3-الحوادث الجارية حولنا، ربّما تحمل ظاهِراً و باطناً، وعلينا عدم النّظر إلى الظّاهر فقط، لِئلّا نخطأ في الحكم على الامور، من موقع العجلة و عدم التّأنّي، و علينا الأخذ بنظر الإعتبار بَواطِنها.
4-عدم الإنضباط و الإلتزام بالعهود، ربّما يَحرم الإنسان من بعض البركات المَعنويّة إلى الأبد.
5-الدّفاع عن الأيتام و المستضعفين، و الوقوف في وجه الظّالمين و الكفار، يُعتبر واجباً على المؤمنين، الذين يتحرّكون في خطّ الرّسالة و المسؤوليّة، و قد تُدفع في سبيل ذلك الأثمان الباهظة.
6-أينما وصل الإنسان في مراحل العِلم و الرّقي، عليه أن لا يتغترّ بعلمه، و لا يتصور أنّه وصل إلى حدّ الكمال، لأنّه قد يتسبب هذا التّصور، في تجميد حركة الإنسان الصّاعدة، و القناعة بما عِنده من العلم.
7-إنّ للَّهِ تعالى جُنوداً و ألطافاً خفيّةً تنصرُ المظلوم، بِطرقه المختلفة، وكلّ إنسانٍ مؤمنٍ، عليه أن يتوقّعها في كلّ لحظةٍ.
و هناك نقاطٌ مفيدةٌ اخرى أيضاً.
و هذه القصّة سواء كانت تحمل أهدافاً حقيقةً لتعليم موسى عليه السلام، أم أنّها تحمل نِداءاتٍ للناس؛ لكي يتعلموا ويقتدوا بالأعاظم من البشر، لا تختلف عما نحن بصدده.
والخُلاصة:أنّ القدوة و الدّليل و الاسوة، هو أمرٌ لابدّ منه للاستزادة من العلوم، و تهذيب النّفوس في خطّ التّكامل المعنوي و بناء الذّات.
14- الوجه الآخر للولاية، و دوره في تهذيب النّفوس
لا ينحصر دور الإعتقاد بالولاية، في المسائل الأخلاقية و تهذيب النّفوس و السّير إلى اللَّه تعالى، على إتّخاذ القُدوات الصّالحة و الإقتداء بكلامهم و فِعالهم، بل و بحسب إعتقاد بعض الأعاظِم و العُلماء، يوجد هناك نوعٌ آخر من الولاية، هو فرعٌ من الولاية التّكوينية، يستطيع معها القادُة الإلهِيّيون، و بواسطة نفوذهم الرّوحي المباشر، في عالم الوجود و التّكوين، من معرفة النّفوس المستعدّة للتربية و الإصلاح، و التّصرف المعنوي المَباشر، في المستوى الرّوحي لِلإنسان في خطّ التّربية.
و توضيح ذلك:إنّ الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله و الأئمّة المعصومين عليهم السلام، هَمْ القلب النّابض للُامّة الإسلاميّة، و كلّ عضوٍ من الأعضاء، يكون له إرتباطٌ وثيقٌ بالقلب، سيتسنى لذلك العَضو أن يسترفِد من المنبع مَنافع أكثر، أو أنّهم بمنزلة الشّمس المشرقةِ، فكُلّما إنقشعت سُحب الأنانية عن القلب، فإنّ تلك الأشعّة ستتولى تربية عناصر الخير في النّفس، فَتورقُ و تثمرُ، و تنعكس آثارها على شخصيّة الإنسان، في إطار السّلوك و الفِكر.
و هنا تأخذ الولاية شَكلًا آخر، و تنحى مَنْحاً يختلف عن السّابق، و سيكون الكلام فيها عن المَعطيات الخفيّة الغامضة، في دائرة التّأثير التّربوي، غير التي نعرفها سابقاً، في دائرة التّصرفات الظّاهريّة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
يقول القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً».
فهذه الشّمس المنيرة، و هذا السّراجُ المنير، يتولّى وظيفتين، فمن جِهة أنّه يُضيء لِلإنسان الطريق إلى اللَّه تعالى، ليعرف الطّريق الصّحيح و الجادة المؤدّية إلى الحقّ و الصّلاح، و يبتعد عن حافّة الهاوية.
و من جهةٍ اخرى، فإنّ هذا النّور الإلهي، يؤثّر لا شعوريّاً في واقع الإنسان، و يتولى إصلاح النّفس في خطّ التّربية الأخلاقيّة، و يساعدها في عمليّة التّكامل و الرّقي.
