بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 33

2- دور الأخلاق في الحياة والحضارة الإنسانيّة

يعتقد البعض من غير المطّلعين، أنّ المسائل الأخلاقيّة تمثل أمراً خاصاً في حدود الحياة الشّخصية للإنسان، أو أنّها مسائل مقدّسة معنويّة، لا تفيد إلّافي الحياة الاخرويّة، وهو أشتباه محظ، لأن أكثر المسائل الاخلاقيّة لها أثرها في واقع الحياة الإجتماعيّة للإنسان، سواء كانت ماديّة أم معنويّة، فالمجتمع البشري بلا أخلاق، سينقلب إلى حديقةِ حيواناتٍ لا يُجدي معها إلّا الأقفاص، لِردع أفعال الحيوانات البشريّة عن أفعالها الضّارة، و ستُهدر فيها الطّاقات، وتحطّم فيها الإستعدادات، وسيكون الأمان والحريّة لعبة بيد ذوي الأهواء، وستفقد الحياة الإنسانية مفهومها الواقعي.

وعندما نتحرى‌ التأريخ، نرى‌ أنّ كثيراً من الأقوام البشريّة قد حَلّ بهم البوار، وتمزقوا شرّ مُمَزّق نتيجةً لإنحرافاتهم الأخلاقيّة.

وكم رأينا في التأريخ حُكّاماً، عرّضوا شعوبهم لمصائب أليمةٍ و ويلاتٍ، نتيجةً لضعفهم الأخلاقي!!. وكم يوجد من امراء فاسدين وقيادات عسكريّة متعنّتة، عرّضوا حياة جنودهم للخطر الفادح، بسبب استبدادهم بالرّأي وعدم المشورة.

والحقيقة أنّ الحياة الفرديّة للإنسان، لا لَطافةَ ولا شفافيّة لها بدون الأخلاق. ولن تصل العوائل إلى برِّ الأمان من دونها، ولكنّ الأهمَّ من ذلك هو الحياة الإجتماعيّة للبشر، فما لم‌


صفحه 34

يتمسك أفراد المجتمع بالأخلاق، فستكون نهاية المجتمع أليمة وموحشة جدّاً.

ولرب قائل يقول: إنّ السّعادة و التكامل في واقع المجتمع البشري، يمكن أن يتحقّقا في ظِلِّ العمل بالقوانين و الأحكام الصّحيحة، من دون الإعتماد على مبادى‌ء الأخلاق في الفرد.

و نقول له:إنّ العمل بالقوانين، من دون وجود قاعدةٍ متماسكةٍ من القِيم الأخلاقيّة لدى الفرد غير ممكن، لأنّه إذا لم يتوفر الدّاعي الذّاتي للإنسان، فالسّعي الظّاهري لن يُجدي نفعاً.

فالقوّة و الضّغط من أسوأ الأدوات لتنفيذ القوانين و الضّوابط، و لا يصحّ إستعمالها إلّافي الضّرورات، وبالعكس فإنّ الإيمان و الأخلاق، يُعتبران من أفضل الأساليب لتنفيذ أيّة قرارات.

بعد هذه الإشارة، نعود للآيات القرآنيّة الناظّرة إلى هذه المسألة المهمّة، لنستوحي منها بعض المعاني في هذا المجال:

1-«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‌ آمَنُوا وَ آتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَاخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»[1].

2-«وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ إِدْفَعْ بِالَّتِي هِىَ أَحْسَنُ فَاذَا الّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقّاها إِلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»[2].

3-«فَبِما رَحْمةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَأعْفُ عَنْهُمْ وَآسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَاذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ»[3].

4-«وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما ارْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ»[4].

5-«وَابْتَغِ فِيما آتكَ اللَّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لايُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قالَ إِنَّما اوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ... يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الُمجْرِمُونَ»[5].

6-«فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُم مِدْراراً- وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنْينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً»[6].

7-«وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْانْجْيلَ وَما انْزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ لَاكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ امَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ»[7].

8-«مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ انْثى‌ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةًطَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»[8].

9-«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَانَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى»[9].

10-«وَلا تَنازَعُؤا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»[10].

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى‌»:تكلّمت عن الرّابطة بين بركات الأرض و السّماء و بين التّقوى‌، حيث يُصرِّح فيها بأنّ التّقوى‌، سبب البركات التي تنزل من السّماء على الناس، وبالعكس فإنّ عدم التّقوى و التّكذيب بآيات اللَّه، سبب لنزول العذاب: «وَلَوْ أَنَّ اهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَآلْارْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَآَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ».

