بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 121

الرخصة والعزيمة

ومنها الرخصة والعزيمة والكلام فيهما يتعلق بمقامات:

المقام الأول:في تعريف العزيمة لغة واصطلاحاً، وهي مشتقة من العزم وهو القصد المؤكد. قال الله تعالى [فنسي ولم نجد له عزماً] أي قصداً وسمي بعض الرسّل أولو العزم لتأكيد قصدهم في طلب الحق. وقال‌الجوهري‌اعزمت على كذا عُزماً وعزماً بالضم، وعزيمة وعزيماً إذا أردت فعله قطعت عليه. قال الله تعالى [وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] أي جزماً، وعن‌القاموس‌: هي إرادة الفعل والقطع عليه، وعزائم الله تعالى فرائضه، وأولوا العزم من الرسل الذين عزموا على أمر الله تعالى.

واختلف الأصوليون في تعريفها اصطلاحاً. فقد عرفها صاحب‌براهين العقول‌بأنها الفعل الذي لا يثبت إلّا بموجب وكان سليماً عن المعارض، وعن‌النهاية: أنها عبارة عّما لزم العباد بايجاب الله تعالى أو ما جاز فعله من غير مانع. وفيه كلام فإنه قد اشتمل الحد على (أو) الدالة على الترديد وهو غير جائز في الحدود.

والجواب عنه بأنه تقسيم في المحدود لا أنه ترديد في الحد، والممنوع هو الثاني لا الأول. وعن‌الأحكام‌والمستصفى‌والمختصر الكبير لابن الحاجب‌: أن العزيمة ما لزم العباد بايجاب الله تعالى، وأعترض عليهم‌القرافي في شرح المنتخب‌: بإنه يلزم منه أن يكون أكل الطيبات ولبس الناعم من العزائم في الشرع وهذا تأباه قواعد الشرع وفتاوى العلماء. وعرّفه‌العلامة(ره) بما جاز فعله لا مع قيام المقتضي للمنع وتبعه عليه في‌ال‌منية. وفيه كلام فإنه اشتمل على اللفظ المشترك وهو الجواز لإطلاقه على الأذن الشامل للأحكام الأربعة وعلى الإباحة التي هي تساوي‌


صفحه 122

الطرفين. والجواب عنه بأنه لا مانع منه مع القرينة إجماعاً، والقرينة إجماعهم على أن العزيمة غير مراد بها الإباحة وحدّها هذا الموضع. وفي‌التحصيل‌هي ما جاز فعله وإن لم يوجد المقتضي للمنع. وفيه كلام لأشتماله على لفظ (الجواز) وقد عرفت اشتراكه. وقال‌القرافي‌: هي طلب الفعل مع انتفاء شهرة المانع منه شرعاً. وفي‌التحصيل‌وكلام‌العلامةاقتضى دخول الوجوب والندب والمكروه والإباحة، وفي كلام‌القرافي‌اقتضى دخول الواجب والمندوب. وفي‌الأحكام‌والمستصفى‌ومنتهى السؤال‌اقتضى دخول الواجب فقط. والإمام فخرالدين في المحصول‌وغيره جعلها تطلق على الجميع ما عدا المحرم، فإنه جعل مورد التقسيم الفعل الجائز، والقرافي‌خصها بالواجب والمندوب ليس غير حيث قال في حدّها: (هي طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي). ومنهم من خصّها بالواجب فقط وبه جزم‌الغزالي‌في‌المستصفى‌والامدي‌في‌الأحكام‌ومنتهى السؤال‌وأبن الحاجب‌في‌المختصر الكبيرولم يصرح بشي‌ء في‌المختصر الصغير.

المقام الثاني:في تعريف الرخصة لغة واصطلاحاً، وهي في اللغة عبارة عن التيسير والتسهيل، ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء. وقال‌الجوهري‌الرخصة في الأمر خلاف التشديد، ومنه رخص السعر إذا تيسر وسهل، وهي بتسكين الخاء، وحكي أيضاً ضمها. وأما الرخصة بفتح الخاء فهو الشخص الآخذ بها كما قاله‌الآمدي‌.