و كَنموذجٍ على ذلك، ما نقرأه في الحديث المرفوع عن «هِشام بن الحَكم»، و مناظرته مع «عَمرو بن عُبيد»، العالم بِعلم الكلام السّني، عندما ذَهب هشام إلى البصرة، و أجبره ببيانٍ لطيفٍ و منطقي، على الإعتراف بِلزوم وجود الإمام في كلّ عصرٍ و زمانٍ.
قال هشام: بلغني ما فيه عَمرو بن عبيد، و جلوسه في مسجد البصرة، فعظُم ذلك عليّ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتَيت مَسجد البَصرة، فإذا أنا بحلقةٍ كبيرةٍ فيها عَمرو بن عبيد، و عليه شَملةٌ سوداءٌ، متّزراً بها، من صوفٍ و شملةٌ مرتدياً بها، و النّاس يسألونه، فإستفْرَجت النّاس فأَفرَجوا لي، ثمّ قَعدت في آخر القَوم، على رَكبتي، ثم قلت: أيّها العالم، إِنّي رجلٌ غريبٌ تأذن، لي في مسألةٍ!.
فقال لي: نَعم.
فقلت له: أَلك عَينٌ؟
فقال: يا بُنيّ أيّ شيءٍ هذا السّؤال، و شيء تراه كيف تَسأل عنه.
فقلت: هكذا مَسألتي.
فقال: يا بُنيّ سَلُ وإن كانت مَسألتك حَمقاء.
قلت: أجبني فيها.
قال لي: سَلْ.
قلتُ: ألكَ عينٌ؟
قال: نَعم.
قلت: فما تَصنع بها؟.
قال: أرى بها الألوان والأشخاص.
قلت: ألكَ أنفٌ؟
قال: نَعم.
قلتُ: فما تصنع به؟
قال: أشمٌّ به الرّائحة.
قلتُ: ألكَ فمٌ؟
قال: نَعم.
قلتُ: فما تصنع به؟.
قال: أذوقُ بِهِ الطّعام.
قلت: ألك اذنٌ.
قال: نَعم.
قلتُ: فما تصنع بها؟.
قال: أسمع بها الصّوت.
قلت: أَلك قلب؟.
قال: نعم.
قلتُ: فما تصنع به؟
قال: اميّز به كلّما ورد على هذه الجَوارح و الحَواس.
قلتُ: أوَ لَيس في هذه الجَوارح غِناً عن القلب؟.
فقال: لا.
قلتُ: و كيف ذلك، و هي صحيحةٌ سليمةٌ؟.
قال: يا بُني إنّ الجوارح إذا شكّت في شيءٍ، شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته، ردّته إلى القَلب
فيسْتَيقِن اليَقين و يُبطل الشّك.
فقلت له: فإنّما أقام اللَّه القلب؛ لِشّك الجَوارح؟.
قال: نعم.
قلتُ: لابدّ من القلب، و إلّالم تَستَيقن الجوارح؟.
قال: نعم.
فقلتُ له: يا أبا مَروان، فاللَّه تَباركَ و تعالى، لم يترك جوارحك حتّى جَعل لها إماماً، يُصحِّح لها الصّحيح، و يتيقّن له ما شكّ فيه، و يترك هذا الخَلق كلّهم في حِيرتهم و شَكّهم و إختلافهم، لا يُقيم لهم إماماً يردّون إليه شَكّهم و حِيرتهم، و يُقيم لَك إماماً لِجوارحك، تردّ إليه حيرتك و شَكّك؟
قال: فَسكت ولم يقل شَيئاً، ثم إلتفتَ إليّ، فقال لي: أنتَ هُشام بن الحّكم؟، فقلتُ: لا. قال من جُلسائه؟، قلت: لا، قال: فَمن أَنتَ، فقلت: من أهلِ الكوفة. قال: فأنت إذاً هوَ، ثمّ ضمّني إليه، و أَقعدني في مَجلسه، وزالَ عن مجلسه، و ما نطَق حتّى قُمت.
قال: فَضحِك أبوعبداللَّه عليه السلام، و قال: يا هُشام من عَلّمك هذا؟.
قلتُ: شيءٌ أخذته منك، و ألّفته.
فقال الإمام: «هذا واللَّه مكتوبٌ في صُحف إبراهيم وَ موسى».[1]
نعم، فإنّ الإمام بمنزلةِ القَلب، لِعالَم الإنسانيّة، و هذا الحديث يمكن أن يكون إشارةً، لِلولاية و الهداية التّشريعيّة أو التّكوينية، أو الإثنين معاً.
