العادة قد جرت بعدم وقوع الكذب منه تعالى وتقدست أسماؤه وعدم إظهار المعجزة على يد الكاذب.
ولا يخفى فساد هذا الجواب فإن ما ذكروه إنما يتم بعد ثبوت العادة ولا عادة في الأول وهو عدم وقوع الكذب منه تعالى من أول الأمر وفي أول الخلقة فيجوز أن يكون كاذباً وإذا كان في الحال الأول يصدر منه الكذب فيجوز في الحال الثانية منه يصدر الكذب أيضاً، فلا تتحقق العادة على الصدق ولم يحصل العلم بتحققها لعدم حصول العادة. وهكذا فلا يحصل الجزم بعدم وقوع الكذب منه تعالى وهكذا نقول في إظهار المعجزة على يد النبي (ص) الأول لعدم حصول العادة حينئذ وهكذا فيلزم أن لا تثبت نبوة أحد من الأنبياء ().
وإن شئت قلت إن أردتم جريان العادة منه تعالى لكل المكلفين فبطلانه واضح إذ لم يحصل الجريان لجميعهم لعدم تلقيهم لأخباره تعالى وإن أريد لبعضهم بارائته عادته تعالى على الصدق لهذا البعض فينقل الكلام للبعض الآخر.
لا يقال نحن نقول الكذب وإظهاره المعجزة على يد الكاذب نقص يجب تنزيهه عنه تعالى وتقدست أسماؤه.
لإنا نقول النقص في الأفعال يرجع إلى القبح العقلي، لأن كون الفعل صفة نقص ليس إلّا لكونه قبيحاً عقلا كما صرح به صاحب المواقف وغيره من محققيكم. فإن قلت نحن نجعل النقص صفة لصدور اللفظ عنه تعالى حتى لا يرجع إلى العقل، بل الكلام النفسي الذي هو من قبيل
الصفة عندنا معاشر الأشاعرة والنقص في الصفة لا يرجع إلى القبح العقلي.
قلنا هذا لا ينفع لأنه يجوز أن تكون هذه الكلمات المسموعة مخالفة لما عليه الشيء في نفسه كما تقدم.
وقد يقرر هذا الوجه بنحو آخر وحاصله: إنه لا ريب في حصول العلم القهري بالنبوة وبصدق النبي عند مشاهدة الخارق منه لبعض المشاهدين، وحصول هذا العلم لهم أما بسبب أو بدونه والثاني باطل لإستلزامه الترجيح بلا مرجح وهو باطل حتى عند الخصم، وعلى الأول فأما سببه نفس مشاهدة المعجزة بعد دعوى النبوة فقط فهو باطل، لأنه لو كان ذلك علة فقط لما تخلف المعلول عنها مع إنا نرى التخلف عنها لأن بعض من يشاهد المعجزة لا يؤمن ولا يصدق بالنبوة، وأما أن يكون سببه إدراك العقل قبح إجراء المعجزة على يد الكاذب وقبح ارسال الرسول الكاذب، فيثبت المطلوب.
إن قلت أن هذا الدليل لا يفهمه إلّا القليل من المكلفين فلا يكون دليلًا لكلهم. قلنا إن أردتم من الفهم الفهم التفصيلي فبطلان اللازم ممنوع وإن أردتم الفهم الإجمالي فلا ضير فيه، فإنه يحصل العلم بالنبوة والصدق عند مشاهدة المعجزة لأجل إدراك عقله قبح ذلك وإن لم يكن ملتفتا إليه تفصيلًا، فعلّة حصول العلم لزوم القبح لولاه إجمالًا وأن عجز عن تفصيله، ونظيره أن بعض أهل السليقة من العلماء لا يزالون يجرون قواعد علم المنطق ويعلمون كلها على وجه الإجمال لكن لا يعلمون
هذه الاصطلاحات تفصيلًا من الموضوع والمحمول والصغرى والكبرى وشرائط الشكل الأول.
