بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 322

و من الطّبيعي فإنّ إتّباع الإمام علي عليه السلام و أوصياءه، جاريةٌ و مستمرةٌ إلى يومِ القيامة، للإهتداء بِهَديِهِم، و الإقتداء بفعالهم و أخلاقهم في حركة الحياة.

النّتيجة:

يُستفاد ممّا ذكر آنفاً، من الآيات التي إستعرضت مسألة«التّولّي و التّبرّي»،أنّ مسألة الوُصول إلى مرتبة القُرب من الذّات المقدّسة، و تولّي أولياءه من عباده الصّالحين، و التّبرّي من الظّالمين و الغاوين، و في كلمةٍ واحدةٍ:«الحُبُّ في اللَّهِ وَالبُغْضُ في اللَّهِ»، تعدّ من أهمِّ المسائل و المفاهيم، في دائرة التّعليمات القُرآنية، ولها دورها الكبير و أثرها العميق، في مُجمل المسائل الأخلاقيّة، في حركة الإنسان المعنويّة.

و هذا الأساس القرآني و المفهوم الإسلامي، له دورُه المُباشر في جميع المَسائل الحياتيّة، إن على المستوى الفَردي أو الاجتماعي، الدنيوي أو الاخروي، لا سِيّما في المسائل الأخلاقيّة و السّلوك الأخلاقي لِلأفراد، في تعاملهم و تَفاعلهم مع الآخرين، في حركة الحَياة و الُمجتمع.

فهذه المفردة العقائديّة، في دائرة المفاهيم الإسلاميّة، بإمكانها أن تبني نفوس المؤمنين على إتّباع الصّالحين و الطّاهرين، و إتخاذهم اسوة حسنة، خُصوصاً الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام، في كلّ خطوةٍ يخطوها الإنسان المُؤمن في خطّ الإيمان، و بذلك تكون من العوامل المهمّة، للوصول إلى الهدف الحقيقي من وراء خلقة الإنسان، ألا وَ هِيَ تهذيب النّفوس و تربية الفَضائل الأخلاقية في واقع النّفس البشريّة.

التولّي و التبرّي في الرّوايات الإسلاميّة:

وَردت أحاديثٌ مستفيضةٌ في هذا الصّدد، سواء عن طريق أهلِ السُّنة أو الشّيعة، و طَرحت موضوع التبرّي والتولّي بقوّةٍ، و أكّدت عليه بصورةٍ شديدةٍ، قلّما نَجِدُ لها نظيراً، بالنّسبة إلى المواضيع الاخرى‌.


صفحه 323

ولا شَكَّ أنّ هذه الأهميّة، نابعةٌ من المعطيات الإيجابيّة الكِثيرة، لِمسألة التّولي لأِولياء اللَّه، والبراءة من أَعداءِه تعالى، حيث توثّق عُرى‌ الإيمان و أواصِر المحبّة و الصّداقة، مع أولياء اللَّه تعالى، و تُعمّق حالةَ الإبتعاد و النّفور من الظّالمين الفاسقين، و تنعكس هذه النّتائج على إيمان الشّخص و أَخلاقه و تَقواه، من موقع القوّة و الصّفاء و الإمتداد في واقع الإنسان و محتواه الداخلي، و تحثّ هذه الأحاديث النّاس، على إختيار القُدوة الصّالحة في عمليّة السّير و السّلوك، في طريق اللَّه سبحانه وتعالى.

و نُشير هنا إلى مجموعةٍ من الأحاديث الشّريفة، في هذا المجال، جمعت من كُتبٍ مُختلفةٍ:

1-قال عليٌّ عليه السلام في خطبته القاصعة، و في وصفه للرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ أَنْ كانَ فَطِيماً أَعَظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طِرِيقَ الَمكارِمِ وَمَحاسِنَ أَخلاقِ العالَمِ، لَيلَهُ وَ نَهارَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ إِتِّباعَ الفَصِيلِ أَثَرَ امِّهِ يَرْفَعُ لي في كُلِّ يِومٍ مِنْ أَخلاقِهِ عَلَماً وَ يَأَمُرُني بِالإِقتِداءِ بِهِ»[1].