فبركات الأرض و السّماء لها معنى وسيع جداً، بحيث يشمل: نزول الأمطار، و إنبات النّباتات، و كثرة الخيرات، وكثرة القوى‌ البشريّة.

«البركة»:أصلها الثّبات و الإستقرار، و بعدها اطلقت على كلّ نِعمةٍ و موهبةٍ تبقى‌ ثابتةً لا تتغير، و لذلك فإنّ الموجودات غير المبارك فيها، تكون غير ثابتةٍ و تفنى‌ بسرعةٍ.

[1]. سورة الأعراف، الآية 96.

[2]. سورة فصّلت، الآية 34 و 35.

[3]. سورة آل عمران، الآية 159.

[4]. سورة سبأ، الآية 34.

[5]. سورة القصص، الآية 77 و 78.

[6]. سورة نوح، الآية 10 إلى 12.

[7]. سورة المائدة، الآية 66.

[8]. سورة النحل، الآية 97.

[9]. سورة طه، الآية 124.

[10]. سورة الأنفال، الآية 46.


صفحه 35

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 36

إن الكثير من الامم لديها إمكاناتٌ ماديّةٌ كبيرةٌ، و معادن و مصادر للثروة تحت الأرض، و كذلك لديها أنواع الصّناعات، ولكن بسبب أعمالهم السيئة و التي لها علاقة مُباشرة بإنحطاطهم الأخلاقي، فإنّ تلك المواهب والمنن الإلهيّة، ستتعرض للإهتزاز وتفقد البركة في مضمونها الإجتماعي، حيث تُستعمل تلك النعم الإلهيّة في الغالب، لتعجيل فنائهم وزوال نعيمهم من موقع النقمة الإلهيّة.

وقد صرّح القرآن الكريم بذلك، حيث قال في سورة التوبة في الآية (85): «وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيْدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ»

نعم إنّ هذه النِّعم إذا إقترنت بفساد الأخلاق، فستكون سبباً لعذاب الدنيا و خُسران السّعادة في الآخرة!.

و بعبارةٍ اخرى‌، إذا إقترنت هذه المواهب الإلهيّة، بالإيمان والأخلاق والقيم الإنسانية، فستجلب الرّفاه و السعادة و العمران للمجتمع البشرى، وهذا هو الشّي‌ء الذي تُشير إليه الآية الآنفة الذّكر.

وبالعكس فيما لو سلك الإنسان معها، اسلوب البُخل و الظُّلم و الإستبداد، و سوء الخُلق و إتّباع الأهواء، فستكون من وسائل الإنحطاط و الفساد و الإنحراف!.

«الآية الثانية»:تتحرك في إطار بيان طريقةٍ مُهمّةٍ و مُؤثرةٍ جداً لدفع العداوات والضّغائن، وتوضّح أيضاً دور الأخلاق في إزالتها: «إِدْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَاذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كأَنَّهُ وَلِيُّ حَمْيمٌ».

ويضيف قائلًا: إنّ هذا الأمر، أي سِعة الصّدر، أمرٌ لا يقدر عليه كلّ أحد، بل يختصّ بها من اوتي حظّاً عظيماً من الإيمان و التّقوى، فيقول: «وَما يُلَقّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيْمٍ».

إنّ إحدى المشاكل الكبيرة للمجتمعات البشريّة، هي تراكم الحقد و الكراهيّة في النفوس، وفي حال وصولها الذّروة، فإنّ من شأنها أن تفضي إلى إشعال نيران الحروب، التي تحرق معها


صفحه 37

كلّ شي‌ء وتحوله إلى رماد.

ومع تحرك الإنسان من موقع: «إدفع بالّتي هي أحسن»، فستذوب الأحقاد و الكراهيّة كالثّلج في الصّيف، وستتخلص المجتمعات البشريّة من خطر الحروب، و تقلّ الجنايات، و تنفتح البشريّة على أجواء المحبّة و التعاون و التّكامل الإجتماعي.

وكما يقول القرآن الكريم،: إنّ هذا المستوى الأخلاقي لا يصدر من كائن من يكن، حيث يتطلب قوّة الإيمان و التّقوى‌ والتربية الأخلاقيّة.

ومن الطبيعي أنّ الخُشونة إذا ما قابلتها الخُشونة، و السّيئة دُفعت بالسّيئة، فستطّرد هذه السّلبيات وتتوسع يوماً بعد يوم، و بالتّالي ستجر الويلات و المآسي على المجتمع البشري.

