بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 194

وواجب وهو معنى حجية العقل هذا وقد حكى عن المستصفى للغزالي في الجزء الأول منه أنه أتفق الفقهاء على أن الله له حكماً في كل مسألة.

والحق أن في المسألة تفصيل، بأن يقال: إن الواقعة إن كانت محتاجاً إليها المكلفون ولو واحد منهم من أول زمان البعثة إلى يوم القيامة بل وإن احتاج مكلف واحد مرة واحدة إلى حكم تلك الواقعة لم يجز خلوها عن الحكم وذلك لوجوه:

الوجه الأول:البرهان العقلي وهو أنه لا شك في أن جعل الحكم وإظهاره فيما يحتاج إليه العباد لطف، لأنه مقرب إلى الطاعة ومبعد عن المعصية أو إظهار للمصلحة أو المفسدة وكل لطف كذلك فهو واجب فالجعل واجب.

إن قيل إن البرهان المذكور لو يتم يثبت وجوب جعل الحكم في الواجب والحرام فقط دون المباح وأخويه أو دون المباح فقط لأنه لا يقرب إلى الطاعة ولا يبعد عن المعصية، وليس في شي‌ء من فعله وتركه مصلحة ولا مفسدة حتى يجب على الله تعالى من باب اللطف إظهارهما. وبالجملة الأفعال التي لا رجحان في فعلها ولا في تركها في الواقع لا يجب على الله تعالى جعل حكم الإباحة لها لأنه ليس بلطف واجب فلا تقتضي قاعدة اللطف عدم خلو شي‌ء من الوقائع عن الحكم.

قلنا أن عدم الإعلام بالمباح وأخويه يوجب الإخلال بالحرام والواجب، وذلك لأن جمعاً من العلماء يرون لزوم التحرز عن ما يحتمل التحريم ووجوب إتيان ما يحتمل الوجوب فيكون الأول عندهم حراماً ظاهراً والأخير واجباً ظاهرياً فحينئذ ربما يقع التعارض بين‌


صفحه 195

الواجب الواقعي وذلك الواجب الظاهري أو بين الحرام الواقعي والحرام الظاهري بحيث لا يمكن إتيانهما معاً في الأول وتركهما معاً في الأخير، فلابد من أن يرجع إلى المرجحات ويلاحظ فعل أيهما أهم فيأتي به أو ترك أحدهما أهم وأشد محذوراً فيتركه. فحينئذ ربما يرجح المكلف الواجب الظاهري على الواجب الواقعي أو ترك الحرام الظاهري على ترك الحرام الواقعي، فعدم الإعلام بالمباح وأخويه يوجب ترك ما هو واجب واقعاً وإتيان ما هو حرام واقعاً وهو خلاف اللطف.

فإن قيل إنا نمنع أن إعلام كل حكم لطف واجب لعدم ظهور كثير من الأحكام لكثير من المكلفين كما لا يخفى.

قلنا إعلام الأحكام وإظهارها للمكلفين واجب، لكن تعليقاً لا تنجيزاً، فلعله معلق على أمور لا نعلمها مثل أن لا يكونوا مقصرين، ومثل أن لا يكون في الإظهار مفسدة لهم إلى غير ذلك. وكيف ما كان فعدم إظهار بعض من الأحكام لا يدل على عدم وجوب الإظهار لإمكان أن يكون واجباً معلقاً على أمرٍ لم يتحقق بعد فتدبر وتفكر.

نعم هذا الدليل إنما يتم فيما لا يستقل به العقل، أما فيما يستقل به العقل فلا يتم لعدم وجوب اللطف فيه لكون العقل هو الحاكم فحكمه هو المقرب للطاعة المبعد عن المعصية، فاللطف موجود من جهة وجود حكم العقل من دون حاجة لحكم الشرع. نعم يتم بضمنية أن كلما حكم به العقل حكم به الشرع بالفعل.

الوجه الثاني:للنصوص الدالة على أنه تعالى جعل لكل واقعة حكماً وبينه لنبيه (ص) حتى أرشى الخدش.


