بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 2

بسم الله الرحمن الرحيم‌

المقصد الأول: في الحكم الشرعي‌

تعريف الحكم عند الأصوليين والفقهاء:-

الحكم عند الأصوليين كما عرّفه العلامة الحلي (ره) بأنه: الخطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

ومعنى الخطاب:هو الكلام الذي قصد به مواجهة الغير سواء قصد إفهامه أم لا.

ومعنى الاقتضاء:الطلب للفعل أو الترك كالوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة

ومعنى التخيير:هو جعل الفعل باختيار الإنسان إن شاء أتى به وإن شاء تركه، وقد حكى التعريف المذكور المصري في نهايته عن ابن الحاجب وصوّبه فيها إلّا أنه ذكر الله سبحانه وتعالى مكان الشرع كما نسب هذا التعريف للأشاعرة. وقد أعترض على هذا التعريف:

أولًا:بما نسب للمعتزلة من أنه أشتمل على اللفظ (أو) وهي موضوعة للترديد والشك، والمقصود من الحد إنما هو الكشف والإيضاح فيكون الترديد منافياً للتحديد.

وأجاب عنه الأشاعرة: بأن (أو) هنا ليست للشك بل هي لأقسام المحدود وتفصيله كما قالوا: الكلمة اسم أو فعل أو حرف.

ثانياً:خروج الأحكام الثابتة بالسنة والإجماع والعقل إن كان الشرع هو الله سبحانه وتعالى، أو الإجماع والعقل إن كان الله سبحانه وتعالى والنبي (ص) وخلفاؤه.


صفحه 3

والجواب عنه: بأن الخطاب الثابت بما ذكرت يرجع إلى الله سبحانه وتعالى بنوع اعتبار.

ثالثاً:خروج الكثير من الأحكام الشرعية كوجوب الزكاة في مال الصبي وضمانه لما أتلفه، وكصحة صلاته وحجه وصومه ويثاب على ذلك، وكأمره بالصلاة لسبع، وكوجوب الحداد على الصغيرة غير البالغة المتوفى عنها زوجها كما قيل فإنها أحكام شرعية ومتعلقة بفعل غير مكلَف فالأولى أن يقال ب- (أفعال العباد أو بأفعال الناس) ونحو ذلك ليشمل أفعال الصبيان. وأجيب بأن ذلك ليس بأحكام للصبي بل هي أحكام لوليه. والصحة والفساد ليسا من الأحكام الشرعية نظير أن يقال انه صلى أو صام. ولا يخفى ما فيه فإن استحباب صلاته وصومه أحكام لنفس الصبي إلّا أن يقال أن الاستحباب لوليه في أن يصلّيه وفي أن يصوّمه وأن يحّج به ونحو ذلك، والذي عرف بهذا التعريف يرى أن الثواب للولي لا للصبي.

والتحقيق أن يقال: إن المكلَف في هذا التعريف قد استعمل في معناه اللغوي العرفي الاشتقاقي، فإن ألفاظ التعريف كما عرفته منا وقررناه غير مرة ولا سيما التعاريف المذكورة في صدر الكتب حيث أنها يقصد بها التوضيح فلا تؤخذ في التعريف إلّا بمعانيها الظاهرة فيها عند العرف العام وعليه فالمكلَف معناه: هو من وضع في حقه التكليف. وعليه لو ثبت أن الصبي قد وضع عليه التكليف كما يقال في المميز منه، فنلتزم أنه من المكلفين ويدخل أحكامه الشرعية في التعريف، وأما إذا قلنا أنه غير مكلَف فليس له أحكام حتى تدخل في التعريف.


صفحه 4

نعم لو نقول أن المكلَف هو من تلبس بالتكليف، والتكليف مأخوذ من الكلفة والمشقة. والكلفة والمشقة إنما تكون في التكاليف الإلزامية، والصبي ليس عليه تكاليف إلزامية وإنما عليه تكاليف استحبابية أو وضعية تحقق الإيراد ولزم تبديل لفظ المكلفين بالناس أو العباد.

رابعاً:إن هذا الحد يلزم منه الدور، فإن المكلَف من تعلق به الحكم الشرعي فلا يُعرَف الحكم الشرعي إلّا بعد معرفة المكلَف لأخذه في تعريفه، ولا يعرف المكلَف إلّا بعد معرفة الحكم الشرعي لأنه قد أخذ في تعريفه.

والجواب عنه: بأن المكلَف يُعرَف بالعاقل البالغ فلا يكون الحكم الشرعي مأخوذاً في تعريفه، ولكنك قد عرفت أن المكلَف مستعمل بمعناه الاشتقاقي وهو من وضع في حقه التكليف فمعرفة المكلَف موقوفة على معرفة التكليف لا الحكم.

خامساً:خروج ما تعلق بمكلف واحد من الأحكام الشرعية كخصائص النبي (ص) والحكم بشهادة خزيمة بن ثابت الأنصاري وحده، وأجزاء الأضحية بالعتاق في حق أبي برده وحده، وذلك خارج عن الحد لتقييده بالمكلفين فإنه جمع محلى بالألف واللام وأقله ثلاثة. إن قلنا أنه لا يعم فلو عُبّر بالمكلف لصحّ حمله على الجنس، بل لا يشمل الأحكام المتعلقة بنوع خاص من المكلفين كالمتعلقة بالنساء والعبيد ونحو ذلك.

