من وسائل النقل أو وسائل العيش بل ووسائل الراحة إلّا وفيها بعض المفاسد لكن لما كانت قليلة بالنسبة إلى مصالحها اقتناها العقلاء وبذلوا في سبيل الظفر بها النفس والنفيس.
جواز خلو الواقعة عن التكليف
هل يجوز خلو واقعة من الوقائع ومسألة من المسائل مطلقا من الحكم الشرعي؟ وإن احتاج إليها في زمان من الأزمنة مكلف واحد بل وإن لم يحتج إليها أحد أبداً حتى بنحو الإيجاب الجزئي وإلّا فلا نزاع في الإيجاب الكلي بداهة بطلان خلو كل واقعة عن الحكم؟ فالنزاع في جواز خلو بعض الوقائع وبعض أفعال العباد عن كل حكم من الأحكام في حق المكلفين بأن لم يجعل الله تعالى لها حكماً من الأحكام الخمسة كما هو الحال في أفعال الصبيان غير المميزين والمجانين أم لا يجوز خلو شيء منها عن كل حكم. ثم لا يذهب عليك أن النزاع في جواز الخلو في الجملة وامتناعه كما هو الظاهر من عناوين القوم، أن نزاعهم في الوقوع والعدم بأن يقول المثبت بعض الوقائع خالية عن الحكم والنافي ينفيه كما سبق إلى بعض الأوهام. وهذه المسألة وإن كانت من المسائل الكلامية التي ذهب الجمهور إلى أن الظن ليس حجة فيها، ويحتاج ثبوت كل مسألة فيها إلى الأدلة القطعية لكن ذكر غير واحد أن الدليل الظني ومطلق الظن حجة فيها لاستلزامه الظن بالحكم الفرعي بدعوى أن كل ظن يستلزم الظن في حكم فرعي يكون حجة، أما بيان استلزام الظن فيها للظن في الحكم الفرعي أنه لو ظننت عدم الخلو فيما نحن فيه أعني مسألتنا، ثم ظهر لك في الفقه أن شرب التتن مثلًا ليس بمحرم ولا بواجب ولا
بمكروه ولا بمندوب فالظن بعدم الخلو مستلزم للظن بأن شرب التتن حينئذ مباح فيثبت إباحته بناء على حجية الظن في الفروع.
ثم إن الأصل في المسألة هو الجواز لا الامتناع كما ثبت ذلك الأصل في نظائرها من المسائل التي يبحث عنها من حيث الجواز والامتناع كاجتماع الأمر والنهي وأمر الآمر مع العلم بانتفاء الشرط وجواز صدور المجمل من الحكيم وغيرها فقد ثبت في تلك النظائر (أن كل ما شككت في إمكانه وامتناعه فذره في بقعة الإمكان حتى يتبين خلافه) للغلبة وبناء العقلاء، ولأن عدم الدليل على الامتناع دليل على عدم الامتناع، ولا يخفى ما في الجميع. وثمرة الخلاف في هذا الأصل أن من أحال الخلو في تلك المسألة وقال بإدراك العقل الحسن والقبح بمعنى المدح والذم، وبنى على تبعية الأحكام للصفات الكامنة في نفس الأفعال لزمه حجية العقل وتطابقه مع الشرع وإن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، وقد ثبت في مسألة تبعية الأحكام للصفات بيان ذلك فلا مناص للأخباريين بعد القول بإدراك العقل الحسن والقبح وتبعية أحكام الله تعالى سبحانه للصفات وامتناع خلو واقعة من الحكم إلّا القول بحجية العقل وذلك لأنا نقول أن الفعل الفلاني مثل (رد الوديعة) مثلًا مما أدرك العقل حسنه، وكل ما أدرك العقل حسنه فهو مأمور به لأنه أما لا حكم فيه فالمفروض خلافه وأما حكمه غير الوجوب فهو فاسد، لأنه لو كان حكم ما أدرك العقل حسنه غير الوجوب لزم أن لا تكون أحكامه تعالى تابعة للصفات والتالي باطل بالفرض فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة، وأما أن يكون حكمه هو الوجوب فثبت المطلوب، فينتج أن رد الوديعة مأمور به
وواجب وهو معنى حجية العقل هذا وقد حكى عن المستصفى للغزالي في الجزء الأول منه أنه أتفق الفقهاء على أن الله له حكماً في كل مسألة.