و يبيّن هذا الحديث، أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله نفسهُ كان له من يرشده و يهديه، ولديه القدوة الحسنة على شكل ملكٍ من ملائكة اللَّه العِظام.

و كذلك الإمام علي عليه السلام، جعل من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله قدوةً له، فكان يتبعه في كلّ اموره وحركاته وسكناته، فيتعلم منه كلّ يوم أمراً جديداً، عِلماً مفيداً، و أخلاقاً نبيلةً.

فلّما كان كُلٌّ من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و علي عليه السلام، يحتاجان إلى القُدوة الحسنة، في بداية المسير إلى اللَّه، فكيف بحال الباقين؟

2-الحديث المعروف: «بْنِيَ الإسلام ...»، الذي وَرد من طُرق متعدّدةٍ عن المَعصومين، و منها ما ورد عن زُرارة عن الباقر عليه السلام، أنّه قال:

«بُني الإِسلامُ عِلى‌ خَمْسَةِ: عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ والحَجِّ وَالصِّومِ وَالولايَةِ»، قَالَ زُرارَةُ، فَقُلتُ: وَأَيُّ شَي‌ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟، فَقالَ: الوَلايَةُ أَفْضَلُ لَانّها مِفتاحُهُنَّ وَالوالي هُوَ الدَّلِيلُ عَليهِنَّ»[2].

[1]. نهج البلاغة، الخطبة 192.

[2]. أصول الكافي، ج 2، ص 18.


صفحه 324

و من هذا الحديث يُستفاد، أنّ الإقتِداء بالقُدوة الصّالحة، يعين الإنسان على إحياء سائر البرامج، الدينية و المسائل العباديّة الفردية و الإجتماعيّة، و هي إشادةٌ واضحةٌ بدور الولاية، في مسألة تهذيب النّفوس و تحصيل مكارم الأخلاق.

3-عن الإمام الصّادق عليه السلام: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لأصحابه:

«أيُّ عُرَى‌ الإِيمانِ أَوثَقُ؟، فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَ قَالَ بَعْضُهُم الصَّلاةِ، وَ قَالَ بَعْضُهُم الزَّكاةُ، وَقَالَ بَعْضُهُم الصِّيامُ، وَقَالَ بَعْضُهُم الحجُّ والعُمْرَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُم الجِهادُ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله: لَكُلِّ ما قُلْتُم فَضْلٌ وَلَيسَ بِهِ، وَلَكِنْ أَوثَقُ عُرَى‌ الإِيمانِ الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ وَتَوَلِّي أَولِياءِ اللَّهِ وَالتَّبَرِّي مِنْ أَعداءِ اللَّهِ»[1].

و قد حرّك الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أذهان أصحابه بهذا السّؤال. و هكذا كانت سيرة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، عندما كان يريد أن يطرح موضوعاً مهمّاً، فبعض منهم أبدى جهله، وبعض منهم قال الصّيام و ... ولكن في نفس الوقت، الذي أكّد رسول اللَّه على أهميّة تلك الامور في الإسلام، قال:«الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ».

و التّعبير بكلمة: «عُرى‌» جَمع «عُروة»، هي بمثابة حلقة الوصل لِلقرب من اللَّه تعالى، و إشارةٌ إلى أنّ السّلوك إلى اللَّه، لا يتمّ إلّامن خلال التمسّك بهذه العروة، و الصّعود بواسطتها إلى مراتب سامية من الكمال المعنوي، وليس ذلك إلّالأنّ الحبّ في اللَّه و الإقتداء بأولياء اللَّه، عاملٌ مهمٌّ في تسهيل الحركة في جميع إتّجاهات الخير و الصّلاح.

و بإحياء هذا الأصل، سوف تنتعش بقيّة الاصول الدّينيّة، ولكن مع إهماله وترك العمل به، فإنّ سائر الاصول ستَضعف و تَموت.

