لانّ القائل بالانسداد، يقول: انّ هذه الأحاديث المودعة فى الكتب الروائى حجّة من باب حجيّة الظنّ المطلق.
و هذا المذهب غير مستلزم لسلب وصف رواية الأحاديث و معرفتها عنه.
فاذا فرضنا ان المجتهد قال بحجيّة هذه الأحاديث من باب كونها مكتوبة كذا، فلا يجوز سلب هذا الوصف عنه، و لا يجوز ايضا سلب عنوان العارف بالأحكام عنه و لو من باب حجيّة الظنّ المطلق.
فانّ رواية الحديث و معرفة مدلوله، لا يلزم القول بحجيّته، فالقول بحجيّة حديث امر، و القول برواية الحديث و معرفة مدلولها امر آخر، فقد يجتمعان و قد يفترقان.
ذلك فى اصل الحجيّة فكيف الحال فى وجه الحجيّة و ان شئت توضيحا لذلك ايضا. فقل، إنّ المستفاد من قوله(ع)فارجعوا الى رواة احاديثنا انّه يشترط فى الرّجوع امران:
احدهما معرفة الأحاديث الموثّقة الصدور عنهم(ع)بشهادة اضافة لفظ الأحاديث الى ضمير المتكلّم فى كلامه(ع)لقوله احاديثنا. و هذه المعرفة ترجع الى معرفة السند.
الثانى معرفة متون هذه الأحاديث و مداليلها بشهادة لفظ الرواة فى قوله(ع)، الى رواة.
و المجتهد الانسدادي حائز لمرتبتين من المعرفة بمثل المجتهد الانفتاحى، و دعوى اتّصاف الثانى بهما دون الأوّل تكلّف غير مسموعة.
و بعبارة أخرى انّ المرجعيّة للاحكام، يدور مدار صدق عنوان العالم الّذى يفرضه العقل لنا، و صدق عنوان الراوى و العارف بالأحاديث، الّذى يفرضه الشرع لنا.
و من البديهى انّه يصدق العنوانين على المجتهد الانسدادي كالمجتهد الانفتاحى.
كلام المحقّق الكمبانى:
هذا كلّه و مضافا الى ما ذكره بعض المحقّقين من الاساطين[1]:
من صدق العالم و العلم و المعرفة على مطلق الحجّة القاطعة لعذر. فيصدق العارف بالأحكام على من كانت له الحجّة على احكامهم، و قد اطلقت المعرفة على الاستفادة من الظواهر كما فى قوله(ع): يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه، و قوله(ع): «انتم أفقه النّاس اذا عرفتم معانى كلامنا»[2].
هذا تمام الكلام فى المجتهد المطلق، سواء كان انفتاحيّا او كان انسداديّا.
المجتهد كان دليله الأصل:
و امّا كلام صاحب الكفاية فى المجتهد الّذى كان سنده فى الحكم الشرعى، هو الأصل، بما حاصله: هو انّه ان اشكل على هذا قيل بانّ المجتهد ان كان سنده الأصل فهو ايضا يكون جاهلا مثل الانسدادي. قلنا بان المجتهد مبيّن لموارد جريان الاصول و عارف بعدم وجود الدليل فى المقام، و المقلّد عاجز عن ذلك، فيكون رجوع المقلّد هنا، رجوع الجاهل الى العالم لتعيين الوظيفة هذا تمام الكلام فى المجتهد المطلق و جواز التّقليد عنه.
[1]- المحقّق الاصفهانى الكمبانى فى رسالته فى الاجتهاد و التّقليد.
[2]- وسائل الشيعة ج 18 باب 9.
المجتهد المطلق و احكامه
المجتهد المطلق و نفوذ احكامه:
و البحث هنا فى المجتهد المطلق و نفوذ حكمه و قضائه شرعا و لزوم التبعيّة فى احكامه. لانّ منصب القضاء و الحكم حسب الروايات الواردة يكون لمن هو منصوب من قبل الإمام(عليه السلام)، و يكون هو عارفا بما صدر عنهم(عليهم السلام)، فيجوز التّقليد عنه و يمضى احكامه. سواء كانت الأحكام، الحكوميّة او غيرها لانّه منصوب من جانب الإمام(عليه السلام)، و له الولاية فى الأمور، و قد نفذ حكمه.
الروايات الواردة:
و دليل ذلك، ما ورد من الروايات. قال(ع): «من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر فى حلالنا و حرامنا، و عرف احكامنا، فليرضوا به حكما فانّى قد جعلته حاكما»[1].
رواية ابى خديجة:
و ما ورد فى رواية ابى خديجة، قال: بعثنى ابو عبد اللّه(عليه السلام)الى اصحابنا، فقال: «قل لهم، إيّاكم اذا وقعت بينكم خصومة، او تداريتم فى شىء من الاخذ و العطاء، ان
[1]- وسائل الشيعة ج 18 باب 11 صفات القاضى.