والحق أن في المسألة تفصيل، بأن يقال: إن الواقعة إن كانت محتاجاً إليها المكلفون ولو واحد منهم من أول زمان البعثة إلى يوم القيامة بل وإن احتاج مكلف واحد مرة واحدة إلى حكم تلك الواقعة لم يجز خلوها عن الحكم وذلك لوجوه:
الوجه الأول:البرهان العقلي وهو أنه لا شك في أن جعل الحكم وإظهاره فيما يحتاج إليه العباد لطف، لأنه مقرب إلى الطاعة ومبعد عن المعصية أو إظهار للمصلحة أو المفسدة وكل لطف كذلك فهو واجب فالجعل واجب.
إن قيل إن البرهان المذكور لو يتم يثبت وجوب جعل الحكم في الواجب والحرام فقط دون المباح وأخويه أو دون المباح فقط لأنه لا يقرب إلى الطاعة ولا يبعد عن المعصية، وليس في شيء من فعله وتركه مصلحة ولا مفسدة حتى يجب على الله تعالى من باب اللطف إظهارهما. وبالجملة الأفعال التي لا رجحان في فعلها ولا في تركها في الواقع لا يجب على الله تعالى جعل حكم الإباحة لها لأنه ليس بلطف واجب فلا تقتضي قاعدة اللطف عدم خلو شيء من الوقائع عن الحكم.
قلنا أن عدم الإعلام بالمباح وأخويه يوجب الإخلال بالحرام والواجب، وذلك لأن جمعاً من العلماء يرون لزوم التحرز عن ما يحتمل التحريم ووجوب إتيان ما يحتمل الوجوب فيكون الأول عندهم حراماً ظاهراً والأخير واجباً ظاهرياً فحينئذ ربما يقع التعارض بين
الواجب الواقعي وذلك الواجب الظاهري أو بين الحرام الواقعي والحرام الظاهري بحيث لا يمكن إتيانهما معاً في الأول وتركهما معاً في الأخير، فلابد من أن يرجع إلى المرجحات ويلاحظ فعل أيهما أهم فيأتي به أو ترك أحدهما أهم وأشد محذوراً فيتركه. فحينئذ ربما يرجح المكلف الواجب الظاهري على الواجب الواقعي أو ترك الحرام الظاهري على ترك الحرام الواقعي، فعدم الإعلام بالمباح وأخويه يوجب ترك ما هو واجب واقعاً وإتيان ما هو حرام واقعاً وهو خلاف اللطف.
فإن قيل إنا نمنع أن إعلام كل حكم لطف واجب لعدم ظهور كثير من الأحكام لكثير من المكلفين كما لا يخفى.
قلنا إعلام الأحكام وإظهارها للمكلفين واجب، لكن تعليقاً لا تنجيزاً، فلعله معلق على أمور لا نعلمها مثل أن لا يكونوا مقصرين، ومثل أن لا يكون في الإظهار مفسدة لهم إلى غير ذلك. وكيف ما كان فعدم إظهار بعض من الأحكام لا يدل على عدم وجوب الإظهار لإمكان أن يكون واجباً معلقاً على أمرٍ لم يتحقق بعد فتدبر وتفكر.
نعم هذا الدليل إنما يتم فيما لا يستقل به العقل، أما فيما يستقل به العقل فلا يتم لعدم وجوب اللطف فيه لكون العقل هو الحاكم فحكمه هو المقرب للطاعة المبعد عن المعصية، فاللطف موجود من جهة وجود حكم العقل من دون حاجة لحكم الشرع. نعم يتم بضمنية أن كلما حكم به العقل حكم به الشرع بالفعل.