4-و في حديثٍ آخر عن الإمام الصّادق عليه السلام، أنّه قال لجابر الجُعفي رحمه الله:

«إِذا أَرَدتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ فِيكَ خَيراً فَانظُرْ إِلى‌ قَلْبِكَ فَإنْ كانَ يُحِبُّ أَهْلَ طاعَةِ اللَّهِ وَ يُبْغِضُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، فَفِيكَ خَيرٌ وَاللَّهُ يُحِبُّكَ، وَإِنْ كانَ يُبْغِضُ أَهْلَ طاعَةِ اللَّهِ وَ يُحِبُّ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ،

[1]. أصول الكافي، ج 2، ص 125، ح 6.


صفحه 325

فَليسَ فَيكَ خَيرٌ، وَاللَّهُ يُبْغِضُكَ وَالمَرءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[1].

وَ جُملة:«والمَرء معَ من أحبّ»، هي إشارةٌ جميلةً و لطيفةً إلى هذه الحقيقة، و هي أنّ هذه العِلاقة ستمتد وتستمر إلى يوم القيامة، وهي دليلٌ واضحٌ على أهميّة مسألة «الوِلاية»، في المباحث الأخلاقيّة.

5-في حديثٍ آخر عن الإمام الباقر عليه السلام، قال: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:

«وُدُّ المُؤمِنِ لِلمُومِنِ فِي اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الإِيمانِ، أَلا وَمَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَأَعطى‌ فِي اللَّهِ وَمنَعَ فِي اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَصفِياءِ اللَّهِ»[2].

6-في حديثٍ آخر عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام، أنّه قال:

«إِذا جَمَعَ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ الأَوَّلِينَ وَ الآخَرِينَ، قامَ مُنادٍ فَنادى‌ يُسْمِعُ النّاسَ، فَيَقُولُ: أَينَ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ، قالَ: فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنْ النّاسِ، فَيُقالُ لَهُم إِذْهَبُوا إِلَى الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسابٍ، قَالَ: فَتَلَقَّاهُم المَلائِكَةُ فَيَقُولُونَ إِلى‌ أَينَ؟ فَيَقُولُونَ إِلى‌ الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسابٍ!، قَالَ: فَيَقُولُونَ فَأَيُّ ضَرْبٍ أَنْتُم مِنْ النّاسِ؟، فَيَقُولُونَ نَحْنُ المُتَحابُونَ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَيَقُولُونَ وَ أَيُّ شَي‌ء كانَتْ أَعمالُكُم؟، قَالُوا كُنّا نُحِبُّ في اللَّهِ وَ نُبْغِضُ فِي اللَّهِ، قَالَ فَيَقُولُونَ، نِعْمَ أَجرُ العامِلِينَ»[3].

و تعبير«نِعْمَ أَجرُ العامِلِينَ»يبيّن أنّ المحبّة لأولياء اللَّه والبغض لأعداء اللَّه هو أكبر مصدر للخير في واقع الإنسان والحياة والمانع عن الشر والانحراف في مسيرة التكامل الأخلاقي.

7-وَرد في حديثٍ عن الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله:

«إنَّ حَولَ العَرشِ مَنابِرٌ مِنْ نُورٍ، عَلَيها قَومٌ لِباسُهُم وَ وُجُوهُهُم نُورٌ، ليسُوا بِأَنْبِياءٍ يَغْبِطَهُمُ الأَنْبِياءُ وَ الشُّهَداءُ، قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ حَلِّ لَنا، قَالَ: هُم المُتَحابُّونَ في اللَّهِ وَالمُتَجالِسُونَ فِي‌

[1]. اصول الكافى، ج 2، ص 126.

[2]. بحار الأنوار، ج 66، ص 240، ح 14.

[3]. بحارالأنوار، ج 66، ص 245، ح 19، اصول الكافي، ج 2، ص 126.


صفحه 326

اللَّهِ وَالمُتَزاوِرُونَ في اللَّهِ»[1].