صفحه 196

منها ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله في حديث طويل إلى أن قال (قلت: جعلت فداك وما الجامعة قال: صحيفة طولها سبعون ذراع بذراع رسول الله (ص) من فِلْق فيه وخط علي (ع) بيمينه، فيها كل حلال وكل حرام وكل شي‌ء يحتاج إليه حتى الأرش في الخدش)، إلى غير ذلك من الأخبار المستفيظة الدالة على ذلك المطلب، ومن أن الوقائع ليس شي‌ء منها خالٍ عن الحكم.

الوجه الثالث:خصوص رواية درست فإنه روى عن الإمام (ع) (إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به وإذا جاءكم ما لا تعلمون منها- واومى بيده إلى فيه- فقلت: لِمَ ذا قال فإن النبي (ص) أتى الناس بما اكتفوا به على عهده وبما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة) فهي دالة على أن الله تعالى جعل لكل واقعة من الوقائع المحتاج إليها حكماً وبينه لنبيه (ص) وهي بإطلاقها تشمل كل ما يحتاجون إليه سواء استقلت به عقولهم أم لا.

الوجه الرابع:قوله (ع): (كل شي‌ء مطلق حتى يرد فيه أمر أو نهي أو نص أو أمر) على اختلاف الروايات ووجه الاستدلال: أن كل واقعة يتصور وقوعها من المكلفين أو بعضهم إما ورد فيها نص أو أمر أم لم يرد ولا ثالث لهما إذ المراد بالورود عثور المكلف عليه فجعل الحكم في الأول ظاهراً وأما الأخير فحكمه الإباحة لتلك الرواية فلم يبق واقعة إلّا وقد جعل الله تعالى لها حكماً من الأحكام الخمسة.


صفحه 197

إلّا أن يقال إنها تثبت الحكم الظاهري والإباحة الظاهرية فيما لم يرد فيه نص لا الواقعي ومحل الكلام هو الأخير لا الأول، ولا يخفى أن هذا الإيراد ليس على ما ينبغي.

أما أولًا:إنا نمنع كون النزاع في جواز الخلو عن الحكم الواقعي بل هو أعم من الظاهري والواقعي كما هو الظاهر من لفظ الحكم في عناوين الأصحاب.

وأما ثانياً:فلأنه لو لم يكن كذلك لكان هذا الإيراد وارداً على أكثر الوجوه المتقدمة بل على كلها كما لا يخفى، فلا معنى للإيراد به على خصوص الوجه الرابع.

وأما ثالثاً:فلإمكان القول بأنها تثبت الحكم الظاهري والواقعي معاً كما يقول به المحقق الثالث.

لا يقال أن الرواية لو تمت فإنما تدل على عدم خلو الواقعة عن الحكم فيما يكون الحكم فيه أحد الأحكام الخمسة، وأما فيما لم يكن الأمر كذلك كما في المواريث وغيرها من المعاملات فلا تدل على ذلك. والحاصل إنها لا تدل على عدم خلو الوقائع من الأحكام الوضعية.

فإنه يقال النزاع ليس في الأحكام الوضعية، بل إنما هو في الأحكام التكليفية وإلّا فلا معنى للقول ب- أنه تعالى يجب عليه أن يجعل لكل شي‌ء حكمين حكماً من الأحكام التكليفية وحكماً من الأحكام الوضعية من الصحة والفساد والطهارة والنجاسة والسببية والمانعية والشرطية والجزئية لأن ما يتصف بالصحة والفساد لا يتصف بالطهارة والنجاسة.