والجواب عنه: بأن هذا وأمثاله قد خرج بالدليل ولولا ذلك لجرى عليه الحكم لدخوله تحت المكلفين.


صفحه 5

وقد يجاب عنه: بأن هذا من قبيل قولنا (زيد يركب الخيل) في حين أنه لم يركب إلّا واحد منها، وليس فيه مجاز بإطلاق الجمع على الواحد بل يفهم منه أن ركوبه متعلق بجنس هذا الجمع لا بجنس آخر. والمراد هنا أنه متعلق بجنس الأفعال. ولا يخفى ما فيه فإنه مجاز لوضع (آل) الداخلة على الجمع للعموم فالأولى أن يجاب: أن القرينة موجودة على عدم إرادة المعنى الحقيقي، لأنه قطعاً لم يرد به الخطاب الواحد المتعلق بجميع أفعال المكلفين فلابد من أن يراد الجنس لأنه أقرب المجازات.

سادساً:أن التقييد بالأفعال يخرج المتعلق بالاعتقاد بأصول الدين وبالأقوال كتحريم الغيبة والنميمة، ومثل الله عادل وواحد، فإنها أيضاً أحكام شرعية إلّا أن يقال أن العدل والوحدانية أحكام واقعية غير مجعولة للشارع، ويخرج أيضاً وجوب النية مع إن الجميع أحكام شرعية.

والجواب عنه: بحمل الفعل على ما يصدر من المكلف وهو أعّم من فعل للقلب والقول. وفيه نظر لأنه اقتضى اشتمال الحد على التجوز، وهو غير جائز عندهم إلّا مع القرينة.

سابعاً:إن من الأحكام ما يتعلق بالذوات لا بالأفعال كسببية الزوال لصلاة الظهر، وكطهارة المبيع سبب لجواز الانتفاع به، وكالنجاسة مانعة من الصلاة. إلّا اللّهم إذا قلنا: بان الحكم الوضعي يرجع للحكم التكليفي فمعنى سببية الزوال لوجوب الصلاة هو وجوب إتيانها عنده إلى غير ذلك، كما ذهب إليه قسم من الخاصة والعامة.


صفحه 6

ويمكن الجواب عنه: بأن هذا من قبيل حرمة الميتة وحرمة الأمة فإن المتعلق فيها هو الفعل وهو الأكل والنكاح، فمعنى ضمان اليد هو أخذها سبب للضمان مثلًا. ولكن الإشكال يتحكم في مثل سببية الزوال فإنه لا يرجع إلى التعلق بفعل المكلف إلّا إذا قلنا بأن السببية ونحوها أو مطلق الأحكام الوضعية ترجع للأحكام التكليفية.

ثامنها:ما نسب المعتزلة في مقابل الأشاعرة من ان الخطاب عندكم أيها الأشاعرة قديم، والحكم حادث لكونه متصفاً بالحصول بعد العدم، كقولنا: حلت المرأة بعد إن لم تكن حلالًا، ولكونه معللًا بالحوادث كقولنا: حلت بالنكاح وحرمت بالطلاق.

وأجابت الأشاعرة بالمنع من اتصاف الحكم بالحصول بعد العدم بل المتصف بذلك هو المتعلق. والمعنى تعلق الحل بها بعد ما لم يكن متعلقاً.

والحاصل أن الحكم قديم بقدم الذات، وإنما الحادث هو تعلقه. وهكذا تعليل الخطاب بالحوادث فإن الخطاب قديم والحوادث تقتضي حدوث تعلق الخطاب القديم بها، مضافاً إلى إنا نمنع تعليل الحكم بالحادث بمعنى تأثير الحادث فيه، بل معناه كون الحادث إمارة عليه ومعّرِفاً له حيث أن العلل الشرعية إمارات ومعرفات لا موجبات ومؤثرات. والحادث يصلح إمارة ومعرفاً للقديم كالعالم معّرِف للصانع.

ولا يخفى عليك ما فيه فإن التعليق قديم عند الأشاعرة ولا وجه للمنع المذكور فإن ظاهر الأدلة أنها علل لا أسباب.

تاسعاً:إن الحكم صفة للفعل وقائم به فيقال: هذا الفعل حرام، وهذا الفعل واجب. وخطاب الله صفة قائمة بذاته تعالى لا مدخل للأفعال في‌


صفحه 7

حلولها بها. ودعوى أنه يقال: الله تعالى حاكم فلابد من أن يكون الحكم قائم به كما صدر بذلك من القاضي روزبهان. مدفوعة بأن معنى الحاكم كالضارب هو من صدر منه الحكم لا من قام به الحكم.

عاشراً:إن قول القاضي بعد قيام البينة مثلًا (الدار لزيد) من الحكم الشرعي، ويطلق في استعمالاتهم عليه الحكم الشرعي.

