من الشرائع السّابقة الإلهيّة، و لم يرد فى شرعنا، ما يدلّ على نسخه بالخصوص، و لا يدلّ دليل على تكليفنا به.
فالمنقول عن الحنفيّة و بعض المالكيّة و الشافعيّة من المذاهب، بانّنا مكلّفون به، و عن غيرهم عدم تكليفنا به. و هذا هو الأظهر عندنا.
لأنّ الإسلام شريعة كاملة كما قال اللّه تعالى:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.[1]
و بعد كمال الدين، لا تدع حكما من الأحكام الّتى يحتاج البشر الّا و قد جاءت، و قد بيّنه رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّه قال(ص)ما من شىء يقرّبكم من الجنّة و يبعّدكم عن النّار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شىء يبعّدكم عن الجنّة و يقرّبكم من النّار الّا و قد نهيتكم عنه.
الشريعة الجديدة ناسخة لما قبلها:
و الآثار قد دلت على انّ كلّ شريعة من الشرائع العامة ناسخة لما تقدّمها، و ظاهر النسخ نسخ الكلّى، و دلّت على انّ النبىّ الأعظم الأمين(صلّى اللّه عليه و آله)، قد بلّغ الأحكام كاملة و بعد تبليغ الامّة جميع ما يحتاجون اليه، لا يبقى شىء حتّى يرجع الى السلف.
نعم فى الحوادث الجديدة، و الفروع الفقهيّة الّتى ليس لها نصّ ظاهر بخصوصها،
[1]- سورة مائدة آية 3.
يرجع الأمر فيها الى العمومات الكليّة الواردة فى الدّين القويم فيرجع اليها و يتفرّع الفروع الى الاصول، ان وجد فى ذلك الفرع، اصل موجود و ظاهر يستند اليه الحكم الفرعى، و الّا فالمرجع، الاصول العلمية الّتى بايدينا فى تعيين الوظيفة.
فتوى الصحابى:
و من الأدلّة الّتى قد يستند فى الحكم، عندهم فتوى الصحابىّ و ذلك لأنّ صحابى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)كان منهم لطول صحبتهم عنده(صلّى اللّه عليه و آله)، كانوا فقهاء قد سمعوا النصوص منه(صلّى اللّه عليه و آله)، فاذا لم يرد نصّ فى واقعة، فهل يكون فتوى الصحابى و رأيه حجّة فى الواقعة لمن يكون بعده ام لا؟ فيه خلاف.
فقد نقل عن ابى حنيفة الاحتجاج به، و عن الشافعى، الردّ عليه، و هو الحقّ عندنا.
لانّ الصحبة للرّسول الاعظم(صلّى اللّه عليه و آله)، و ان كان شرفا أىّ شرف و منزلا رفيعا، الّا هو كسائر النّاس من الامّة يصيب و يخطئ، و فيهم كامل الإيمان و الورع، و منهم من لا يكون كذلك. فلا يجوز حمل كلّ واحد منهم على العدالة. فمجرّد كونه صحابيّا لا يلزم منه حجيّة قوله و لزوم عدالته، الّا ما علم عصمته بالنصّ و تأييد من الرّسول الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)، كما نصّه فى حقّ علىّ امير المؤمنين، و اهل بيته(عليهم السلام).
حديث الثّقلين النبوى:
و قد قال النبى(صلّى اللّه عليه و آله)باجماع الفريقين: «انّى تارك فيكم الثّقلين. كتاب اللّه، و عترتى اهل بيتى، ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدى أبدا، و انّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض.[1]
[1]- و فى معجم فقه السلف عترة و صحابة و التابعين تأليف محمّد المنتصر الكتانى، استاد جامعة ام القرى بمكّة المكرّمة، و قد طبع هذا الكتاب فى الجامعة سنة 1410 ه ق فى مكّة مكرّمة.
قال: ان فقه العترة للنبىّ الاعظم، يمتاز عن فقه الصحابة و التّابعين.