إنْ قلت إنّ حصول العلم بالأمرين أي العلم بالنبوة بعد ادعائها مع ظهور المعجزة والعلم بصدق النبي المقطوع بنبوته اضطراري لمكان الجبر الذي يقول به الأشعري فنكون مجبورين في حصول العلم بالأمرين.
قلنا قد تقرر في محله بطلان الجبر عندنا مضافاً إلى أنه لو كان العباد مجبورين على العلم لما تخلف العلم عند دعوى النبوة وظهور المعجزة.
إنْ قلت إنّ الكثير من الكذابين من أدعى النبوة وأظهر المعجزة فلم تكن المعجزة تميز بين الصادق والكذاب.
قلنا لا ريب أنّ من أدعى النبوة وأظهر ما هو خارق العادة لابد على الله تعالى أن يجعله يعترف بعدم كونه نبياً أو يجعل عقول الناس تطلع على أن ذلك منه شعوذة وسحراً يقدر البشر على الإتيان بمثله، فليس هو بمعجزة أو تكذيبه من نبي قبله كما هو الحال فعلًا فإن نبينا (ص) كذّب كل من يدعي النبوة بعده ولو أظهر ألف معجزة إلّا لزم إضلاله تعالى لجميع الناس وإغرائهم بالجهل.
الدليل الثالث:بإنا قاطعون بأنه يقبح عند الله تعالى من العارف بذاته وصفاته أن يشرك به أو ينسب إليه الزواج والولد وما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدوث بمعنى إنه يستحق به الذم والعقاب في حكم الله تعالى سواء ورد الشرع أو لم يرد. ودعوى أن ذلك من جهة أستقرار الشرائع عليه واستمرار العادات بمثله فيما هو المشاهد فصار قبحه مركوزاً في العقول بحيث يظن إنه مستند لمجرد حكم العقل
فاسدة فإنه لو خلي الإنسان وطبعه والفيلسوف وعقله لحكم العقل بذلك.
الدليل الرابع:بأنه لو لم يكن وجوب النظر للمعجزة واجباً عقلياً لزم إفحام الأنبياء، بيان الملازمة أن للمكلفين أن لا يستمعون لدعوته ولا ينظر في أمر نبوته إذ ليس ذلك بواجب عليهم لا عقلا كما هو مذهب الخصم ولا شرعاً لأن الشرع لم يكن ثابتاً عندهم وإنما يثبت بعد ثبوت نبوته قال صاحب المقاصد الأشعري: إنه لقوة هاتين الشبهتين الأخيرتين ذهب بعض أهل السنة وهم الحنفية إلى أن حسن بعض الأشياء وقبحها مما يدرك بالعقل كما هو رأي المعتزلة كوجوب أول الواجبات ووجوب تصديق النبي (ص) وحرمة تكذيبه رفعاً للتسلسل، وكحرمة الاشراك بالله تعالى ونسبة ما هو في غاية الشناعة إليه تعالى على من هو عارف به وصفاته وكمالاته ووجوب ترك ذلك، ولا نزاع في أن كل واجب حسن وكل حرام قبيح إلّا أنهم لم يقولوا بالوجوب أو الحرمة على الله، تعالى وجعلوا الحاكم بالحسن والقبح والخالق لأفعال العباد هو الله تعالى والعقل آلة لمعرفة بعض ذلك من غير إيجاب ولا توليد بل بإيجاد الله تعالى من غير كسب في البعض ومع الكسب بالنظر الصحيح في البعض الآخر.
واعترض على هذا الدليل باعتراضين:
الأعتراض الأول:بأن حكم العقل بوجوب النظر في نبوة النبي والاستماع لدعوته ليس بديهياً، بل هو مبني على مقدمات نظرية من كون النظر مفيداً للعلم مطلقا أو في خصوص الإلهيات وإنّ معرفته تعالى
واجبة وإنها لا تتم إلّا بالنظر، وإن مقدمة الواجب واجبة مع أن الأول ينكره السُمَينة والثاني ينكره المهندسون والثالث ينكره الحشوية والرابع ينكره الصوفية والخامس ينكره بعض الأصوليون فالمحذور مشترك الورود لعدم ثبوت وجوب النظر عقلًا.
