بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 202

البحث في مسألة أصالة البراءة، ولذا آثرنا في هذا المقام أن ننقل كلمات القوم دون أن نعمل الفكر والدقة في صحتها وسقمها.

احتج القائلون بالأول بأنها منفعة خالية عن مادة المفسدة العاجلة والآجلة، والأذن في التصرف معلوم عقلًا فكانت حسنة، أما أنها منافع فظاهر، وأما أنها خالية عن المفسدة فلأنه المفروض، وأما أن الأذن في التصرف معلوم عقلًا فلأنها لا مضرة في الانتفاع بها على المالك، وأما إن كان كذلك فهو حسن لإنا نعلم حسن الاستظلال تحت جدار الغير والنظر في مرآته إذا خلا عن أمارات المفسدة وكان غير مضر بالمالك لأن العلم بالحسن دائر مع العلم بهذه الأوصاف وهي موجودة فيما نحن فيه فوجب الجزم بحسنها وإنها مباحة وهذا معنى قولهم منافع بلا مفسدة.

فإن قيل عدم حصول العلم بمفاسدها لا يوجب خلوها عنها لاحتمال اشتمالها على مفاسد غير معلومة، ولِمَ لا يجوز أن يكون احتمال المفاسد كافياً في كون الشي‌ء قبيحاً فلا يتم ما ذكرتم.

قلناأولًا:أنه لو قبح الإقدام لاحتمال المفسدة لقبح الترك لاحتمال المفسدة أيضاً، ووجوب الإنفاك عن كل واحد منهما يستلزم التكليف بما لا يطاق لاستحالة ارتفاع النقضين.

ثانياً:إن العبرة في كون الشي‌ء قبيحاً اشتماله على مفسدة مستندة إلى إمارة، وأما احتمال المفسدة الخالية عن الإمارة فلا يعتد بها ألا ترى أنهم يلومون من امتنع عن الجلوس تحت حائط محكم البنيان لا ميل فيه باحتمال سقوطه، ويحكمون بأن تجويز العقل من غير إمارة على ذلك‌


صفحه 203

ملحق بظن أصحاب الجنون والسوداء ونحو ذلك وهذا يدل على أن الشي‌ء إذا كان خالياً عن إمارات المفسدة لا قبح فيه عقلًا.

ثالثاً:أنا نعلم قطعاً حسن التنفس في الهواء من العقلاء وأن يدخلوا منه أكثر مما تحتاج إليه الحياة، وإن من رام الاقتصار على قدر ما تحتاج اليه الحياة فقط، ذمه العقلاء على ذلك بل عدّوه من المجانين والسفهاء وليس ذلك إلّا لكونه منفعة خالية عن المفسدة وذلك حاصل فيما نحن فيه فيكون حسن.

إن قلت أن الحكم بالحسن فيما نحن فيه لا يجتمع مع فرض أنه مما لا يدرك بالعقل حسنه ولا قبحه.

قلنا أن المراد من أن العقل لا يدرك الحسن والقبح فيها، هو عدم إدراكه بالنسبة إلى خصوص كل فعل لعدم ادراكها الجهة الموجودة فيه المقتضية لحكم العقل بالحسن أو القبح. وأما بعنوان أنه مما لا يدرك بالعقل جهة حسنه أو قبحه فهو يحكم بحسنه نظير أن يقال أن هذا الشي‌ء لا يحكم بإباحته لكنه بعنوان أن مشكوك الإباحة والحرمة يحكم بإباحته.

وبعبارة أخرى أن الأحكام تختلف باختلاف العنوان فيجوز أن لا ندرك حسن الفعل أو قبحه إذا لوحظ بخصوصه وإذا لوحظ بعنوان آخر يدرك العقل حسنه أو قبحه ويحكم حكماً عاماً بالحسن بالنسبة إلى الجميع.

ويمكن أن يجاب أيضاً عن ذلك بأن المراد أن العقل لا يدرك حسنها ولا قبحها ابتداء مجردة عن ملاحظة شي‌ء آخر ولا ينافي ذلك حكمه بالحسن عاما بالنظر إلى الدليل.


