قلت، حيث يكون موارد قضاء الفقيه فى الموضوعات الخارجيّة، مثل الحكم بان هذا لزيد دون عمر مثلا، و لم يكن فى نفس هذه القضيّة، نصّ ورد بالخصوص عن الإمام، و مثل هذا كثير فى موارد شخصيّة، فهمنا انّ المراد هو من كان منصوبا من قبله(عليه السلام)فيكون فتواه بمنزلة حكم الإمام(عليه السلام)، فيجب نفوذه و العمل به و الإطاعة عنه.
هذا بالنسبة الى الأحكام الصادرة من المجتهد الانفتاحى.
المجتهد الانسدادي و احكامه هنا:
امّا بالنسبة الى المجتهد الانسدادي و نفوذ حكمه. فقد مرّ الإشكال من المحقّق الخراسانى، من انّه لا رجوع اليه لانّه جاهل بالحكم الواقعى من حيث مبناه، فلا ينفذ احكامه.
و جوابنا عن هذا الإشكال على ما مرّ، من انّ المجتهد الانسدادي ايضا عالم بالوظيفة مطابقا لنظره، فلا وجه للتفصيل بينه و بين الانفتاحى فى جميع الابواب، حتّى فى نفوذ حكمه فى القضاء على التفصيل الماضى. لأنّ الاختلاف بينهما فى وجه الحجيّة لا يوجب سلب الأوصاف عنه.
التّحقيق عندنا الجواز:
فالحقّ عندنا هو الجواز فى القضاء و الفتوى فى رجوع الغير اليه، و نفوذ حكمه بالنّسبة الى من يقلّده و ان كان هو انسداديا.
لانّ معرفته بالأحكام قطعى لا شبهة فيها، اذ ليس لهم(عليه السلام)، احكام غير ما هو بايدينا و الانسدادي يعرفها مثل الانفتاحى. و غايته ان ثبوت حجيّة هذه الأحكام عنده ليس على الطريق الّذى ثبتت حجيّتها عند الانفتاحي. و طريق حصول المعرفة ليس هو نفس المعرفة، و الاختلاف فى اسباب حصول العلم لا يوجب سلب صفة العلم.
المستفاد من المقبولة:
ثمّ انّ الظاهر فى مقبولة عمر بن حنظلة و امثالها، اعتبار فعليّة الاستنباط فى الأحكام للقاضى فى الحكم، بشهادة قوله(ع): و نظر فى حلالنا و حرامنا، و هو ناظر الى فعليّة الاستنباط، فلا يكفى صرف وجود القوّة و الملكة فى نفوذ حكم القضاء.
الواجد للملكة غير المستنبط الأحكام فعلا، لا يكون منصوبا من قبل الشرع لمنصب القضاوة، فانّ المناصب الالهيّة تتوقّف على اخبار من اللّه تعالى، امّا رأسا او بواسطة رسوله و اوليائه، و لم يعلم نصب من لا يستنبط الأحكام فعلا لهذا المنصب و ان كان له ملكة الاستنباط.
المتجزّى و احكامه فى القضاء:
و اختلفوا القوم فى المجتهد المتجزّى الاجتهاد لمنصب القضاوة. من حيث انّ الاجتهاد فى خصوص القضاء هل يكفى لتصدّى منصب القضاء، ام يجب الاجتهاد فى جميع الأحكام؟ فيلزم ان المجتهد المطلق يتصدّى هذا المنصب. ففيه خلاف.
و التّحقيق عندنا، الجواز بالنسبة الى تصدّى المجتهد المتجزّى هذا المنصب.
لأنّ الاجتهاد ليس الّا وجود الملكة للاستنباط، و مع تحقّق الاستنباط بمقدار يعتدّ به من الأحكام و لو فى أحكام القضاء، فيكفى فى تحقّق استنباطه و يصدّق عليه فى الجملة و ان لم يكن استنباطه بالنسبة الى الجميع لعدم تمكّنه. و سيأتى تفصيل الكلام فى بحث المجتهد المتجزّى.
و امّا المجتهد المتجزّى المنصوب من جانب المجتهد المطلق فى منصب القضاء، فلا اشكال فيه اصلا، فانّه منصوب، و القاضى المنصوب العالم باحكام القضاء لا مشكل فيه.
المتجزّى و امكان تحقّقه
التجزّى فى الاجتهاد:
البحث هنا فى التجزّى للاجتهاد و امكان تحقّق المجتهد المتجزّى.
و الحقّ عندنا امكانه، و معنى الإمكان فى هذا الباب، هو الإمكان الوقوعى بمعنى انّه لا يستلزم من وقوع الموصوف محال.
التّحقيق فى المقام امكانه:
و التّحقيق هو انّ المسائل الشرعيّة حكمها فى بعضها مبتن على مبادى دقيقة صعبة، و بعضها مبتن على مبادى سهلة، قريب الوصول اليها.