وجوابه أن حكم العقل بوجوب النظر من جهة احتمال الضرر الآخروي، واحتمال الضرر الأخروي يحكم العقل بحسن دفعه وقبح ارتكابه. فالعقل حاكم بوجوب دفعه وحرمة ارتكابه.
الأعتراض الثاني:أن النظر واجب بالشرع ولا نسلم ثبوته بالعقل.
وجوابه أنه إن كان ثابتاً بشرع هذا النبي فهو يحتمل كذبه، واحتمال كذبه مانع عن ثبوت وجوبه وإن كان بشرع سابق فننقل الكلام إليه.
الدليل الخامس:قد ورد في الشرع تعليل كثير من الأحكام بالمصالح والمفاسد، ووقع الإجماع على تعليلها بها ولذا صح القياس عند أبي حنيفة واتباعه، وبه علم الكثير من الأحكام الشرعية عندهم. فإن حرمة الخمر لما عللت بالإسكار قيس عليه كل مسكر حرام وفساد الإسكار إنما أدرك بالعقل لا بالشرع. ودعوى أن رعايته تعالى في أحكامه للمصالح والمفاسد تفضل منه تعالى على العباد. لا تنفع الخصم لأنها لا تبطل الاستدلال لأن التفضل بما لا يحكم به العقل ولا يجعله علة لديه ليس تفضل، فهو نظير من يعلل الأشياء بإمور ليست بعلة لها حتى في الواقع.
الدليل السادس:إن العقل يحكم بذم العصيان بترك الواجب وفعل المحرم ومدح إطاعتهما.
وأجابوا عنه بأن الله تعالى أجرى عادته على جبر العبد بإيقاع الذم على ذاك والمدح على ذلك. وفيه إنه على هذا لم يكن الذم بنهي الشارع عنه ولا المدح بأمر الشارع به فلو كان بإجراء عادته تعالى على ذلك فلابد أن تكون عادته على حكم العقل بذلك كما هو المشاهد وجداناً.
إنْ قلت إن الشارع قد أمر بالإطاعة ونهى عن المعصية.
قلنا ننقل الكلام إلى طاعة هذا الأمر وهلم جرا، اللهم إلّا أن يقال إنّ الأمر بالطبيعة وهي تشمل حتى الأفراد المتولدة بعد الحكم عليها.
أدلة الأشاعرة
استدلت الأشاعرة بطريق المعارضة للأدلة المذكورة للعدلية المتقدمة بأدلة:
الدليل الأول:إن فعل العبد مما لا اختيار له فيه، وكل فعل لا اختيار للفاعل فيه لا يكون موصوفاً بالحسن والقبح العقليين. فأما الكبرى فبالاتفاق مسلمة عند الطرفين. أما عند الأشاعرة فلأنه لا مدخل للعقل في الحسن والقبح، وأما عند المعتزلة فلأن الحسن والقبح عندهم من صفات الأفعال الاختيارية. وأما الصغرى وهي أن فعل العبد ليس باختياري فلوجهين:
الوجه الأول:أنه تعالى عالم في الأزل بما يقع وبما لا يقع، وهو مما أجمع عليه المليّون فعلمه تعالى في الأزل إن تعلق بوقوع الفعل وجب وقوعه، وإن تعلق بعدمه امتنع وقوعه. فيستحيل الإنفكاك في الصورتين لأمتناع خلاف ما علمه تعالى. فكانت الأفعال أما لازمة الصدور بحيث لا يمكن التخلف عنها أو ممتنعة الصدور وما هذا حاله لا يكون اختياريا.