و كذلك ما ورد، في حديث أبي بَصير وجاره التوّاب، هو شاهدٌ آخر على هذا المَطلب:
قال أبو بَصير: كان لي جارٌ يتبعِ السّلطان، فأصابَ مالًا فإتّخذ قِياناً، و كان يجمع الجَموع و يشربُ المُسكِر و يُؤذيني، فشكوته إلى نفسه غيرَ مَرّة، فلم يَنتَهِ، فلّما ألحَحَتَ عليه، قال: يا هذا أنا رجلٌ مُبتلى، و أنت رجلٌ معافى، فلو عرّفتني لِصاحبك رَجوتُ أن يَستنقذني اللَّهُ بك، فوقع ذلك في قلبي، فلما صِرت إلى أبي عبداللَّه عليه السلام، ذكرتُ له حاله.
[1]. اصول الكافي، ج 1، ص 129، ح 3، باب الإضطرار إلى الحجّة، (مع التّلخيص).
فقال لي: «إذا رجعت إلى الكُوفة، فإنّه سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمد: دعْ ما أنت عليه، و أَضمِنْ لك على اللَّه الجنّة».
قال أبو بَصير: فلمّا رجعت إلى الكوفة، أتاني فيمن أتى، فاحْتبستُه حتّى خَلا منزلي. فقلت:
يا هذا، إنّي ذكرتُك لأِبي عبداللَّه عليه السلام، فقال: «أَقرِأه السّلام و قل له: يترك ما هو عليه، و أَضمن له على اللَّه الجنّةَ».
فَبَكى، ثمّ قال: اللَّه، قال لك جعفر عليه السلام هذا؟
قال: فحلفت له، أن قال لي ما قلت لك.
فقال لي: حَسبُك وَمَضى، فلما كان بعد أيّامٍ بعث إليّ و دعاني، فإذا هو خَلف باب داره عُريان.
فقال: يا أَبا بصير، ما بقي في منزلي شيءٌ، إلّاو خرجت عنه، و أنا كما ترى.
فَمشيت إلى إخواني، فجمعت له ما كسوته به، ثمّ لم يأت عليه إلّاأيّاماً يسيرةً، حتّى بعث إليّ: أنّي عليل فآئْتني، فجعلت أختلف إليه، و اعالجه حتّى نزل به الموت.
فكنت عِنده جالساً و هو يجود بِنفسه، ثم غُشي عليه غشيةً ثم أفاق، فقال: يا أبا بَصير، قد و فّى صاحبك لنا، ثم مات، فَحَججت فأتيت أباعبداللَّه عليه السلام، فإستأذنت عليه، فلمّا دخلت قال مبتدئاً من داخل البيت، وإحدى رجليّ في الصّحن والاخرى في دهليز داره: «يا أبا بَصير قد وفيّنا لصاحبك».[1]
بالطّبع يمكن أن يقال: إنّ هذا الحديث حمل في طيّاته، جانب التّوبة العاديّة المعروفة بين الناس، ولكنّنا نقول: إن ذلك الرّجل المذنب والمليء بالمعاصي، من رأسه إلى أخُمص قدمه، لم يكنِ ليُغيّر طريقة حياته، و اتّخاذه جانب الصّلاح و الفلاح، و على حدّ إعترافه هو، بأنّه لولا الإمام عليه السلام و عنايته، لم يكن له أن يتحول من دائرة الظلّمة و المعصية، إلى دائرة النّور والهداية.
و يوجد إحتمالٌ قويٌّ، و هو أنّ هذا الإنقلاب و التّحول، في روح و سلوك هذا الرجل المذنب المستعد لِلتوبة، كان بسبب التّدخل الرّوحي للإمام عليه السلام، و تصرفه في محتواه النّفسي، و
[1]. بحار الأنوار، ج 47، 145 146، ج 199.
ذلك لوجود نقطةٍ مضيئةٍ و بصيصٍ من الأمل في أعماق قلبه، و هو تمسّكه بالولاية، حيث أدّى إلى أن يتحرّك الإمام عليه السلام إلى نجدته و إنقاذه، في آخر لحظات حياته و أيّام عمره.
و الّنموذج الآخر لهذا التّأثير المعنوي، و الولاية التكوينيّة في تهذيب النّفوس المستعدّة، هو ما نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار، عن الإمام الكاظم عليه السلام، و الجارية التي أرسلها هارون إليه.