واختلف الأصوليون في تعريفها اصطلاحاً، فقد عرّفها صاحب‌براهين العقول‌: بأنها الحكم الذي ثبت على خلاف الدليل لعذر. وبه‌


صفحه 123

قال‌المنهاج‌وفي‌التحصيل‌: هي ما جاز فعله ووجد المقتضي للمنع منه، وقال‌القرافي‌: (هي جواز الاقدام مع اشتهار المانع منه شرعاً). وحكي عن‌المحصول‌والمنتخب‌وعن بعض اصحاب الرأي أنها عبارة عّما أبيح فعله مع كونه حراماً، واعترض عليهم في‌النهايةبأن فيه تناقضاً وليس بجيد لعدم اجتماع حكمين في وقت.

وقيل هي ما رخصّ فيه مع كونه حراماً. واعترض عليه بأن فيه تناقضاً ودوراً، أمّا التناقض فواضح لأن الترخص مشتق من الرخصة وهي الإباحة المناقضة للحرمة. وأما الدور فلأخذ الترخيص الذي هو مشتق من الرخصة في التعريف للرخصة.

وقيل هي ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم.

واعترض عليه بأنه غير جامع، لأن الرخصة كما تكون بالفعل تكون بتركه كاسقاط صوم رمضان والركعتين عن المسافر.

واجيب عنه بأنه حد للرخصة الخاصة لا المطلقة. وفي‌التحصيل‌: هي الحكم الذي لا يثبت إلّا بموجب وكان معارضاً كحل الميتة للمضطر. وعرّفه‌العلامة(ره): هو الفعل الجائز مع قيام المقتضي للمنع، قال في‌ال‌منية. ويرد عليهما وعلى‌التحصيل‌اشتمال الحد على لفظ (الجواز) وقد علمت أنه مشترك.

واعلم أن هذه الحدود المزبورة إنما هي للرخصة الخاصة. وأمّا تعريف الرخصة المطلقة فهو ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم، ليعّم النفي والإثبات فمباح الأصل كالأكل والشرب لا يسمى رخصة، وما لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال وصلاة النافلة لا


صفحه 124

يسمى رخصة. واستقر به بعض الفضلاء، ولو أردنا تعريف الرخصة مطلقاً بحيث يتناول الفعل والترك قلنا: الرخصة ما أبيح للمكلف مع قيام ما يقتضي المنع منه.

المقام الثالث:في بيان الرخصة.

قد تجب كالتناول للمضطر فإن استبقاء المهجة وحفظ النفس واجب، ولا تجب ككلمة الكفر للتقية. وفي‌المنيةالرخصة إلى الوجوب كتناول الميتة عن خوف الهلاك، وقد تكون تركاً كالصوم واسقاط الركعتين من الصلاة الرباعية في السفر.

التحقيق في الأحكام الوضعية

ولا بأس بصرف العنان في تحقيق المقام في شرح الحكم الوضعي، وبيان موضع النزاع في جعله وأقسامه وما يتعلق بذلك من مطالب شريفة ومسائل منيفة تنكشف بها الحقائق العلمية والآراء الفقهية فإنه من المقامات العويصة التي أدعى كل من المتخاصمين بداهة ما ذهب إليه وضرورة ما جاء به. وبيان ذلك يستدعي رسم أمور:

الأمر الأول:إنه لا ينبغي له التأمل في أن الحكم من مقولة الإنشاء الذي عبارة عن الجعل والإيجاد له وجود وتحقق في عالم الذهن، كما أنه يتحقق في الخارج بواسطة اللفظ الدال عليه ونحوه حسبما هو الحال في الأخبار، وليس هو كمفهوم الإمكان والامتناع ونحوهما المنتزع من ملاحظة الموجودات والمعدومات، ولا هو كأنياب الأغوال من كونه مجرد وهم وخيال. وقد يستفاد من تعريف بعضهم له: بأنه عبارة عن طلب الشارع من المكلف الفعل أو الترك مع استحقاق الذم على مخالفته ومن‌