صفحه 204

وأحتج القائلون بالحرمة بوجهين:

أولهما:بأن ذلك تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو قبيح عقلًا.

والجواب إنا لا نسلم كونه تصرفاً بغير إذن المالك فإن الأذن في مثله معلوم بالعقل كالاستظلال بحائط الغير فإنا نعلم قطعاً إذنه في ذلك سلمنا. لكن لا نسلم أن التصرف في ملك الغير مطلقاً حرام، وإنما هو فيما يتضرر به المالك والله (عز و جل) منزه عن التضرر فلا يحرم.

ثانيهما:إن الفعل المتنازع فيه قبل الشرع يحتمل المفسدة والمضرة ولو وهماً واحتمالًا مرجوحاً، وإذا ثبت احتمال المضرة فيجب دفع الضرر المحتمل بحكم العقل.

وجوابه ما عرفته في جواب (إن قلت) الأولى في حجة القائلين بالحرمة.

واحتج القائلون بالتوقف، إن أحكام الشرع متلقاة من الشارع وحيث لا شرع فلا حكم.

والجواب أن العقل هو الحاكم بأن الشرع حكمه كذلك.

اشتراك الأحكام بين الموجودين والمعدومين‌

إذا ثبت حكم لأحد المكلفين بخطاب لفظي أو بغيره مفيد للعموم أو لا فهل القاعدة تقتضي اشتراك سائر المكلفين معه في ذلك الحكم إذا اتحدوا في موضوع ذلك الحكم وشرائطه؟ والظاهر أنهم اتفقوا على عدم الاشتراك مع إحراز الاختلاف في الموضوع أو الشرائط، كما أن محل البحث فيما أحرز تمام موضوع الحكم وشرائطه وإنما احتمل أن حضور زمان الخطاب أو كون المكلف نبياً أو إماماً أو رجلًا أو أنثى أو حراً أو


صفحه 205

عبداً أو نحو ذلك يكون قيداً للحكم، كما سيتضح لك ذلك من مطاوي كلماتهم.

ثم لا يخفى أن هذه المسألة من المسائل التي تغلب الحاجة إليها في الفروع إذ معظم الأدلة لم يرد بعنوان قضية كلية حتى تشمل الأحوال والأزمان والأشخاص، بل وردت في وقائع خاصة دعت الحاجة للمكلفين للسؤال عنها أو وردت بنحو التقرير أو الفعل فلا عموم فيها ولا ينفع في ذلك القول بعموم الخطابات الشفاهية كما ذ هب إليه جملة من المحدثين لأنه أخص من المدعى إذ في الخطابات ما ورد مختصاً بالنبي (ص) وما ورد مختصاً بأهل البيت (ع) وما ورد مختصاً بالمؤمنين أو بالمسلمين أو بالرجال دون الإناث، وما ورد مختصاً بالأحرار أو بالعبيد وما ورد مختصاً بشخص واحد في ظاهر اللفظ كلفظ (إفعل وإفعلي) مما يختص بواحد كما لا يخفى على المتتبع في الروايات بل الخطابات العامة التي يدعى شمولها للكل أقل قليل في الباب بالنسبة إلى غيرها، مع إن الكثير قد ذهب إلى عدم ا لعموم في الخطابات الشفاهية على ما قرر في الأصول. والحق أن الأصل هو الاشتراك ولنا على ذلك وجوه:

الوجه الأول:ما ذكره واشار إليه غير واحد كصاحب الضوابط وصاحب العناوين وهو أنه قد قرر في محله عدم خلو الواقعة المحتاج إليها عن الحكم بمقتضى الأخبار ومصير الأخيار واعتضاد العقل السليم كما تقدم منا تحريره مفصلًا، فإذا ثبت لأحد في واقعة حكم فينبغي ثبوته لغيره أيضاً في تلك الواقعة لعدم إمكان خلو الواقعة عن الحكم، واستلزام‌


صفحه 206

الحكم الجديد تعدد الجعل والتشريع، فالأصل يقتضي بعدمه وهذا في صورة كون الحكم المجعول إباحة لا كلام فيه لوضوح توقف جعل حكم غيرها على أمر جديد منفي بالأصل. وليس لأحد أن يقول عموم الإباحة أيضاً مستلزم لجعل متعدد.