8-و إكمالًا للحديث أعلاه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:

«لَو أَنَّ عَبدَينِ تَحابا فِي اللَّهِ أَحَدُهُما بِالمِشْرِقِ وَالآخرُ بِالمَغْرِبِ لَجَمَعَ اللَّهُ بَينَهُما يَومَ القِيامَةِ وَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله: أَفْضَلُ الأَعْمالِ الحِبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ»[2].

و يبيّن هذا الحديث، أنّ أوثق العُرى والأواصر في دائرة العلاقات الإجتماعيّة، هي آصرة الدّين التي تُحقّق التّوافق و الوئام بين الأفراد، وتدفعهم لِلمحبّة للَّه‌وفي اللَّه، وهذه الحالة تؤثّر في النّفوس، من موقع التّزكية و التّهذيب.

9-نقرأ في الحديث القُدسي، قال اللَّه تعالى لموسى عليه السلام:

«هَلْ عَمِلْتَ لي عَمَالًا؟!، قالَ صَلَّيتُ لَكَ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ لَكَ، قَالَ اللَّهُ تَبارَكَ وَ تَعالى‌، وَ أَمّا الصّلاةَ فَلَكَ بُرهانٌ، والصَّومَ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ ظِلُّ، والذِّكْرُ نُورٌ، فَأَيُّ عَمَلٍ عَمِلْتَ لِي؟!، قَالَ مُوسى‌: دُلَّني عَلى‌ العَمَلِ الِّذى‌ هُوَ لَكَ، قَالَ يا مُوسى‌ هَلْ وَالَيتَ لي وَلِيّاً وَ هَلْ عادَيتَ لِي عَدُوّاً قطُّ، فَعَلِمَ مُوسى‌ إِنَّ أَفْضَلَ الأَعمالِ، الحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ»[3].

10-ونختم هذا البحث، بحديثٍ آخر عن الإمام الصّادق عليه السلام، (رغم وجود الكثير من الأحاديث الشّريفة في هذا الموضوع، أنّه قال:

«مَنْ أَحَبَّ للَّهِ وَأَبْغَضَ للَّهِ وَأَعْطىْ للَّهِ وَمَنَعَ للَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ كَمُلَ إِيمانُهُ»[4].

و نَستوحي من الأحاديث العشرة الآنفة الذّكر، أنّ الإسلام قد أعطى الأهميّة القُصوى، لمسألة الحُبّ في اللَّه والبغض في اللَّه، و إعتبرها أفضل الأعمال، وعلامة كمال الدّين، و أسمى من:

الصّلاة و الزّكاة و الصّيام والحج والإنفاق في سبيل اللَّه تعالى، ومن يَتَحلّى بهذه الصّفة، يكون مع الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله في الجنّة، بحيث يغبطه فيها الأنبياء و الشّهداء و الصّديقين.

[1]. بحار الأنوار، ج 66، ص 352، ح 32.

[2]. بحارالأنوار، ج 66، ص 352، ح 32.

[3]. بحارالأنوار، ج 66، ص 352، ح 32.

[4]. المصدر السّابق، ص 8، ح 10. 23


صفحه 327

فهذه التّعبيرات و غيرها، تبيّن لنا دور و فعّاليّة مسألة التبرّي و التّولّي، في جميع البرامج الدّينية و الإلهيّة، ودليل هذا الأمر واضحٌ جدّاً، لأنّ الإنسان المؤمن، عندما يُحِبّ القُدوة الإلهيّةُ و الإنسان الكامل، لتقواه وإيمانه وفضائله الأخلاقية، فإنّ ذلك من شأنه، أن ينعكس على روحه و سُلوكه صفاتِ و سلوك هذه القدوة، و يدفعه لِلتأسّي بها في أعماله و حركاته و سَكناته!

و هذا هو بالفعل، ما يَصبو وَيدعو إليه علماء الأخلاق، بإعتباره أصلًا أساسياً في تهذيب و تربية النّفوس، و أنّ الإقتداء بالقُدوة الصّالحة، من شأنه أن يكون شرطاً أساسياً، لأن يسلك بالإنسان طريق الهداية و الصّلاح، في خطّ الإيمان و الإنفتاح على اللَّه تعالى.