صفحه 125

دونه أو تسوية بينهما لوصف مقتضي لذلك، كما في‌الزبدةخروج الأحكام الوضعية عن موضوع الحكم ضرورة عدم كون الوضعي طلباً، وعليه فيسقط النزاع في هذه المسألة فإن النزاع إنما يتصور بعد تسليم كونه حكماً إلّا أن يقال أن الغرض منه تعريف خصوص الطلب من الأحكام أو أن المعرفين بذلك ممن يرون اختصاص الجعل بالطلبي ورجوع الوضعي إليه، والظاهر هو الثاني فإن من المعرفين شيخناالبهائي‌وقد صرح بعد ذلك بأن الوضعي ليس حكماً بل مستلزماً له. نعم تعريف الحكم بالقضايا أو بالنسب الجزئية أو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين كما عن‌الغزالي‌يعم الحكم للطلبي والوضعي جميعاً فإن كل منها خطاب ونسب وقضايا يتضمنها الأدلة، واصرح منها في الشمول ما عن بعض الأفاضل من تعريفه: بإنه ما حكم به الشارع وهو تكليفي كالوجوب والحرمة ووضعي كالسببية والشرائط، والمراد بالوجوب ما يستحق فاعله الثواب، وبالحرمة ما يستحق فاعلها العقاب، والوضعي ما يترتب عليه حكم بالواسطة. ولا يخفى عليه أن هذا منه تعريف بالاسم بمعنى أن الغرض منه الامتياز عن الحكم العقلي والعرفي كما يقال الحكم العقلي ما حكم به العقل فلا يتوجه عليه الدور. نعم يتجه عليه أولًا أن ما حكم به الشارع ليس حكماً بل هو محكوم به إذ الحكم من مقولة الإنشاء كما مر وهو قائم بنفس الحاكم فلا ربط له بالمحمولات المنتسبة كالوجوب أو الحرمة المنتسبة إلى متعلقهما، فإن تلك المحمولات صفة قائمة بالفعل حاصلة من الإيجاب والتحريم ولا ربط لها بالحكم أصلًا، وتعبير الفقهاء عنها بالحكم مبني على التسامح باعتبار كونها من لوازمه.


صفحه 126

والتكليف بأن المراد منه الإيجاب يدفعه أن الإيجاب ليس مما حكم به الشارع أعني المحمول المنتسب، بل هو عبارة عن نفس الإنشاء القائم بذات المنشي‌ء.

وكيف كان فربما يتخيل أن أصل النزاع في المسألة في حصر الحكم الشرعي في التكليفي خاصة وعدم الحصر، فمن عرف الحكم بالأول وهو التعريف الذي حكيناه عن‌الزبدةرأى الحصر فيه وأنكر وجود الحكم الوضعي رأساً ولو وجوداً انتزاعياً، ومن عرّفه بسائر التعاريف ذهب إلى أنه على قسمين: تكليفي ووضعي ولا نظر عند الفريقين إلى المجعولية والعدم، وضعّفه الأستاذ الشيخ كاظم الش- يرازي فإنه من الواضح الذي لا يعتريه ريب عدم الحصر، وإن الخطابات الشرعية كتاباً وسنة كما تشتمل على بيان التكليفات كذلك تتضمن بيان الوضعيات فإنكار ثبوت الحكم الوضعي بهذا المعنى وإن الحكم الوضعي ليس من مداليل الخطاب-- ات مما لا ينبغي صدوره عمن له أدنى مسكة.

ودعوى أن إخراج ذلك عن محل النزاع حسبما ذكر يوجب لغوية النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة في ثبوت الأحكام الوضعية عند المعتزلة والعدم عن الأشاعرة وصدور مثله عن مثلهم بعيد جداً.

مدفوعة بأنه لم يصدر منهم عنوان البحث في ذلك بمعنى أنه لم يعنون أحد منهم هذه المسألة حتى يلزم لغوية العنوان المذكور وانتفاء الفائدة في البحث عنها، بل يستفاد ذلك الاختلاف من كلماتهم عند إيراد النقض والابرام على تعريفهم الحكم بأنه خطب الله تعالى ... إلى أخره، حيث أورد عليه بعضهم بأنه ينتقض عكساً بالأحكام الوضعية