لإنا نقول يلزم ذلك لو لم تكن الإباحة مجعولة بجعل عام، والمفروض ثبوته فيها فالدخول تحتها لا يحتاج إلى حادث جديد وجعل جديد بخلاف الخروج عنها، وكذا لو كان الحكم للحاضرين غير الإباحة وانتفى احتمال الإباحة في المعدومين بأن لا يحتمل في المعدومين الإباحة بل يقطع بعدمها ويصير حكمهم مردداً بين الأحكام الأربعة فمقتضى القاعدة اشتراكهم مع الحاضرين في حكمهم في تلك الواقعة لامتناع جعل الحكمين المتضادين بجعل واحد، وأصالة عدم جعل آخر لحكم آخر وهذا يقتضي الاشتراك معهم في الحكم في تلك الواقعة. وأما في صورة احتمال الإباحة في المعدومين فنقول أيضاً جعل الإباحة لهم على خلاف حكم الحاضرين في تلك الواقعة أمر مشكوك فيه، والأصل عدمه وعموم دليل الإباحة غير نافع بعد خروج الواقعة عنها في زمن الحاضرين ولا ندري أن ذلك على الإطلاق أو لا. اللهم إلّا أن يقال بالاقتصار على القدر المتيقن من مورد الدليل وهم الحاضرون، والتمسك في محل الشك وهم المعدمون بأصالة البراءة.

ويمكن دفعه بإثبات الاشتراك هنا بعدم القول بالفصل بين هذه الصورة والصورتين المتقدمتين وتنظرّوا فيه من وجهين:

أولهما:منع حجيته بضميمة الأصل.


صفحه 207

ثانيهما:إمكان قلبه بإثبات عدم الاشتراك هنا بالأصل، وإلحاق غيره به بعدم القول بالفصل ويندفع بضعف الأول وعدم مقاومة الأصل الحكمي للأصل الموضوعي في الثاني.

إن قيل على القول بجواز خلو الواقعة عن الحكم لا يتم هذا الوجه لأصالة عدم الحكم في غيره. قلنا:

أولًا:لا نسلم القول بخلو الواقعة عن الحكم في مثل الفرض إذ القائلون به أرادوا خلوا الواقعة عنه بالمرة. وأما ثبوته فيها لبعض وخلوها عنه لآخرين فهذا لم نجد من صرح بذلك فهو منفي بالإجماع المركب.

ثانياً:نقول كما يحتمل تعلق الحكم على الحاضرين فقط، فكذلك يحتمل تعلقه بهم وبالمعدومين بجعل واحد منفي أحدهما بالأصل غير ممكن.

والحاصل أن الجعل لحكم الواقعة كان متحققاً، وإنما نشك في أنه قد جعل لها بالنسبة للحاضرين والغائبين والمعدومين أو جعل لخصوص الحاضرين فقط، فالعلم الإجمالي بأحد الجعلين موجود فلا يجري الأصل لرفع أحدهما.

ثالثاً:نقول محل البحث الاشتراك في الأحكام في قبال التغاير بين الأحكام لا في مقابل عدم الحكم كما في أفعال البهائم وغير المكلفين. فالخلو عن الحكم خارج عن محل النزاع حقيقة فلا وجه لإدراجه فيه. هذا حاصل هذا الدليل بتوضيح مّنا. ولا يخفى ما فيه على الفطن فإنه يرجع إلى التمسك بأصالة عدم تعدد الجعل لحكم الواقعة، وهو يلزمه‌