و من الأدلّة المهمّة، التي أوردها القرآن الكريم، و أكّد عليها رسوله الكريم صلى الله عليه و آله، هو التّذكير بأَنبياء اللَّه تعالى و أفعالهم و تأريخهم و حياتهم، و الغَرض من ذلك كُلّه، الإقتداء بهم و إتّباع سيرتهم.

جديرٌ بالذّكر، أنّ كلّ إنسانٍ يحبُّ البطولات و الأبطال، و يحبُّ أن يَقتدي بأحد الأبطال، ليجعله اسوةً و قدوةً في حياته في جميع أبعاده المختلفة.

عمليّة إنتخاب مثل هؤلاء الأبطال، يؤثر على حياة الإنسان، من موقع صياغة الشّخصية و كيفيّة السّلوك، و على فرض حدوثِ تغيّرٍ في نظرة الإنسان نحو القُدوة، فَستتغير حياتُه بالكامل، تَبعاً لها.

و الكثير من الأفراد أو الشعوب، لمّا لم يُسعفهم الحظّ في إتخاذ القُدوة الصّالحة، تَوسّلوا بأبطالٍ مزيّفين، كَي يُعوّضوا النّقص الحاصل لديهم في هذا المجال، و أدخلوهم في ثقافتهم و تأريخهم، وألّفوا في سيرتهم الأساطير و الحكايات، و البطولات الخياليّة.

و البيئة و الدّعاية السّليمة أو المغرضة، لَها دورها في إختيار اولئك الأبطال، فيُمكن أن يكونوا من رجال الدّين، و السّياسة، أو وجوهٌ رياضيّةٌ أو تمثيليّةٌ.

و هذا الميل البَشري لِلأبطال، و القُدوات الإنسانية، يمكن أن يوجّه بالصّورة الصّحيحة، و يفعّل دوره في تربية الفضائل الأخلاقيّة و السّلوكيات الحسنة، في الحياة الفرديّة و الإجتماعيّة.


صفحه 328

و بناءً على ذلك، فإنّ الآيات و الرّوايات أكّدت على هذه الضّرورة، و هي مسألة التولّي و التّبرّي، و إتّخاذ أولياء اللَّه قدوةً و اسوةً حسنةً، و بدونها ستبقى برامج التّربية و التّهذيب، ناقصةُ الُمحتوى و المُضمون.

قصّة موسى‌ و الخَضر عليهما السلام:

إتّخاذُ المعلّم و الدّليل، في طريق السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، من الأهميّة بمكانٍ، بحيث أُمِرَ بَعض الأنبياء، في بُرهةٍ من الزّمن، للحُضورَ عند الاستاذ أو المُرشد.

و من ذلك قصّة موسى عليهما السلام و الخضر، المليئة بالمفاهيم والمضامين العميقة، و التي وَردت في سَورة الكهف، من القرآن المجيد.

فقد امِرَ موسى‌ عليه السلام، لأجل إسترفاد بعض العلوم، التي تحمل الجانب العملي و الأخلاقي أكثر من الجانب النّظري، أُمِرَ بالذّهاب إلى عالم زمانه، لِيَستقي منه العِلم، و قد عرّفه القرآن الكريم، بأنّه: «عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً».

فشدّ موسى عليه السلام، الرّحال فعلًا مع أحد أصحابه، متّجهاً نحو المكان الذي يتواجد فيه الخِضر عليه السلام، و مع غَضّ النّظر عَمّا صادفاه في الطّريق إليه، وَصل مُوسى عليه السلام إلى المكان الموعود، فقال له الخِضر عليه السلام،: «إِنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعي صَبراً»، ولكنّ موسى عليه السلام وعده بالصّبر.