ويمكن الجواب عنه بأن المقصود تعريف الأحكام المجعولة للشارع والتي هو أنشأها، وحكم القاضي ليس كذلك.

الحادي عشر:إن وضع الماهيات كالصلاة والحج والصوم يشمله التعريف بقوله (أو الوضع) مع أنها ليست بأحكام.

الثاني عشر:إن التفسير المذكور للحكم لا يلتئم مع تعريف الفقه المعروف لأنه قد عُرّف بأنه (العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية) ومن جملة الأدلة آيات الأحكام، وهي خطابات الله المتعلقة بأفعال المكلفين فيلزم اتحاد الدليل والمدلول، ولو عمّ خطاب الله على وجه يشمل خطاب الرسول (ص) لزم المحذور في خطابات الرسول أيضاً. وهذا الإيراد إنما يتوجه على من لا يقول بالكلام النفسي، وأما القائلون به وهم الأشاعرة الذين منهم الغزالي صاحب هذا التعريف للحكم فقد ذكروا أنه غير وارد، لأن المدلول أعني الحكم الشرعي حينئذ عبارة عن الكلام النفسي والدليل هو الكلام اللفظي فلا يتحد الدال والمدلول، ويصير مفاد تعريف الفقه: هو العلم بالكلام النفسي عن الكلام اللفظي.


صفحه 8

وتنقيح المقام‌يستدعي نقل الكلام عن العلماء الأعلام فنقول: قد ذكر غير واحد أنه لا إشكال عند المسلمين إن الله متكلم، وإنما وقع الخلاف في معنى كلامه. وفي قدمه وحدوثه وسبب الخلاف هو تحقق قياسين متعارضين:

أحدهما:أن كلامه تعالى صفة له، وكل ما هو صفته فهو قديم فكلامه قديم.

وثانيهما:أن كلامه تعالى مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك فهو حادث. فكلامه حادث، فبسبب تعارض هذين القياسين اختلفت الأمة على مذاهب أربعة:

فذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أنه لفظ حادث، وقالوا بصحة القياس الثاني وأبطلوا صغرى القياس الأول، وقالوا: إن كلامه تعالى ليس قائماً بذاته بل خلقه تعالى في غيره كالشجرة وجبرائيل والنبي (ص) فمعنى كونه تعالى متكلماً حينئذ إنه يخلق الكلام، وإنه قادر على إيجاده، وإيجاد الألفاظ الدالة على مراده ومراميه، فتكون المتكلمية عندهم ليست صفة في عرض سائر الصفات بل هي من شؤون القدرة مثل الخالقية فهي من صفات أفعاله، ولا يلزم من ذلك قيام الحادث بالقديم، فإنه يكون كلامه نظير خلقه تعالى للأشياء الحادثة، فإن الذي منع منه الفلاسفة هو قيام الحادث بذات القديم، وصفات الأفعال ليست بصفات حقيقية له تعالى حتى تكون عين ذاته، وإنما هي إضافة محضة كالخالقية والرازقية فهي خارجة عن الذات وحادثة، ولا منافيات بين حدوث الأثر وقدم الفاعل المختار.


صفحه 9

والحاصل أنه يكون كلام الله عندهم هو بمعناه اللغوي، وهو الكلام اللفظي لا النفسي، ونسبته لله تعالى من قبيل نسبة المعلول إلى العلة.

وقالت الحنابلة والكرامية والأشاعرة إنه لابد من قيام الكلام بذاته تعالى لأن صدق المشتق عليه حقيقة يستدعي قيام المبدأ به. واختلفوا فيما بينهم، فذهبت الحنابلة والحشوية إلى قدم الحروف والأصوات القائمة بذاته تعالى، وصحة القياس الأول والمنع عن كبرى القياس الثاني حتى بالغ بعضهم في ذلك فقال: الجلد والغلاف قديمان فضلًا عن المصحف.

ولا يخفى ما فيه فإن الوجدان يكذب قولهم، كيف والصوت والحروف من الأمور التدريجية؟ فلا يوجد اللاحق إلّا بعد انعدام السابق فيكون اللاحق حادثاً لوجوده بعد العدم، والمركب من الحادث حادث، وقد ضُرِب إمامهم أحمد بن حنبل ضرباً شديداً في عصر المعتصم العباسي ليرتدع عن هذا القول كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي.

وذهبت الكرامية بعد أن وافقوا الحنابلة في أن كلامه تعالى مركب من الأصوات والحروف، وأنه حادث لكنهم ذهبوا إلى قيامه بذاته تعالى وجوزوا قيام الحوادث بذاته تعالى، وصححوا القياس الثاني ومنعوا عن كبرى القياس الأول، فيلزم عليهم ربط الحادث بالقديم. وقالوا: إن كل فعل كان قائماً بالذات فهو حادث بالقدرة غير محدث وإن كان مبائناً للذات فهو محدث بقوله (كن) لا بالقدرة.

وذهبت الأشاعرة إلى حدوث الحروف والأصوات وعدم قيامها بذاته تعالى. وقالوا بقدم كلامه تعالى وأنه ليس تلك الحروف والأصوات، وإنما هو معنى قائم بذاته تعالى يسمى بالكلام النفسي هو