ومن البديهي أنّ: (مسألة إدفع بالّتي هي أحسن)، لها شروطٌ و حدودٌ و إستثناءاتٌ، سنشرحها بالتّفصيل في المستقبل إن شاء اللَّه.

«الآية الثالثة»:تحدثت عن تأثير حُسن الخُلق في جلب و جذب الناس، وبيّنت أنّ المدير المتخلق بالأخلاق الإلهيّة إلى أيّ حدّ يكون موفقاً في عمله، وكيف يجمع القلوب المُتنافرة و يوحِّدها التوحيد الذي يصعد بها إلى الرّقي و الكمال الإجتماعي:

«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَاْنْفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ فَآعْفُ عَنْهُمْ وَآسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْامْرِ فَاذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ».

ففي هذه الآية، نرى‌ التّأثير العميق لحسن الأخلاق في تقدّم أمر الإدارة، و جلب و جذب القلوب و وحدة الصّفوف، و النّجاح على مُستوى التّفاعل الإجتماعي لأفراد المجتمع؛ فأثر حسن الأخلاق لا يتحدّد بحدود البُعد الإلهي‌ والمعنوي فقط، بل له آثاره الوسيعة في حياة الإنسان الماديّة.

و الأوامر الثّلاثة التي جاءت في ذيل الآية، يعني مسألة: «العَفو عن الخَطأ» و «طلب المغفرةِ من الباري تعالى» و «المشورة في الامور»، هي أيضاً تصبّ في دائرة تفعيل عناصر الأخلاق في النّفس، لأنّ تلك الأخلاق النّابعة من الرّحمة و التّواضع، تكون سبباً للعفو و


صفحه 38

الإستغفار وتصحيح الأخطاء السّابقة، و إحترام شخصيّة و وجود الإنسان أيضاً.

«الآية الرابعة»:تبيّن الآثار السّلبية لبعض الأخلاق السيئة، حيث يقف في مقابل الأنبياء الإلهيين، جماعة من المترفين، و هم المُنعّمين الذين ملأ الكبَر والأنانيّة أنفسهم ووجودهم:

«وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذْيرٍ إِلّا قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما ارْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ».

وبعدها يعقّب قائلًا: أنّ الغُرور وصل بهم إلى درجةٍ كبيرةٍ، فقالوا: «وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ».

فمثل هذه الأخلاق القبيحة، تُعدّ سبباً في التّصدي للإصلاح الإجتماعي، على مُستوى قتل رجال الحقّ، و خنق أصوات طلّاب الحقيقة، وبالتالي زرع بذور الفساد و الظّلم والطغيان في المجتمعات، وهنا يتّضح نموذج آخر من آثار الأخلاق السّيئة في المجتمعات البشريّة.

والعجيب في الأمر، أنّ روحيّة الإستكبار النّاشئة من الرّفاه المادي و سبوغ النّعمة، هي السّبب في التّورط في مُستنقع الخطيئة و إرتكاب أخطاء فاضحة جدّاً، فإعتقدوا بأنّ وفور النّعمة و كثرتها، هو دليل للقرب الإلهي، وقالوا: لولا قُربنا من اللَّه تعالى لما آتانا تلك النّعم!؟. و بذلك أنكروا جميع القيم الأخلاقيّة و المعنويّة، ولكنّ القرآن الكريم في الآية التاليّة يُفنّد منطقهم الواهي، و يجعل المعيار هو الإيمان والعمل الصّالح.

فلم يكن موقف المترفين المشركين من قُريش بالوحيد في عصرهم، فهذا هو موقف جميع المترفين في الأقوام السّالفة مع الأنبياء والمصلحين.

«الآية الخامسة»:تنظر لوجهٍ آخر من المسألة، و تبيّن قصّة«قارون»الغني المغرور والأناني و هو من بني إسرائيل.

فعندما نصحه أهل العلم والمعرفة من قومه، و قالوا له: «وَآبْتَغِ فِيما أتكَ اللَّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ‌


صفحه 39

لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» و قال و بكلّ تكبّر و غُرور: «قالَ إِنَّما اوتيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي».

يعني أنّ اللَّه لا دخل له في وفور النّعمة عليّ، ولكنّ علمي ودرايتي بالامور هي السّبب في ذلك؛ وهكذا أودى‌ به الكِبَر و الغُرور إلى السّقوط في وادي إنكار الآيات الإلهيّة، و بالتّالي التّحرك من موقع التعاون مع أعداء الحقّ و العدالة، و في لحظةٍ وحادثةٍ عجيبةٍ، خُسِفَت به وَ بِأمواله الأرض.