الوجه الثاني:للنصوص الدالة على أنه تعالى جعل لكل واقعة حكماً وبينه لنبيه (ص) حتى أرشى الخدش.
منها ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله في حديث طويل إلى أن قال (قلت: جعلت فداك وما الجامعة قال: صحيفة طولها سبعون ذراع بذراع رسول الله (ص) من فِلْق فيه وخط علي (ع) بيمينه، فيها كل حلال وكل حرام وكل شيء يحتاج إليه حتى الأرش في الخدش)، إلى غير ذلك من الأخبار المستفيظة الدالة على ذلك المطلب، ومن أن الوقائع ليس شيء منها خالٍ عن الحكم.
الوجه الثالث:خصوص رواية درست فإنه روى عن الإمام (ع) (إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به وإذا جاءكم ما لا تعلمون منها- واومى بيده إلى فيه- فقلت: لِمَ ذا قال فإن النبي (ص) أتى الناس بما اكتفوا به على عهده وبما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة) فهي دالة على أن الله تعالى جعل لكل واقعة من الوقائع المحتاج إليها حكماً وبينه لنبيه (ص) وهي بإطلاقها تشمل كل ما يحتاجون إليه سواء استقلت به عقولهم أم لا.
الوجه الرابع:قوله (ع): (كل شيء مطلق حتى يرد فيه أمر أو نهي أو نص أو أمر) على اختلاف الروايات ووجه الاستدلال: أن كل واقعة يتصور وقوعها من المكلفين أو بعضهم إما ورد فيها نص أو أمر أم لم يرد ولا ثالث لهما إذ المراد بالورود عثور المكلف عليه فجعل الحكم في الأول ظاهراً وأما الأخير فحكمه الإباحة لتلك الرواية فلم يبق واقعة إلّا وقد جعل الله تعالى لها حكماً من الأحكام الخمسة.
إلّا أن يقال إنها تثبت الحكم الظاهري والإباحة الظاهرية فيما لم يرد فيه نص لا الواقعي ومحل الكلام هو الأخير لا الأول، ولا يخفى أن هذا الإيراد ليس على ما ينبغي.
أما أولًا:إنا نمنع كون النزاع في جواز الخلو عن الحكم الواقعي بل هو أعم من الظاهري والواقعي كما هو الظاهر من لفظ الحكم في عناوين الأصحاب.
وأما ثانياً:فلأنه لو لم يكن كذلك لكان هذا الإيراد وارداً على أكثر الوجوه المتقدمة بل على كلها كما لا يخفى، فلا معنى للإيراد به على خصوص الوجه الرابع.
وأما ثالثاً:فلإمكان القول بأنها تثبت الحكم الظاهري والواقعي معاً كما يقول به المحقق الثالث.
لا يقال أن الرواية لو تمت فإنما تدل على عدم خلو الواقعة عن الحكم فيما يكون الحكم فيه أحد الأحكام الخمسة، وأما فيما لم يكن الأمر كذلك كما في المواريث وغيرها من المعاملات فلا تدل على ذلك. والحاصل إنها لا تدل على عدم خلو الوقائع من الأحكام الوضعية.
فإنه يقال النزاع ليس في الأحكام الوضعية، بل إنما هو في الأحكام التكليفية وإلّا فلا معنى للقول ب- أنه تعالى يجب عليه أن يجعل لكل شيء حكمين حكماً من الأحكام التكليفية وحكماً من الأحكام الوضعية من الصحة والفساد والطهارة والنجاسة والسببية والمانعية والشرطية والجزئية لأن ما يتصف بالصحة والفساد لا يتصف بالطهارة والنجاسة.