تحاكموا الى احد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا، فانّى قد جعلته عليكم قاضيا، و ايّاكم ان يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر»[1].
مقبولة عمر بن حنظلة:
و مقبولة عمر بن حنظلة عن الصادق(عليه السلام)قال(ع): «ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر فى حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فليرضوا به حكما فإنّى قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا، فلم يقبل منه، فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا، ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه ...»[2].
و كذا روايات أخر فى المقام. كلّ ذلك دليل ظاهر فى نصب المجتهد المطلق للقضاء و الحكم، لوجود اوصاف ثلاثة عنده: رواية الحديث، و النظر فى الحلال و الحرام، و المعرفة بالأحكام، بموازين القضاء عندهم(صلوات اللّه عليهم).
فالمدار لنفوذ القضاء و الحكم عند الشرع، هو صدق هذه الأوصاف الثلاثة لمن عنده.
و هى من هو العارف بالأحكام جلّها، و الناظر البصير فى الحلال و الحرام، و رواية الحديث عنهم من مواضعه، فهذا الصدق فى المجتهد المطلق متوقّف على معرفة الأحكام بمقدار معتدّ به من المسائل و استنبط فيها بمعرفة اجتهادية فقهيّة فعلا، فهو خبرة فى الدين و بمواضع الأحكام.
الإشكال و جوابه:
فإن قلت: ان قوله(ع)فى الرواية: فاذا حكم بحكمنا، كيف تصدق مع كون القضيّة فيها فتوى المجتهد، و الفتوى ليست من حكم الإمام(ع)، فكيف الأمر؟
[1]- وسائل الشيعة ج 18 باب 11 صفات القاضى.
[2]- وسائل الشيعة ج 18 باب 11 صفات القاضى.
قلت، حيث يكون موارد قضاء الفقيه فى الموضوعات الخارجيّة، مثل الحكم بان هذا لزيد دون عمر مثلا، و لم يكن فى نفس هذه القضيّة، نصّ ورد بالخصوص عن الإمام، و مثل هذا كثير فى موارد شخصيّة، فهمنا انّ المراد هو من كان منصوبا من قبله(عليه السلام)فيكون فتواه بمنزلة حكم الإمام(عليه السلام)، فيجب نفوذه و العمل به و الإطاعة عنه.
هذا بالنسبة الى الأحكام الصادرة من المجتهد الانفتاحى.
المجتهد الانسدادي و احكامه هنا:
امّا بالنسبة الى المجتهد الانسدادي و نفوذ حكمه. فقد مرّ الإشكال من المحقّق الخراسانى، من انّه لا رجوع اليه لانّه جاهل بالحكم الواقعى من حيث مبناه، فلا ينفذ احكامه.
و جوابنا عن هذا الإشكال على ما مرّ، من انّ المجتهد الانسدادي ايضا عالم بالوظيفة مطابقا لنظره، فلا وجه للتفصيل بينه و بين الانفتاحى فى جميع الابواب، حتّى فى نفوذ حكمه فى القضاء على التفصيل الماضى. لأنّ الاختلاف بينهما فى وجه الحجيّة لا يوجب سلب الأوصاف عنه.
التّحقيق عندنا الجواز:
فالحقّ عندنا هو الجواز فى القضاء و الفتوى فى رجوع الغير اليه، و نفوذ حكمه بالنّسبة الى من يقلّده و ان كان هو انسداديا.
لانّ معرفته بالأحكام قطعى لا شبهة فيها، اذ ليس لهم(عليه السلام)، احكام غير ما هو بايدينا و الانسدادي يعرفها مثل الانفتاحى. و غايته ان ثبوت حجيّة هذه الأحكام عنده ليس على الطريق الّذى ثبتت حجيّتها عند الانفتاحي. و طريق حصول المعرفة ليس هو نفس المعرفة، و الاختلاف فى اسباب حصول العلم لا يوجب سلب صفة العلم.
المستفاد من المقبولة:
ثمّ انّ الظاهر فى مقبولة عمر بن حنظلة و امثالها، اعتبار فعليّة الاستنباط فى الأحكام للقاضى فى الحكم، بشهادة قوله(ع): و نظر فى حلالنا و حرامنا، و هو ناظر الى فعليّة الاستنباط، فلا يكفى صرف وجود القوّة و الملكة فى نفوذ حكم القضاء.
الواجد للملكة غير المستنبط الأحكام فعلا، لا يكون منصوبا من قبل الشرع لمنصب القضاوة، فانّ المناصب الالهيّة تتوقّف على اخبار من اللّه تعالى، امّا رأسا او بواسطة رسوله و اوليائه، و لم يعلم نصب من لا يستنبط الأحكام فعلا لهذا المنصب و ان كان له ملكة الاستنباط.
المتجزّى و احكامه فى القضاء:
و اختلفوا القوم فى المجتهد المتجزّى الاجتهاد لمنصب القضاوة. من حيث انّ الاجتهاد فى خصوص القضاء هل يكفى لتصدّى منصب القضاء، ام يجب الاجتهاد فى جميع الأحكام؟ فيلزم ان المجتهد المطلق يتصدّى هذا المنصب. ففيه خلاف.
و التّحقيق عندنا، الجواز بالنسبة الى تصدّى المجتهد المتجزّى هذا المنصب.
لأنّ الاجتهاد ليس الّا وجود الملكة للاستنباط، و مع تحقّق الاستنباط بمقدار يعتدّ به من الأحكام و لو فى أحكام القضاء، فيكفى فى تحقّق استنباطه و يصدّق عليه فى الجملة و ان لم يكن استنباطه بالنسبة الى الجميع لعدم تمكّنه. و سيأتى تفصيل الكلام فى بحث المجتهد المتجزّى.
و امّا المجتهد المتجزّى المنصوب من جانب المجتهد المطلق فى منصب القضاء، فلا اشكال فيه اصلا، فانّه منصوب، و القاضى المنصوب العالم باحكام القضاء لا مشكل فيه.
المتجزّى و امكان تحقّقه
التجزّى فى الاجتهاد:
البحث هنا فى التجزّى للاجتهاد و امكان تحقّق المجتهد المتجزّى.
و الحقّ عندنا امكانه، و معنى الإمكان فى هذا الباب، هو الإمكان الوقوعى بمعنى انّه لا يستلزم من وقوع الموصوف محال.
التّحقيق فى المقام امكانه:
و التّحقيق هو انّ المسائل الشرعيّة حكمها فى بعضها مبتن على مبادى دقيقة صعبة، و بعضها مبتن على مبادى سهلة، قريب الوصول اليها.
فربّما يكون الشخص مجتهدا عالما فى بعض المسائل، او فى مسئلة و يكون سندها روايات ظاهرة الدلالة، او ظاهرة الجمع على فرض التعارض، فهو مجتهد متجزّى و عالم بالنسبة الى ما يعلم دليله، و لا اشكال فيه.
و لا يكون هو مجتهدا بالنسبة الى المسائل الّتى هى مبتنية على المباحث الدقيقة العلميّة صعب الوصول الى حكمها، مثل مباحث التعبّدى و التوصّلى، او مباحث الأقل و الأكثر، او مباحث التّعيين و التّخيير، او البحث عن المتباينين او الضّدين او غير ذلك من المباحث الدقيقة علميّة صعبة جدا، فيلزم للمجتهد، التّحقيق البليغ فى اطراف الموضوع و الاطّلاع على الأدلّة العقليّة و النقليّة و الفحص فى كيفيّة الدلالة و
غير ذلك من الأمور الّتى لها دخل فى الحكم الشرعى، فيستدعى هنا خبرويّة المجتهد و قوّة الاستنباط و الاطّلاع البليغ اطراف الموضوع. فربّما لا يكون الشخص مجتهدا بهذا المقدار فى المسائل الّتى بناها تحقيق عميق و اشراف جامع على الأدلّة.
و ليس الاجتهاد الّا الفحص عن دليل الحكم تفصيلا مع خبرويّة جامع، ففى اىّ مورد حصل العلم بالدّليل الشّرعى، يكون الشخص مجتهدا فى ذلك المورد.
مضافا بانّه لو لم يكن التجزّى متحقّقا، يلزم الطفرة فى الاجتهاد المطلق، ضرورة انّ الاجتهاد المطلق تدريجىّ الحصول، فانّه يحصل بواسطة الاجتهاد فى كلّ مسئلة من المسائل الشرعيّة بنحو التجزّى فى تحصيل الحكم، فيتدرّج فى المسائل حتّى يحصل الاجتهاد المطلق للشخص فيكون هو مجتهدا فى جلّ المسائل الفقهيّة، فالاجتهاد المطلق تدريجى الحصول، و لا يمكن تحصيله دفعة أبدا، فمن ذلك يلزم تحقّق التجزّى ايضا.
ففى اىّ مسئلة اجتهد فى دليله و اتقن حكمه، فهو مجتهد فى ذلك المسألة، و هذا معنى تجزّى للاجتهاد و تحقّق المجتهد المتجزّى فلا ريب فيه.
الاختلاف فى امكان التجزّى:
و لكن مع ذلك اختلف القوم فى امكان تحقّق المتجزّى، فقال قوم بانّ التجزّى ممكن، و قال الآخرون باستحالة تحقّقه.
دليل القائلين على عدم امكانه:
و قد ذكروا لاستحالة التجزّى دليلين.
الدليل الأوّل الاستحالة:
انّ التجزّى فى الاجتهاد اذا كان ممكنا لزم امكان التجزّى فى الملكة الاجتهادية و هو