وهنا نرى‌ كيف أنّ الرّذائل الأخلاقيّة، بإمكانها تغيير وجوه الأشخاص و المجتمعات، و منعهم من الوصول إلى الخير والسّعادة.

و الطّريف في الأمر، أنّنا نقرأ في الآيات التي قبلها، بأنّ قومه قالوا له: «إِذْ قالَ لَهُ قَومُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الفَرِحينَ».

ومن البديهي أنّ الإسلام لا يعارض الفرح و السّرور، ولكنّ المقصود هنا الفرح النّاشي‌ء من الغَفلة و الغرور و نِسيان اللَّه تعالى، و المقترن بالظّلم و الفساد و مُمارسة الخطيئة والذي بدوره يجرّ الإنسان لِلعربدة و الجُموح والفساد، وكلّ ذلك منشؤه الصّفات القبيحة التي تضرب بجرانها في القلب.

«الآية السادسة»:نقرأ فيها شكوى النّبي نوح عليه السلام إلى الباري تعالى، فنرى في طيّاتها معانٍ تُشير إلى تأثير أعمال الإنسان، و الأخلاق التي تدعم تلك الأعمال، في الحياة الفرديّة و الإجتماعيّة للإنسان، فيقول: «فَقُلْت اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدْراراً* وَيُمْدِدكُم بِأَمْوالٍ وَبَنَينَ* وَيَجْعَلْ لَكُم جَنَّاتٍ وَ يَجعَلْ لَكُم أَنهاراً».

وفي الإستمرار في قراءة تلك الآيات، نرى عصيانهم وتمرّدهم على الأوامر الإلهيّة، وكذلك تبيّن الآيات صفاتهم القبيحة، و التي هي بمثابة المنَبع الآسن الذي يمدهم بالذّنوب.

ويمكن القول أنّ ما ذُكر آنفاً، هو العلاقة المعنويّة و الإلهيّة بين الإستغفار وترك الذنوب، و بين زيادة النعم، ولا يوجد منع من سراية هذه العلاقة لتشمل البُعد الظّاهري و البُعد المعنوي، لذلك نقرأ في آيةٍ اخرى من القرآن الكريم: «ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيدِي النّاسِ»[1].

[1]. سورة الروم، الآية 41.


صفحه 40

وقد ورد هذا المعنى في سورة هود بشكل آخر على لسان الرسول صلى الله عليه و آله، في خطابه لُمشركي مكّة: «وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعُكُم مَتاعاً حَسَناً إِلى‌ أَجَلٍ مُسَمّىً»[1].

لا شك أنّ الّتمتع «بالمتاع الحسن»، لأجلٍ مُسمّى، هو إشارةٌ إلى المواهب الماديّة الدنيويّة، فهي رهينة الإستغفار و التّوبة من الذّنب، و العودة إلى الباري تعالى، و التّخلق بالأخلاق الحسنة.

ولا شكّ أنّ الصّفات القبيحة هي الأساس والأصل لأنواع الذّنوب، و الذّنوب بدورها سبب لنشر الفساد في المجتمع وتفكيك لِعُرى الوحدة، و أواصر الصّداقة و الاخوّة والإعتماد بين الناس، و بالتّالي التّأخر في العُمران و الّنمو الإقتصادي و الرّفاه المادي، و التّكامل المعنوي وسلامة النّفوس.

وفي‌«الآية السابعة»:إشارةٌ إلى حالة أهل الكتاب وعصيانهم وطغيانهم، فيقول: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْانْجْيلَ وَما انْزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ لَاكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ امَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ».

ونرى هنا أيضاً تقريراً، للعلاقة الوطيدة بين العمل الصالح و التّقوى من جهةٍ، و نزول البركة السّماوية والأرضية من جهةٍ اخرى، وهذه العلاقة يمكن أن تحمل الجانب المعنوي أو الطّبيعي، أو بالأحرى الإثنين معاً.

نعم فإنّ الفيوضات الإلهيّة لا حدّ لها، ويتوجب علينا تحصيل الأهليّة و القابليّة، لنتصل بالمصدر الأصلي للفيض، ولكن الإفراط و التّفريظ و العُدول عن جادّة الإعتدال و التّوازن، سوّدت وجه الحياة الإنسانيّة، و سلبت منها الراحة.

فالحروب المدمّرة تعرّي النفوس الإنسانيّة من الفضيلة و الصّلاح، و تُزهق الثّروات الماديّة و المعنويّة، و تفضي بالإنسان إلى الزّوال.

[1]. سورة هود، الآية 3.