فقد وَرد أنّ هارون الرّشيد، أنفذَ إلى موسى بن جعفر عليه السلام جاريةً خصيفةٌ، لها جمالٌ و وضاءةٌ لتخدمه في السّجن، فقال له: «بَل أَنْتُم بِهَدِيّتِكُم تَفرَحُونَ»[1]، لا حاجة لي في هذه و لا في أمثالها، قال: إستطار هارون غَضباً، و قال: إرجع إليه وقل له: ليس بِرضاك حبَسناك، و لا بِرضاك أخذناك، و إترك الجارية عنده و إنصرف.
قال: فَمضى و رجع، ثم قام هارون عن مجلسه، و أنفذَ الخادم إليه ليتفحص عن حالها، فرآها ساجدةً لربّها لا ترفعُ رأسها، تقول: قُدّوسٌ سُبحانك سُبحانك.
فقال هاورن: سَحرها و اللَّه موسى بن جعفر بسحره، عليّ بها، فأتى بها و هي تَرتَعد، شاخصةً نحو السّماء بصرها، فقال: ما شأنك؟.
قالت: شأني الشّأن البديع، إنّي كنت عنده واقفةً، و هو قائمٌ يصلّي ليله ونهاره، فلمّا إنصرف عن صلاته بوجهه، و هو يسبّح اللَّه و يقدّسه، قلت: ياسيّدي هلْ لك حاجة اعطيكها؟
قال: وما حاجتي إليك؟
قلت: إنّي ادخلت عليك لِحوائجك.
قال: ما بالُ هؤلاء؟.
قالت: فآلتفتُ فإذا روضةٌ مزهرةٌ، لا أبلغ آخرها من أوّله بنظري، ولا أوّلها من آخرها، فيها مجالسُ مفروشة بالوِشيّ و الدّيباج، و عليها و صفاً وَ وَصائِف، لم أر مثل وجوههم حُسناً، و لا مِثل لباسهم لِباساً، عليهم الحَرير الأخضر، والأكليلُ و الدّر و الياقوت، و في أيديهم الأباريق و المَناديل، و من كلّ الطّعام، فخَررت ساجدةً حتّى أقامني هذا الخادم؛ فرأيت نفسي حيثُ كنت.
[1]. سورة النّمل، الآية 36.
فقال هارون: يا خبيثة، لعلّكِ سجدت فَنمت فرأيت هذا في مَنامك؟.
قالت: لا واللَّه ياسيّدي، إلّاقبل سُجودي، رأيت فسجدت من أجلِ ذلك.
فقال هاورن: إقبض هذه الخبيثة إليك، فلا يسمع هذا مِنها أحد، فأقبلت في الصّلاة، فإذا قيل لها في ذلك، قالت: هكذا رأيتَ العَبد الصّالح عليه السلام، فسئلت عن قولها، قالت: إنّي لما عَييت من الأمر نادتني الجواري، يا فلانة أبعدي عن العبد الصّالح، حتّي ندخل عليه، فنحن له دونك، فما زالت كذلك حتّى ماتت، و ذلك قبل موتِ موسى عليه السلام بأيّامٍ يسيرةٍ[1].
و في هذه القصّة، نشاهد نموذجاً آخر من تأثير الإمام عليه السلام، في روح تلك الجارية المستعدّة للتّربية و الإصلاح الرّوحي، و الهداية في طريق الحقّ و العودة إلى اللَّه تعالى.
والخلاصة:أنّ تاريخ الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و الأئمّة الهداة عليهم السلام، حافل بمثل هذه الحوادث، حيث يتّفق لبعض الأشخاص، أن يلتقوا مع النّبي أو الإمام، فينقلب مَساره في حركة الحياة و الواقع و يتغيّر كلياً، و يتحوّل إلى النّقطة المقابلة، في حين أنّ هذا التغيّر، ما كان ليحصل بواسطة الأسباب العادية، بحسب الظّاهر، و هذا الأمر يدلّ على أنّ الإنسان الكامل، هو الذي تولى هذه العمليّة التغييريّة، في هؤلاء الأشخاص من خلال التّصرف و التّدخل في النّفوس، و هو ما نسمّيه بالولاية التكوينيّة.
و من المؤكّد أنّ هذه العناية، و اللّطف و التّوجه، لم يكن إعتباطاً، بل هو لوجود نقاط قوّة في شخصيّة الفرد المُعتنى به، لتشمله العناية الإلهيّة، بواسطة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و الأئمّة الطّاهرين عليهم السلام.
كلام العلّامة الشّهيد المطهّري:
نترك الكلام و القَلم هنا، للعلّامة الشّهيد المطهّري قدس سره، حيث يقول في كتابه:«ولاءها و
[1]. بحار الأنوار، ج 48، ص 239، نقلًا عن المناقب، ج 3، ص 414، (مع شيءٍ من التّخليص).