صفحه 208

الاشتراك بين الحاضرين والمعدومين. والأصل ليس بحجة فيما يلزمه عقلًا لما تقرر في محله من عدم حجية الأصل المثبت، وأيضاً فيه تمسك بالقول بعدم الفصل وهو في هذه المسألة في هذا الفرع منها لو سلمنا فهو غير كاشف عن رأي المعصوم (ع) وفي صورة العلم الإجمالي المذكورة فإنه يرجع لدوران الأمر بين خصوص الحاضرين وبين التعميم لهم وللغائبين، والكثير قد ذهب إلى الأخذ بالقدر المتيقن وهو في المقام خصوص الحاضرين. ويجري أصل البراءة عن الباقين لأنهم كان الجعل مشكوكاً بالنسبة إليهم بالشك البدوي. وعليه فيكون أصل عدم جعل الحكم لغير الحاضرين معارضاً لأصل عدم جعل حكم آخر لهم.

الوجه الثاني:الاستصحاب وتقريره أن الحكم إذا ثبت لواقعة في زمان وشك في زوال ذلك الحكم عنها في زمان آخر باحتمال كونه قيداً فيه وعدمه باحتمال كونهم مورداً إذ الفرض عدم دليل على الاختصاص فمقتضى الاستصحاب بقاء الحكم المجعول، ويلزم من ذلك تعلقه بمن يجي‌ء بعدهم أيضاً إذ لا معنى لبقاء الشريعة والأحكام إلّا جريانها في المتجددين من أهل التكليف. وعلى هذا مدار أستصحاب الاديان وأستصحاب الأحكام الشرعية في الشبهات الحكمية، ودعوى أن بقائها على حسب ما ثبت فيه من الموضوع، والموضوع كان هو خصوص الحاضرين دون المعدومين ولا أقل من احتمال ذلك فلم يحرز بقاء الموضوع وهو شرط في حجية الاستصحاب مدفوعة بأن المعتبر في الاستصحاب هو بقاء الموضوع عند العرف، والموضوع للحكم هو نفس الواقعة وبقائه في نظير العرف لا يتوقف على بقاء المكلفين به في وقت‌


صفحه 209

التكليف. نعم بقي تشخيص الواقعة التي كانت موضوعاً للحكم على الحاضرين وهو إنما يتأتى لنا تشخيصه بالرجوع لمفاد اللفظ وقرائن الأحوال والمقال.

فإن قيل هذا أخص من المدعى لعدم استلزام ثبوت الحكم لجميع المعدومين المبتلين بالواقعة لأن الاستصحاب إنما يقتضي بقاء الحكم، وبقاء الحكم يتحقق ولو ببقائه في واحد منهم فلا يفيد هذا الدليل عموم الاشتراك.

قلنا يتم الكلام في غير ذلك بعموم دليل الاستصحاب للجميع.

الوجه الثالث:ظهور اتفاق الأصحاب على ذلك كما يشهد به استمرار سيرتهم على الاستدلال بالخطابات الخاصة في إثبات عموم الحكم خلفاً بعد سلف، وليس ذلك لقولهم بعموم الخطابات الشفاهية قطعاً لتصريح الأكثر في الكتب الأصولية بعدم العموم ولتمسكهم بما لا يجي‌ء فيه احتمال العموم. وبهما يندفع ما قيل إنه لو لم يكن لعموم الخطاب، لزمهم التنبيه على د ليل الاشتراك إذ هو العمدة لمعارضته أولًا بما مرّ واندفاعه ثانياً باتكالهم على الضرورة أو القاعدة، وهذا مؤيد آخر للاشتراك فإن سكوتهم في إقامة الحجة عليه كاشف عن كونه من ضرورية الدين.

فإن قيل لو كان أصحابنا مجمعين على ذلك لما اختلفوا في وجوب صلاة الجمعة ونحوه من الفروع.

قلنا ليس ذلك لمنع الاشتراك بل لاحتمالهم كونه مشروطاً بوجود الإمام ونائبه الخاص، وورود الإطلاق مورد الغالب من كون المخاطبين‌