صفحه 198

اللهم إلّا أن يقال باكتفاء جعل حكم وضعي واحد. فأقول إذا كان المراد ذلك فقد جعل الله تعالى لكل شي‌ء حكماً، بقوله (ع): (كل شي‌ء طاهر حتى تعلم أنه قذر) ولكن لا يخفى ما فيه، لأنه لا يجري في كثير من الأفعال هذا فيما كانت الواقعة محتاجا إليها. وأما إذا كانت الواقعة غير محتاج إليها للمكلفين ولا لبعض منهم كوقائع الحور العين في هذه الدنيا أو نكاح الجنية ومثل من صعد جرم الشمس والقمر جنبا أو حائضاً إلى غير ذلك: فوجهان يحتمل جواز الخلو، ويحتمل امتناعه لكن أقواهما عدم الخلو للنصوص الكثيرة الدالة على أن الله تبارك وتعالى بيّن لنبيه (ص) كل حلال وكل حرام حتى أرش الخدش فإنها مطلقة أو عامة كما هو كذلك في كثير منها، فنأخذ بعمومها ونحكم بعدم الخلو أيضاً ولو قيل أن نصوص أرش الخدش مطلقة وخصوص رواية درست مقيدة بخصوص الوقائع المحتاج إليها وبعد حمل المطلق على المقيد لا إطلاق فيها حتى نتمكن من التمسك بها.

قلنا إن تقييد نصوص أرش الخدش برواية درست فرع فهم العرف التخالف بين الخطابين ولا تخالف بينهما لكون كل منهما مثبتين فلا يحمل المطلق على المقيد لفقد شرط الحمل، ويمكن أن يقال أن فهم العرف التنافي إنما هو شرط في حمل العام على الخاص، أما في حمل المطلق على المقيد فهو ليس بشرط ألا ترى أنهم يحملون قول القائل (اشتري حُقَةً من اللحم) على لحم الغنم إذا قال بعده: (اشترِ حُقَةً من لحم الغنم) وكذلك قوله (اعتق رقبة) و (اعتق رقبة مؤمنة) حيث لا تخالف بينهما ومع ذلك يحمل المطلق على المقيد.


صفحه 199

الوجه الخامس: الرواية الدالة على أنه تعالى جعل لكل واقعة مما يحتاج ومما لا يحتاج إليها حكماً، وهو مضبوط عند أمنائه تعالى، وهي ما رواه في الكافي في كتاب الحجة عن الحسين بن أبي العلاء (قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأي شي‌ء فيه قال: زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم والحلال والحرام ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآناً وفيه ما يحتاج الناس إليه أو لا يحتاج إلى أحد حتى في الجلدة وبربع الجلدة وأرش الخدش). فهذه الرواية تدل على عدم الخلو في الوقائع المحتاج إليها بخصوصها وعلى عدم الخلو في الوقائع غير المحتاج إليها بخصوصها.

ثم لا يخفى عليك أن ما عدا الدليل الأول وهو قاعدة اللطف من الأخبار التي تمسكنا بها على المطلوب في المقامين لا يدل إلّا على عدم الخلو لا أنها تدل على امتناع الخلو كما هو محل النزاع، ولا ريب أن عدم الخلو لا يستلزم امتناع الخلو فلعل الخلو لم يكن ممتنعاً لكنه تعالى تفضلًا على العباد لم يخل شيئاً منها عن الحكم. فالأدلة الثلاثة الأخيرة في المقام الأول وما ذكر في المقام الثاني لا يبطل قول الخصم وهو عدم امتناع الخلو كما لا يثبت القول بامتناع الخلو. اللهم إلّا أن يكون النزاع في الخلو وعدم الخلو لا في امتناع الخلو وإمكانه، وهو كما ترى مخالفاً لصريح عنوان القوم لكن يمكن أن يقال أن النزاع وإن كان في امتناع الخلو وإمكانه إلّا أن ما يتفرع على القول بامتناع الخلو يتفرع على القول بعدم الخلو، ويترتب ثمرة القول بامتناع الخلو على القول بعدم الخلو،


صفحه 200

ولذا اكتفى القائلون بامتناع الخلو على إثبات عدم الخلو ولم يعترضهم الخصم بأن عدم الخلو لا يلازم ما تدعون من امتناع الخلو.