توالت الأحداث الثّلاثة، واحدة بعد الاخرى، المعروفة و الواردة في القرآن الكريم: أولها خَرق السّفينة الّتي كانوا عليها، فإعترض موسى عليه السلام، و ذكّره بخَطر الغَرق لِلسفينة بِمن فيها، فقال له الخِضر: «ألم أَقُل لَكَ إِنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعي صَبراً» فندم و إختار عليه السلام السّكوت، حتى يوضّح له ملابسات الأمر.

ولَم يَمض قليلًا، حتى صادفوا صَبيّاً فقتله، الخِضر عليه السلام مباشرةً من دونِ توضيحٍ و دليلٍ، فهذا الأمرُ المُريع أثارَ موسى عليه السلام مرّةً اخرى، و نسِيَ ما تَعهّد به، و إعترض على استاذه بأشدّ من الّتي قَبلها، فقال: «أَقَتَلْتَ نَفساً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَد جِئتَ شَيئاً إمراً».

و لِلمرّة الثّانية، ذكّر الخِضر موسى عليه السلام بالعهد الذي قطعه على نفسه، و قال له: إذا تكرّر


صفحه 329

منك هذا العمل لِلمرّة الثّالثة، فسوف تَنقطع العلاقة بيني و بينك، و ننفصل في هذا السّفر، فعلم موسى عليه السلام، أنّ في قَتل الغلام سِرّاً مُهمّاً، فآثر السّكوت، ليتّضح له السرّ فيما بعد.

و تَلَتها الحادثة الثّالثة، و قد وردوا في قَريةٍ، فلم يُضيفوهما ولم يعبؤوا بِهما، فَوجد الخِضر عليه السلام جداراً يُريد أن يَنقضّ، فَأقامَه عليه السلام، و طلب العَون من موسى‌ عليه السلام في هذا الأمر، فَرمَّم الجِدار، فضاق موسى ذَرعاً بالأمر، فَصاح: «لَو شِئتَ لَتَّخَذْتَ عَلِيهِ أَجراً».

فأين يكون موضع التّعامل مع هؤلاء من موقع الرّحمة، مع كلّ تلك القساوة التي واجهوها من أهل تلك القرية؟.

و هنا أعلن الخِضر عليه السلام إنفصاله عن موسى‌ عليه السلام، لأنّه نقض العَهد ثلاثَ مرّاتٍ، ولكنّه و قبل الفِراق، أعلمه بالأسرار لتلك الحوادث الثّلاثة، فقال له: إنّ السّفينة كانت لِمساكين، و كان عندهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ سَليمةٍ غَصباً، فَأعَبْتُها كَيْ لا يأخذها منهم، و الشّاب المقتول، كان يستحق الإعدام، لأنّه كافرٌ و مرّتدٌ، و كان الخوف على أبويه من موقع التّأثير عليهما، ولئّلا يحملهما على الكفر.

و الجِدار كان ليتيمين في المدينة، و كان تَحته كنزٌ لَهُما، وكان أبوهما صالحاً، فأراد ربّك أن يستخرجا كنزهما فيما بَعد، ليعيشا بذلك المال، ثم أكدّ عليه أن كلّ ذلك كان بأمر اللَّه تعالى، وليس تصرّفاً من وَحي أفكاري‌[1].

رجع بعدها موسى عليه السلام، محّملًا بمعارفٍ و علومٍ في غاية الأهميّة.

و نحن بدورنا نستلهم من تلك القصّة، عدّة دروسٍ، منها:

1-العثور على معلّمٍ مطّلع حكيمٍ للتعلّم عنده، و الإستنارة من نور علمه، أمرٌ من الأهميّة بمكان، بحيث امِرَ رسول من رُسل اولى العزم بذلك، وقد قطع المسافات الطويلة كي يَدرس عنده، و يقتبس من فَيض علمه.

2-عَدم تعجّل الامور، و إنتظار الفرصة المُناسبة، أو كما يُقال: «إنّ الامور مرَهونةٌ بِأَوقاتها».

[1]. مضمون الآيات: (6- 80)، من سورة الكهف، (مع التلخيص).