وقد يحرر هذا الوجه بنحو آخر فيقال: إن قدرة العبد على خلاف ما علمه تعالى معناه قدرة العبد على جعل علمه تعالى جهلًا وهو محال، فلابد أن لا تكون للعبد قدرة على ذلك، ولازمه أن العبد مضطر إلى فعل ما علمه تعالى. حكي عن الرازي إنه قال في هذا المطلب: إن العقلاء لو اجتمعوا وأرادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفاً واحد لما قدروا عليه إلّا أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم وهو أن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود ولا بالعدم إلّا أن أكثر المعتزلة يكفرون من يقول بهذا القول.
والغريب نسبة ذلك إلى هشام وهو من أجلاء علماء الكلام ومن خواص الإمام موسى الكاظم (ع)
الوجه الثاني:إن فعل العبد إن كان لازم الصدور بحيث لا يتمكن من الترك فاضطراريته واضحة، وإن لم يكن كذلك بل كان مما يجوز صدوره وعدمه، فإن لم يفتقر في صدوره إلى المرجّح بل كان مما يصدر تارة ولا يصدر أخرى، وإذا تساوى الحالان بالنظر إليه كان إتفاقياً صادراً بلا سبب يقتضيه فلا يكون اختيارياً، لأن الفعل الاختياري لا بد له من إرادة جازمة ترجحه على أنه يلزم الترجيح بلا مرجح، ويلزم من ذلك انسداد باب إثبات الصانع وإنْ افتقر في صدوره إلى المرجح فمع ذلك المرجح أما أن يلزم الفعل أو لا، فإن لزم كان اضطرارياً وإن لم يلزم بل كان مما يصدر تارة ولا يصدر أخرى فيكون وقوعه إتفاقياً إذ لا سبب كان معيناً لوجوده في هذا الوقت الذي وقع فيه، وإن توقف على مرجح آخر لم يكن الأول مرجحاً تاماً وهذا خلف، وأيضاً فنقل الكلام
إليه مع ذلك المرجح الآخر فأما أن ينتهي إلى الاضطرار أو الاتفاق الذي ليس بالاختيار وإن لم ينته يلزم التسلسل الباطل.
لا يقال يجوز أن تكون القادرية هي المرجحة للفعل على الترك من غير مرجح فلا يتم ما ذكرتم. لإنا نقول قولك مرجح الفعل على الترك إن كان له مفهوم زائد على كونه قادراً كان ذلك اعترافاً بأن رجحان الفاعلية إنما يصح عند انضمام هذا القيد فيرجع إلى ما تقدم، وإذا لم يكن له مفهوم زائد على ذلك مع أن القادرية متحققة في جميع الأوقات فإيجاب الأثر في بعض الأوقات دون بعض آخر من غير ترجيح ليس إلّا بالاتفاق.
إن قلت أن الإرادة تكون مرجحة.
قلنا أن الإرادة إن حصلت بدون فاعل لها ومرجح لصدورها لزم الترجيح بلا مرجح وانسد باب إثبات الصانع، وإن حصلت بمرجح آخر فهو إن كان إرادة لها من العبد فننقل الكلام إليها ويلزم التسلسل وإن كان من غير العبد كان العبد مجبوراً لأنه ما بالاختيار قد انتهى إلى ما ليس بالاختيار. وقد ذهب الأشعري إلى أن العبد مختار في فعله مضطر في إرادته ومشيئته. والواجب عن الوجهين بالنقض والحل. أما النقض فنقول: لو تم ما ذكرتم من الوجهين على اضطرارية فعل العبد لزم أن يكون فعل الواجب أيضاً اضطرارياً بهذين الوجهين:
الوجه الأول:فلأن علمه إذا تعلق في الأزل بخلق زيد في الوقت الفلاني وجب عليه ذلك وإلّا تخلف علمه وإن تعلق علمه بخلقه لا في ذلك الوقت كان ممتنع الخلق فيه وإلّا تخلف علمه وهو محال.