حكم الأفعال قبل الشرع‌

وتحرير محل النزاع في ذلك إن يقال إن الأفعال أما ضرورية لا يمكن البقاء والتعيش بدونها كالتنفس في الهواء، ولا خلاف في كونها غير ممنوع عنها لا شرعاً ولا عقلًا قبل ورود الشرع وبعده عند من لم يجوّز التكليف بما لا يطاق. وقد نسب القول بالتحريم إلى طائفة من الأشعرية. وأما غير ضرورية يمكن البقاء والتعيش بدونها وهي عند المعتزلة قسمان: ما يدرك بالعقل حسنها أو قبحها. وتنقسم إلى الأحكام الخمسة لأنه إذا اشتمل تركه على مفسدة فواجب أو فعله فحرام وإلّا فإذا اشتمل فعله على مصلحة فمندوب أو تركه فمكروه، وإن لم يشتمل أحد طرفيه على مصلحة ولا مفسدة أو كانا متساويين فمباح.

وما لا يدرك العقل حسنها ولا قبحها لكنها مما ينتفع بها كشم الورد وأكل الفاكهة مثلًا، فهذه قبل ورود الشرع ممّا اختلف في حكمها فأكثر أصحابنا كالسيد المرتضى في الذريعة والعدة والعلامة في التهذيب وغيرهم والمعتزلة والبصريين ونسب إلى أبي حنيفة وأصحابه وجملة من فقهاء الشافعية على أنها على الإباحة. وذهب بعض علمائنا والمعتزلة البغداديين ونسب إلى أبي علي ابن أبي هريرة من الشافعية من الأشاعرة وإلى بعض أصحابنا من الأخبارية على أنها على الحظر والتحريم وذهب إلى الوقف الشيخ المفيد (ره) والشيخ الطوسي (ره) من أصحابنا وأبو بكر الصيرفي، وينسب إلى ظاهر المعارج والحاجبي والعضدي وحكي عن أبي الحسن الأشعري، ونسب أيضاً إلى أبي علي‌


صفحه 201

ابن أبي هريرة من الأشاعرة. فهؤلاء حكي عنهم القول بالوقف بمعنى أنا نجزم أن هناك حكماً ولم نعلم ما هو إباحة أو تحريم، ولا خلاف بين هذه الفرقة وبين من قطع على الحظر في وجوب الكف عن الإقدام إلّا أنهم اختلفوا في التعليل فمن قال بالحظر إنما كف لأنه اعتقد أنه مقدم على محرم مقطوع به ومن قال بالوقف إنما كف لأنه لا يأمن من كونه قادماً على محظور قبيح، وبعضهم فسر محظور قبيح وبعضهم فسر الوقف بأنه لا ندري هل فيها حكم أم لا؟ وعلى تقدير وجود الحكم فلا نعلم أنه إباحة أو حرمة؟ وذهبت الأشاعرة كالحاجبي وغيره إلى أنه لا حكم لها قبل ورود الشرع. ثم القائلون بالإباحة اختلفوا في كونها إباحة واقعية كما هو المحكي عن المحقق الثالث أم ظاهرية كما هو المحكي عن جماعة من علمائنا؟ ثم أن الظاهر أن مرادهم بالإباحة هي الإباحة بالمعنى الأخص المقابلة للأحكام الأربعة وهي ما لا رجحان لفعله ولا لتركه لا الإباحة بالمعنى الأعم وهي الشاملة لما عدا الحرام.

ثم إنه لم يعلم المراد لهم من قبل الشرع، فيحتمل أن مرادهم قبل بعثة الرسل أو قبل فرض بعثتهم أو قبل بعثة نبينا (ص) أي زمان الفترة الجاهلية أو قبل العثور على الدليل الشرعي في شريعة نبينا (ص) أو المراد بالقبلية هو مع قطع النظر عن الدليل الشرعي فتكون الاحتمالات خمسة، والاحتمال الأول والثاني لا فائدة في البحث عنهما إلّا من جهة التمسك بالاستصحاب، والاحتمالات الثلاثة الأُخر خلاف ظاهر عناوينهم مضافاً إلى أنه يصبح البحث على تقديرها هو