اللهم إلّا أن يقال باكتفاء جعل حكم وضعي واحد. فأقول إذا كان المراد ذلك فقد جعل الله تعالى لكل شيء حكماً، بقوله (ع): (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر) ولكن لا يخفى ما فيه، لأنه لا يجري في كثير من الأفعال هذا فيما كانت الواقعة محتاجا إليها. وأما إذا كانت الواقعة غير محتاج إليها للمكلفين ولا لبعض منهم كوقائع الحور العين في هذه الدنيا أو نكاح الجنية ومثل من صعد جرم الشمس والقمر جنبا أو حائضاً إلى غير ذلك: فوجهان يحتمل جواز الخلو، ويحتمل امتناعه لكن أقواهما عدم الخلو للنصوص الكثيرة الدالة على أن الله تبارك وتعالى بيّن لنبيه (ص) كل حلال وكل حرام حتى أرش الخدش فإنها مطلقة أو عامة كما هو كذلك في كثير منها، فنأخذ بعمومها ونحكم بعدم الخلو أيضاً ولو قيل أن نصوص أرش الخدش مطلقة وخصوص رواية درست مقيدة بخصوص الوقائع المحتاج إليها وبعد حمل المطلق على المقيد لا إطلاق فيها حتى نتمكن من التمسك بها.
قلنا إن تقييد نصوص أرش الخدش برواية درست فرع فهم العرف التخالف بين الخطابين ولا تخالف بينهما لكون كل منهما مثبتين فلا يحمل المطلق على المقيد لفقد شرط الحمل، ويمكن أن يقال أن فهم العرف التنافي إنما هو شرط في حمل العام على الخاص، أما في حمل المطلق على المقيد فهو ليس بشرط ألا ترى أنهم يحملون قول القائل (اشتري حُقَةً من اللحم) على لحم الغنم إذا قال بعده: (اشترِ حُقَةً من لحم الغنم) وكذلك قوله (اعتق رقبة) و (اعتق رقبة مؤمنة) حيث لا تخالف بينهما ومع ذلك يحمل المطلق على المقيد.
الوجه الخامس: الرواية الدالة على أنه تعالى جعل لكل واقعة مما يحتاج ومما لا يحتاج إليها حكماً، وهو مضبوط عند أمنائه تعالى، وهي ما رواه في الكافي في كتاب الحجة عن الحسين بن أبي العلاء (قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأي شيء فيه قال: زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم والحلال والحرام ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآناً وفيه ما يحتاج الناس إليه أو لا يحتاج إلى أحد حتى في الجلدة وبربع الجلدة وأرش الخدش). فهذه الرواية تدل على عدم الخلو في الوقائع المحتاج إليها بخصوصها وعلى عدم الخلو في الوقائع غير المحتاج إليها بخصوصها.
ثم لا يخفى عليك أن ما عدا الدليل الأول وهو قاعدة اللطف من الأخبار التي تمسكنا بها على المطلوب في المقامين لا يدل إلّا على عدم الخلو لا أنها تدل على امتناع الخلو كما هو محل النزاع، ولا ريب أن عدم الخلو لا يستلزم امتناع الخلو فلعل الخلو لم يكن ممتنعاً لكنه تعالى تفضلًا على العباد لم يخل شيئاً منها عن الحكم. فالأدلة الثلاثة الأخيرة في المقام الأول وما ذكر في المقام الثاني لا يبطل قول الخصم وهو عدم امتناع الخلو كما لا يثبت القول بامتناع الخلو. اللهم إلّا أن يكون النزاع في الخلو وعدم الخلو لا في امتناع الخلو وإمكانه، وهو كما ترى مخالفاً لصريح عنوان القوم لكن يمكن أن يقال أن النزاع وإن كان في امتناع الخلو وإمكانه إلّا أن ما يتفرع على القول بامتناع الخلو يتفرع على القول بعدم الخلو، ويترتب ثمرة القول بامتناع الخلو على القول بعدم الخلو،