فربّما يكون الشخص مجتهدا عالما فى بعض المسائل، او فى مسئلة و يكون سندها روايات ظاهرة الدلالة، او ظاهرة الجمع على فرض التعارض، فهو مجتهد متجزّى و عالم بالنسبة الى ما يعلم دليله، و لا اشكال فيه.
و لا يكون هو مجتهدا بالنسبة الى المسائل الّتى هى مبتنية على المباحث الدقيقة العلميّة صعب الوصول الى حكمها، مثل مباحث التعبّدى و التوصّلى، او مباحث الأقل و الأكثر، او مباحث التّعيين و التّخيير، او البحث عن المتباينين او الضّدين او غير ذلك من المباحث الدقيقة علميّة صعبة جدا، فيلزم للمجتهد، التّحقيق البليغ فى اطراف الموضوع و الاطّلاع على الأدلّة العقليّة و النقليّة و الفحص فى كيفيّة الدلالة و
غير ذلك من الأمور الّتى لها دخل فى الحكم الشرعى، فيستدعى هنا خبرويّة المجتهد و قوّة الاستنباط و الاطّلاع البليغ اطراف الموضوع. فربّما لا يكون الشخص مجتهدا بهذا المقدار فى المسائل الّتى بناها تحقيق عميق و اشراف جامع على الأدلّة.
و ليس الاجتهاد الّا الفحص عن دليل الحكم تفصيلا مع خبرويّة جامع، ففى اىّ مورد حصل العلم بالدّليل الشّرعى، يكون الشخص مجتهدا فى ذلك المورد.
مضافا بانّه لو لم يكن التجزّى متحقّقا، يلزم الطفرة فى الاجتهاد المطلق، ضرورة انّ الاجتهاد المطلق تدريجىّ الحصول، فانّه يحصل بواسطة الاجتهاد فى كلّ مسئلة من المسائل الشرعيّة بنحو التجزّى فى تحصيل الحكم، فيتدرّج فى المسائل حتّى يحصل الاجتهاد المطلق للشخص فيكون هو مجتهدا فى جلّ المسائل الفقهيّة، فالاجتهاد المطلق تدريجى الحصول، و لا يمكن تحصيله دفعة أبدا، فمن ذلك يلزم تحقّق التجزّى ايضا.
ففى اىّ مسئلة اجتهد فى دليله و اتقن حكمه، فهو مجتهد فى ذلك المسألة، و هذا معنى تجزّى للاجتهاد و تحقّق المجتهد المتجزّى فلا ريب فيه.
الاختلاف فى امكان التجزّى:
و لكن مع ذلك اختلف القوم فى امكان تحقّق المتجزّى، فقال قوم بانّ التجزّى ممكن، و قال الآخرون باستحالة تحقّقه.
دليل القائلين على عدم امكانه:
و قد ذكروا لاستحالة التجزّى دليلين.
الدليل الأوّل الاستحالة:
انّ التجزّى فى الاجتهاد اذا كان ممكنا لزم امكان التجزّى فى الملكة الاجتهادية و هو
محال لأنّ الاجتهاد عبارة عن ملكة الاقتدار فى ادلّة الأحكام، و الملكة من البسائط لانّه من مقولة الكيف، و الكيف من البسائط لا يتجزّى فلا يقبل القسمة، و على هذا كيف يمكن القول بتجزّى الاجتهاد. و قد اجابوا: عن هذا الإشكال بالنقض و الحل.
امّا النقض بوجود التفاضل الواقع بين المجتهدين المطلقين، بان كان احدهما اعلم من الآخر، اذ هو على هذا الحال يعدّ تجزّيا فى الملكة، فانّ الملكة الموجودة فى المفضول شطر من الملكة الموجودة فى الأعلم، مع كونهما مجتهدين مطلقين.
و امّا الحلّ، هو نفى اللازم بين التجزّى فى الاجتهاد و التجزّى فى الملكة، فانّ التجزّى فى الاجتهاد ليس من قبيل تجزّى الملكة، بل هو من قبيل ضعف الملكة فيه، فانّ الملكة الحاصلة للمتجزّى ضعيفة، كما انّ الملكة الحاصلة للمجتهد المطلق ملكة قويّة جدّا. و وقوع الدرجات، و كذا المراتب فى الشدّة و الضعف ممّا لا ينكر.
و امّا عدم قبول مقولة الكيف، القسمة، غير مناف لحصول المراتب فى الطبيعة الكليّة، فانّ الشدّة و الضعف واقعان فى جميع اقسام الكيف. بل وقوعها فى الالوان و الاصوات من البديهيّات. و قد خلط هنا عند القائل، بين وقوع الدرجات و التشكيك فى الكلّى، و بين القول بالقسمة.
الدليل الثانى للاستحالة:
إنّ ابواب الفقه مرتبطة بعضها ببعض من حيث الدليل، فانّ الخلوة مع الأجنبية مثلا، دليل حرمتها روايتان، إحداهما فى كتاب الإجارة و الاخرى فى كتاب الطلاق، فلا يحصل للمتجزّى مع عدم الاحاطة بجميع ابواب الفقه، التفقّه بالحكم، او يمكن وجود دليل مخالف لدليله فى ساير الابواب، فيلزم الاشراف بالأدلّة من الكتب الروائيّة.
و على هذا فيكون الاجتهاد فى مسئلة متوقّف على النظر فى جميع ادلّة الأحكام، من جهة احتمال وجود دليل متعلّق بالمسألة فى ساير ابواب الفقه، و من كان قادرا بهذا المقدار من النظر، فهو مجتهد مطلق، و من لم يقدر كذلك فليس بمجتهد اصلا
حتّى فى مسألة واحدة، فلا يمكن تحقّق المجتهد المتجزّى، او التجزّى فى الاجتهاد.
و امّا الجواب عن هذا الإشكال:
اوّلا بمنع الصغرى و هو انّ الاجتهاد فى كلّ مسئلة غير متوقّف على النظر فى جميع ادلّة الفقه.
و ثانيا بمنع الكبرى، فانّ ابواب الفقه كانت منضبطة مشخّصة، خصوصا فى القرون المتأخّرة، فانّ الفقهاء و المحدّثون(رضوان اللّه تعالى عليهم)، قد جعلوا للفقه ابوابا معيّنة و مبيّنة مسائلها، كما انّ المحدّثون قد جعلوا للاخبار الواردة عنهم(عليهم السلام)ابوابا يذكر فيها جميع ما يتعلّق بالمسألة المناسبة لذلك الباب غالبا.
فاذا تفحّص المجتهد فى ذلك الباب، فقد اطّلع على كلّ دليل مرتبط بذلك المسألة، فيطمئنّ بعدم وجود دليل آخر، لانّه اذا وجد، لذكروه فى الباب، فاحتمال وجود دليل آخر يصير بعيدا بالنظر. فلو لا جهد الماضين من العلماء(رضوان اللّه تعالى عليهم)بالمبلغ الّذى كان بأيدينا، لكان للاشكال وجه.
و لكن هم البالغون فى الجهد و الجدّ فى جمع الأدلّة، فقد كان طريق الاستنباط واضحا منضبطا، (فشكر اللّه تعالى مساعيهم الجميلة).
التّحقيق امكان التجزّى:
اذا تقرّر ذلك، فالتّحقيق يقتضى امكان التجزّى، و المكابرة، منازعة لا اقتضاء لها عقل سليم.
و المقصود من التجزّى فى الاجتهاد هو وجود ملكات متعدّدة مختلفة فى الشدّة و الضعف، فالملكة الضعيفة من المراتب الأدنى، للكيفيّات الراسخة فى النّفس، كما انّ الملكة القويّة فى غاية القوّة من المراتب العليا فى النفس، و ما بين المرتبتين متوسّطات فى حدّها.
و البرهان على وقوع هذه المراتب فى الملكات، هو وقوع التفاضل العلمى بين الفقهاء و المجتهدين و المجتهد المفضول مع كونه صاحب ملكة الاجتهاد، فى بعض
المسائل، و لكن غير قادر على مثل اجتهاد الأفضل فى الأحكام.
الإشكال و جوابه:
و على هذا فان قيل انّ المبادى الّتى هى دخيلة فى حصول قوّة الاستنباط، كثيرا ما لا تكون بيد المجتهد المتجزّى، فكيف يمكنه الاستنباط فى الحكم بدون الاحاطة الكاملة؟
قلنا بانّ المبادى الّذى يصعب الاجتهاد فيه مثل انّ الأمر بالشىء هل يقتضى النهى عن ضدّه ام لا؟ او انّ اطلاق الأمر هل يقتضى التعبّدية او التوصّلية، او غير ذلك، ربّما لا تحتاج فى بعض المسائل السهلة، فالمجتهد المتجزّى لا يحتاج الى الوصول اليها فى اجتهاده. فاذا كان المسألة سهلة التأول فى الدليل، فلا اشكال فى تحصيل العلم بالحكم للمتجزى.
و من البيّن انّ اختلاف المسائل الفقهيّة بحسب المدارك غموضا و وضوحا، دليل واضح على تحقّق التجزّى فى الاجتهاد، و انّ الاجتهاد فى الأوّل يحتاج الى ملكة قويّة، بخلاف الثانى، فيكفى مجرّد ملكة ضعيفة على الاجتهاد فيه.
و مضافا انّ اختلاف المجتهدين بحسب الفهم و الذكاء و كذا اختلافهم من حيث الإتقان فى بعض المقدّمات الاجتهادية، مثل سرعة الوثوق بالدليل و بطئه، يوجب حصول الملكة شدّتا و ضعفا و هذا مقصودنا فى تحقّق التجزّى و امكانه.
نتيجة البحث هنا:
فتحصّل ممّا ذكرنا انّه لا اشكال فى امكان تحقّق التجزّى فى الاجتهاد و تحقّق المجتهد المتجزّى كما بيّناه فى المقام.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة