الفصل الثالث: في دواء الصبر وعلاجه
إعلم أن «الذي أنزل الداء أنزل الدواء»[1021]ووعد الشفاء، فالصبر وإن كان شاقاً ولكن يمكن تحصيله بمعجون العلم والعمل، بتقوية باعث الدين، وتضعيف باعث الهوى بالمجاهدة والرياضة وذكر قلة قدر الشدة ودقتها، وإضرار الجزع وقبحه، وأن يكثر فكره في ما ورد في فضل الصبر وحسن عواقبه في الدنيا والآخرة[1022]وأن يعلم أن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات[1023]، وأنه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة، إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة الدنيا وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر.
ومن أسلم خسيساً[1024]في نفيس[1025]فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخيس[1026]في
[1021]الدعوات، الراوندي: 180 ــ 181، فصل في التداوي بتربة مولانا وسيدنا أبي عبد الله الحسينعليه السلام/ ح1.
[1022]نذكر ههنا بعض المصادر التي وضعت للصبر أبوابا، منها:
الكافي، الكليني: 2/ 87، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر. وسائل الشيعة، الحر العاملي: 3/ 255، باب 76 استحباب الصبر. ارشاد القلوب، الديلمي: 1/ 126، الباب الثامن والثلاثون في الصبر.
[1023]أنظر: غرر الحكم ودرر الكلم، الآمدي: 282، الباب الثاني النفس وما حولها، الفصل السابع في الصبر والحلم والاستقامة، الصبر على البلية.
[1024]الخسيس: الدنيء. وخس الشيء يخس ويخس خسة و خساسة، فهو خسيس: رذل.
لسان العرب، ابن منظور: 6/ 64، مادة "خسس".
[1025]النفيس والمنفس المال له قدر وخطر، ثم عم فقال: كل شيء له خطر وقدر فهو نفيس ومنفس.
لسان العرب، ابن منظور: 6/ 238، مادة "نفس".
[1026]الإنسان يخيس في المخيس حتى يبلغ منه شدة الغم والأذى ويذل ويهان.
كتاب العين، الفراهيدي: 4/288، مادة "خيس".
الحال، وأن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجاً حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجرئ عليها ويقوي منته في مصارعتها، فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال، ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد.
ثم إن كان ذلك بتعب قوي فتصبّر وإن كان بيسير فصبر، وإن كان بجهد ففرض وإن كان بتلذذ فشكر، وهو بالغيبة عن حظوظ النفس والشهود مع الله تعالى وعدم التميز بين الألم واللذة[1027].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الثالث
الرضا بالقضاء
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الرضا بالقضاء
وهو ترك الاعتراض والسخط، قال الله تعالى: ((رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ))[1028].
وقال الصادق عليه السلام: رأس طاعة الله الصبر، والرضا في ما أحب العبد أو كره، ولا يرضى عبد عن الله في ما أحب أو كره إلاّ كان خيراً له في ما أحب أو كره[1029].
وقال عليه السلام[1030]: إن أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله[1031].
وقال الكاظم عليه السلام: ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتهمه في قضائه[1032].
[1028]سورة المائدة/ 119.
[1029]أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 60، كتاب الإيمان والكفر، باب الرضا بالقضاء/ ح1.
[1030]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1031]مشكاة الأنوار، الطبرسي: 33، الباب الأول في الإيمان والإسلام وما يتعلق به، الفصل السابع في الرضا.
[1032]تحف العقول، الحراني: 408، وروي عن الإمام الكاظم الأمين أبي إبراهيم ويكنى أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام في طوال هذه المعاني، وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني.
وقال الصادق عليه السلام: قال الله عزّوجل: عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلا جعلت له خيراً[1033]، فليرض بقضائي وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي أكتبه يا محمد من الصديقين عندي[1034].
وقال عليه السلام[1035]: إن في ما أوحى الله عزّوجل إلى موسى بن عمران: ما خلقت خلقاً أحب إلي من عبدي المؤمن، وإني إنما أبتليه لما هو خير له، وأزوى عنه لما هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضاي وأطاع أمري[1036].
وقال عليه السلام[1037]: عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عزّوجل له قضاء إلا كان خيراً له، وإن قرض[1038]بالمقاريض[1039]كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له[1040].
[1033]في الكافي: "جعلته خيرا له".
[1034]الكافي، الكليني: 2/ 61، كتاب الإيمان والكفر، باب الرضا والقضاء/ ح6.
[1035]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1036]أنظر: مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 88، الباب الثالث في الرضا.
[1037]الإمام الصادق عليه السلام.
[1038]القرض: القطع. قرضه يقرضه، بالكسر، قرضا وقرضه: قطعه.
لسان العرب، ابن منظور: 7 / 216، مادة "قرض".
[1039]المقراض واحد المقاريض التي يقرض بها.
مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 488، مادة "قرض".
المقراض: هو ما قصصت به.
تاج العروس، الزبيدي: 4/ 422.
[1040]الكافي، الكليني: 2/ 62، كتاب الإيمان والكفر، باب الرضا بالقضاء/ ح8.
وقال الباقر عليه السلام: أحق خلق الله أن يسلم لما قضى الله عزّوجل، من عرف الله عزّوجل ومن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظم الله أجره، ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء فأحبط[1041]الله أجره[1042].
وقال السجاد عليه السلام: الزهد عشرة أجزاء، أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا.[1043]
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل طائفة من أصحابه فقال: ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون. فقال: ما علامة إيمانكم؟ فقالوا: نصبر عند البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مؤمنون ورب الكعبة[1044]. وفي رواية: حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء[1045].
وههنا كلام، وهو أنه كيف يتصور الرضا بأنواع البلاء والابتلاء وما يخالف الهوى والطبع، وإنما يتصور الصبر في هذه الأمور دون الرضا؟
فاعلم أن الرضا فرح الحب، فإذا حصلت المحبة حصل الرضا، ولذلك مرتبتان عليا وسفلى:
أما العليا:فهو أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس وتصيبه الجراحة ولا يدرك ألمها، وشاهده في عالم الأجسام الرجل المحارب، فإنه في حال غضبه أو خوفه قد تصيبه جراحات عظيمة ولا يحس بها ولا بألمها، فإذا
[1041]في مجموعة ورام: "وأحبط".
[1042]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 185.
[1043]مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 86، الباب الثالث في الرضا.
[1044]أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 229 ــ 230، بيان الحب لله ولرسوله.
[1045]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 230، بيان الحب لله ولرسوله. السيرة النبوية، ابن كثير: 4/ 181، وفد كندة.