و هذه الرّواية رواها فى غاية المرام عن ثقات اهل السنّة بالفاظ متقارنة متقاربة، و عن ثقات علماء الشيعة الإمامية فى نقل كثير فوق التواتر. و امّا عند علماء اهل السنّة، فقد كثرت رواية هذا الحديث بالفاظ عديدة متواترة و فى مسند احمد بن حنبل عن ابى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): انى تركت فيكم ما ان تمسّكتم به لن تضلّوا بعدى، الثقلين و احدهما اكبر من الآخر، كتاب اللّه حبل ممدود من السّماء الى الأرض، و عترتى اهل بيتى الا انّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض. و قد قال النبى(صلّى اللّه عليه و آله)فى حقّ على(ع): انا مدينة العلم و على بابها فمن اراد المدينة فليأت الباب.
رواه الجمهور فى عدّة طرق، منها مناقب ابن المغازلى الشافعى، و منها الخوارزمى فى مناقبه، و منها ابن ابى الحديد فى شرح نهج البلاغة، و منها الحموينى فى فرائد السمطين و غير ذلك.
علىّ(ع)اعلم النّاس بعد رسول اللّه:
و عن سلمان الفارسى صحابىّ رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)قال، قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): اعلم امّتى من بعدى علىّ بن أبي طالب. رواه الحموينى الشافعى فى فرائد السمطين.
ثمّ قال: و الظفر بفقه العترة ظفر بالعلم و الهدى و الامان من الضّلال و بكتاب اللّه مقترنا بالهداية و الامان حتّى دخول الجنّة.
ثمّ قال: انّ حديث الثّقلين فى معجم فقه السلف، و قد خطب بذلك رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)، يوم حجّة الوداع بعرفة، فى مائة الف من الصحابة او يزيدون، قال جابر: رأيت رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)فى حجّة الوداع يوم عرفة و هو على ناقته القصواء، يخطب. فسمعته يقول: انّى تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلّوا، كتاب اللّه و عترتى آل بيتى.
و قال ابن ارقم: قال رسول اللّه(ص)انّى تارك فيكم ما ان تمسّكتم به لن تضلّوا بعدى احدهما اعظم من الآخر و هو كتاب اللّه حبل ممدود من السّماء الى الأرض و عترتى اهل بيتى لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض.
مكانة علىّ فى المصحف الكريم:
قال اللّه تبارك و تعالى:إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.[1]و هذه الآية باتّفاق الفريقين قد نزلت فى حقّ علىّ(عليه السلام)و قال اللّه تعالى:إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.[2]
[1]- المائدة الآية 55.
[2]- سورة احزاب الآية 33.
اقسام الاجتهاد
الاجتهاد له تقسيمان:
الأوّل مجرد وجود الملكة:
الاجتهاد باعتبار وجود الملكة النفسانيّة و القدرة على استنباط الأحكام الشرعيّة عن ادلّتها. امّا مطلق، او متجزّى، لأنّ المجتهد امّا ان يكون مقتدرا على استنباط الأحكام الشرعيّة كلّها، او جلّها. من الأدلّة الموجودة عنده فهو المجتهد المطلق و امّا ان لا يكون كذلك، بل يقتدر الاستنباط بالنسبة لبعض الأحكام فقط دون بعض، فهو المجتهد المتجزّى.
الثانى لزوم فعليّة الاستنباط:
الاجتهاد ايضا بحسب فعليّة الاستنباط ينقسم الى من هو استنبط فعلا مقدارا معتدّا به من الأحكام بحيث يكون مشرفا على الأحكام الشرعيّة و ادلّتها التفصيلية، اشرافا جامعا بجميع الاطراف، فكلّما حدث فرع ممّا جرى فى ايدى النّاس، فقد استنبط حكمه الشرعى، و يعلّم وظيفته الإلهى.
فهذا مجتهد مطلق فعلا، و بهذا المعنى وردت النصوص المتواترة الدالّة على ترتيب الآثار على هذا المجتهد و حكمه و فتواه.
و المجتهد المتجزّى بهذا الاعتبار من لم يكن مستنبطا فعلا لذلك المقدار، و لم يطّلع على الأحكام و ادلّتها، الّا البعض او بعض الأبواب فقط.
تعريف المجتهد المطلق و المتجزّى:
و على هذا المعنى: يكون المجتهد المطلق، هو من له قدرة علميّة اجتهاديّة يقتدر بها العلم بالأحكام الدينيّة عن ادلّتها التفصيلية، و قد استنبط ذلك فعلا و اطّلع و اشرف على الأحكام فى سعة علميّة اجتهادية جميعها او جلّها.
و مع وجود ساير الشرائط يكون هو المرجع الدينى ينفذ حكمه و فتواه على المسلمين.
و المجتهد المتجزّى هو من لم يكن كذلك بل يكون له قوّة الاستنباط بالنسبة الى البعض او بالنسبة الى باب من الأحكام دون باب، و استنبط فعلا بحسبه.
و لكلّ واحد من المجتهد المطلق و المتجزّى احكام و تقسيمات يأتى بيانها فى محلّه إن شاء اللّه.
المجتهد المطلق و امكان تحقّقه
الاجتهاد المطلق و امكانه:
البحث هنا فى امكان تحقّق الاجتهاد المطلق و عدمه.
القائلون بعدم تحقّقه:
و ربّما يقال بعدم امكان تحقّقه لوجود كثرة الأحكام الشرعيّة، فى آلاف مسئلة فقهيّة فى ابواب مختلفة فى الفقه الاسلامى.
و هذا الاطّلاع الجامع للمجتهد المطلق، قد يكون متوقّفا على علوم مختلفة، خارج الفقه زائدة على اصل الاستنباط فى الحكم او على موضوعات مختلفة كذلك. مثل الاطّلاع الجامع على علوم الهيئة و النّجوم مع سعتها، او العلم بدرجة البلاد، لتعيين الوقت و القبلة مع دقّتها او غير ذلك ممّا يبتنى الفقه عليه.
فمن لم يكن عارفا بهذه العلوم تفصيلا، لا يكون مجتهدا مطلقا فلا يمكن تحقّق المجتهد المطلق. نعم الاطّلاع على البعض من ذلك ممكن، و هو مجتهد متجزّئ، و لا بأس به.
كلام صاحب الفصول:
و قد ذهب بعض الأجلّة[1]، بعدم امكان تحقّق المجتهد المطلق بهذا المعنى الجامع
[1]- صاحب الفصول
القادر على استنباط جميع الأحكام فعلا. و لذلك عرّفه بمن كان له ملكة تحصّل الظنّ بجملة يعتدّ به من الأحكام.
و قال: «انّما لم نعتبر الظنّ بالكلّ، لتعذّره عادة فانّ الأدلّة قد تتعارض، و لتردّد كثير من المجتهدين فى جملة من الأحكام، كالمحقّق، و العلّامة، و الشهيدين، و أضرابهم، مع انّ احدا لم يقدح فى اجتهادهم».
الجواب عن صاحب الفصول:
أقول: ظاهر قوله لتعذّره عادة، انّ المجتهد المطلق غير ممكن التحقّق بهذا المعنى عادة. و كذا قوله فى بيان دليله الاوّل الّذى اشار اليه بقوله: فانّ الأدلّة قد تتعارض.
و لكن ظاهر دليله الثّانى المشار اليه بقوله: و لتردّد كثير من المجتهدين الخ، مفيد بعدم وجود المجتهد المطلق بهذا المعنى الجامع، لا بعدم امكان تحقّقه عادة.
و كم فرق بين عدم امكان التحقّق، و عدم الوجود فى الخارج.
فلا يخفى عليك من هذا التهافت بين نفى الامكان الوقوعى، و نفى الوقوع الخارجى.
كلام المحقّق الخراسانى:
و قد ذهب صاحب الكفاية الى امكان تحقّق المجتهد المطلق و وقوعه فى الخارج.
بمعنى انّه يمكن تحقّق من يقتدر على استنباط جميع الأحكام و لا اشكال فيه.
و قد اورد على كلام صاحب الفصول:
بانّ عدم التمكّن من الترجيح فى مسئلة فى تعيين حكمه و التردّد فى بعض المسائل، انّما هو بالنّسبة الى حكمها الواقعى، لأجل عدم دليل مساعد، او عدم الظّفر به بعد الفحص عنه بمقدار لازم. لا انّه لقلّة الاطّلاع او عدم الاقتدار و قصور الباع.
و امّا بالنسبة الى تعيين حكمها الفعلى و الوظيفة الدينيّة فلا تردّد لهم اصلا.