صفحه 127

فإنها مما لا تعلق لها بأفعال المكلفين مع أنها أيضاً خطاب الله، فدفعه بعضهم بأن المراد مطلق التعلق ولو كان بعيداً فيشمل الوضعيات فإن لها تعلقاً بالأفعال بالواسطة، وآخر بأن زاد قيداً والوضع، وثالث بأن خروجها غير قادح فإن الوضعيات ليست من الأحكام بالمعنى المصطلح التي يكون التعريف مسوقاً لبيانها، فنزاعهم حينئذ ناظر إلى تعيين المعنى المصطلح عليه عندهم للحكم الشرعي وتحقيق أصل الاصطلاح لا إلى حصر الحكم في التكليفات والعدم. وبالجملة فغرضهم في هذه الكلمات هو المشي على ما عليه ديدنهم من حفظ الحدود عن النقض عكساً وطرداً حتى ينطبق على المحدود تمام الانطباق، ولا نظر لهم إلى الحصر المذكور والعدم، كيف وقد عرفت أن تضمن الخطابات الشرعية للوضعي حسب تضمنها للطلبي مما لا يقبل الانكار فكيف يتعقل نزاع الفحول من المحققين في ذلك بل النزاع في أمر آخر سنشير إليه.

الأمر الثاني:إن الجعل في الشرعيات مساوق للخلق في التكوينيات وإن كان الجعل يطلق على ما في التكوينيات أيضاً كما في قوله تعالى:

[جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] وغير ذلك من الآيات والأخبار، وليس الجعل والخلق إلّا عبارة عن الإنشاء والإيجاد الذي هو من أوصاف المنشي‌ء والموجِد. وهذا الإنشاء والجعل إن تعلق بالتكوينيات والموجودات الخارجية فالتغاير بينه وبين متعلقه حقيقي، والإضافة في مثله تكون لامية فإنشاء زيد وإيجاده مغاير لزيد بالبديهة، وهذا نظير قول القائل: أولدت زيداً، فإنه يفيد تعلق التوليد بزيد والمغايرة بينهما واضحة بديهية، وإن تعلق بالأمور القائمة بالنفس كالطلب والحكم والبيع ونحو ذلك فالإضافة لامية بنحو الحقيقة وتكون بيانه بنحو من المجاز المستحسن‌


صفحه 128

حيث لا مغايرة بين الإنشاء حينئذ والمنشأ خارجاً وإنما المغايرة بالاعتبار فإنشاء الحكم والطلب والبيع ونحو ذلك عين هذه الأشياء ولا مغايرة بينهما إلّا بالاعتبار كما في الإيجاد والوجود والإيجاب والوجوب، فإن الإيجاد ليس مفهوماً مغايراً للوجود الواقع في الخارج على الموجود إلّا باعتبار فمن حيث قيامه بالموجِد يسمى إيجاداً، ومن حيث وقوعه في الخارج يسمى وجوداً، وعلى هذا فإنشاء الحكم الشرعي عين الحكم خارجاً ويختلفان بالاعتبار لما عرفت من أنه من قبيل القسم الثاني لا الأول وما يلازمه من الطلبية والمطلوبية والزجرية والبعثية ونحوها أموراً اعتبارية لا تأصُّل لها.

والحاصل أنه عند إنشاء الحكم الشرعي يعقد القلب على الإلزام بالعمل أو الإلزام بتركه أو عدم الإلزام بهما ثم يأتي بالكاشف عنه لينشأ به فيكون موجوداً بالوجود الإنشائي.

الأمر الثالث: قد وقع الخلاف بين الحكماء في أن لوازم الماهيات كحلاوة الحلويات وحرارة النار وضوئها وحرارة السم وإهلاكها هل هي مجعولات بجعل مغاير لمحلها أو منجعلة بجعلها؟ وهذه المسألة هي أصل مبني القول بالجبر والعدم، فالأشاعرة على أنها مجعولة بجعل مغاير واستدلوا عليه بقوله تعالى: [جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] [وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا]. والمعتزلة على أنها منجعلة بجعل محالها، كما أشار إليه الشيخ الرئيس بقوله: (ما جعل الله المشمش مشمشاً بل أوجده)، وقالوا إن الشرور الصادرة من المكلفين ليست مجعولة بل المجعول هو الوجود وليس هو إلّا خيراً محضاً، وأما الشر فهو ليس مجعولًا صرف، وإلى ذلك أشار الفيلسوف السبزواري بقوله: