بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 40

تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي‌

: الحكم سواء أكان شرعياً أم عقلياً ينقسم إلى تكليفي وإلى وضعي. فالتكليفي من العقلي: هو ما كان الحكم من العقل متعلقاً بأفعال المكلفين بنحو الاقتضاء أو التخير، وهو ينقسم إلى الأقسام الخمسة. الوجوب العقلي: وهو ما حسن فعله عند العقل وقبح تركه كرد الوديعة. والحرام العقلي: ما حسن تركه عند العقل وقبح فعله كظلم اليتيم.

والمندوب العقلي: هو ما حسن فعله عند العقل ولم يقبح تركه كإكرام الضيف. والمكروه العقلي: هو ما حسن تركه عند العقل ولم يقبح فعله. والمباح العقلي: الذي لم يحسن ولم يقبح كل من فعله وتركه.

وأما الحكم الوضعي من العقلي هو حكمه بغير ذلك كحكمه بشرطية القدرة للتكليف وصحة العمل.

وأما التكليفي من الشرعي: هو ما كان الحكم فيه من الشرع متعلقاً بأفعال المكلفين بنحو الاقتضاء أو التخيير. وهو ينقسم إلى الأقسام الخمسة الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة.

والحكم الوضعي من الشرع: هو حكمه بغير ذلك كحكمه بجزئية الركوع للصلاة ونحو ذلك. واليك تحقيق الحال في الحكم التكليفي والحكم الوضعي وما ذكرناه إنما هو حسب ما هو المتداول على ألسنة الأصوليين.


صفحه 41

تعريف الحكم التكليفي‌

التكليف:لغة مشتق من الكلفة، ويطلق مجازاً على الأفعال الصادرة عن المكلف. واصطلاحاً هو أمره تعالى لعبيده بما فيه مصلحتهم ونهيه تعالى عما فيه مفسدتهم. والمعروف في تعريفه بينهم: هو الحمل على فعل أو ترك ما فيه مشقة من واجب الطاعة ابتداء. فقولهم (الحمل) يريدون به البعث. وينحصر التكليف عندهم بالأمر والنهي، وقولهم (على فعل فيه مشقة) ليخرج بذلك مالا مشقة فيه من الأفعال، فإن التكليف لا يتحقق بدونها لأنه على ما يظهر من كلماتهم أنهم قد أبقوا فيه معنى اللغة وهو المشقة في مقام نقله من معناه اللغوي إلى هذا الاصطلاح حيث ذكر غير واحد منهم أن التكليف لا يتعلق بالمستلذات الشهوية.

إن قلت ورد التكليف بما ليس بمشقة كالأكل من الهدي ونكاح الحليلة وكالتسبيحة الواحدة.

قلت: يريدون بالمشق ما يستلزم جنسه مشقة ولا اعتبار بالأشخاص، والتكليف من حيث جنسه مشقة وإن كان باعتبار أشخاصه قد يقع فيها ما ليس كذلك، أو نقول إن هذه الأفعال إذا لم يلاحظ فيها الطبيعة بل إنما فعلت بملاحظة الأمر تحققت المشقة بفعلها خصوصاً إذا روعي فيها تحقيق الإخلاص الواجب في جميع الطاعات فإن تحققه فيها في غاية الصعوبة لكونها أفعالًا ملائمة للطبع. وأما استلذاذ أهل الله المقبلين على أوامره غاية الإقبال بخدمة معبودهم، وكون ذلك لا ينافي طباعهم فطور وراء طور التكليف.

وقولهم من (الواجب الطاعة) تحقيق لمعنى التكليف إذ حمل من لا يجب إطاعته غير معتبر فلا يكون تكليفاً.


صفحه 42

وقولهم (ابتداء) هو منصوب على المصدرية من الحمل أي حملًا ابتداء أو من واجب الطاعة أي واجب الإطاعة وجوباً ابتداء ليخرج بذلك من وجب طاعته لا كذلك، كطاعة النبي والإمام والوالد والسيد والزوج فإنه لا يسمى تكليفاً وإن وجب طاعتهم إذ وجوبها ليس على سبيل الابتداء لتفرعها وتبعيتها لطاعة الحق عز وجل إذ لولا إيجابه إياها لما تحقق الوجوب فيها، ولهذا كان الصبي المميز غير مكلف وإن كان مخاطباً في شأنه الولي كما قرر في موضعه.

إن قلت على هذا لا يصدق التكليف على الإباحة، لأنها لم يكن فيها بعث ولا حمل على ما فيه المشقة مع أنها تعد من التكاليف، فيقال التكاليف الخمسة الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، وقد عبر عنها في تعريف الحكم المتقدم بالتخيير.

قلنا لا نسلم إطلاق التكليف عليها اصطلاحاً على سبيل الحقيقة، وإنما من باب التغليب كما يقال للشمس والقمر القمرين، والتعبير المشهور هو أن يقال الأحكام الخمسة لا التكاليف الخمسة، وإذا صدر إطلاق التكليف عليها فهو من الإلحاق لها بالتكاليف الأربعة من قبيل إلحاق الضد بضده والمقابل لمقابله في التسمية كما يقال الأسودان لليل والنهار.

وعلى هذا قسموا الأحكام التكليفية إلى خمسة، ونحن جريا على ذلك قسمناها إلى الخمسة وشرحناها شرحاً وافياً إليك بيانه.

تقسيم الحكم التكليفي‌

قسم الاصوليون الحكم التكليفي إلى الأحكام الخمسة الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة.


صفحه 43

أما الوجوب، فلغة هو الثبوت، ومنه قوله (ع): (وجبت له الجنة) أي ثبتت، والسقوط ومنه قوله تعالى [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] أي سقطت.

وفي عرف الفقهاء طلب الفعل مع المنع من الترك، فهو مرتبة من الطلب شديدة لا يرضى الآمر معها بالترك. وهو على أقسام:

القسم الأول: الفرض القطعي ويسمى بالواجب القطعي: وهو ما ثبت بدليل قطعي السند والدلالة، وهو قد يكون ضروري الدين كوجوب الصلاة ويكون إنكاره بلا عذر من الكفر، وقد يكون ضروري المذهب كحلية المتعة عند الشيعة.

القسم الثاني: الفرض العملي والواجب العملي: وهو ما ثبت وجوبه بدليل ظني الدلالة أو السند أو كليهما. ثم أنه لا إشكال في مرادفة الوجوب عند الفقهاء للزوم والحتم، ولكن وقع الخلاف فيما بينهم في مرادفة الفرض للوجوب على أقوال: فبعضهم ذهب إلى أنهما مترادفان كالإنسان والبشر وهو المحكي عن‌النهاية والتهذيب والمبادئ وشرحه والمنية.

والتحقيق أن يقال: إن الفرض يطلق في اللغة بمعنى التقدير كقولهم (إذا فرض هذا الشي‌ء)، وقد يطلق بمعنى الإنزال كقوله تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ‌]، وقد يطلق بمعنى الحل.

وأما في الشرع فلا فرق بين الفرض والوجوب إن استعمل بمعنى المصدر، وإن استعمل بمعنى المفروض فلا فرق بينه وبين الواجب عند أصحابنا، بل هو المنسوب للجمهور ولكن الحنفية خالفوا في ذلك فخصّوا الفرض بما علم بدليل قطعي، والواجب بما علم بدليل ظني‌


صفحه 44

مستدلين على ذلك بأن الفرض لغة التقدير، قال الله تعالى [فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‌] أي قدرتم. والوجوب السقوط لقوله تعالى [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] أي سقطت، فالفرض ما علم فيه الوجوب بدليل قطعي لأنه هو الذي علم فيه منه تعالى (أنه قدّره علينا). وأما الذي عرف وجوبه بدليل ظني فإنه ساقط عنا ولا نعلم أن الله قدره علينا لا نسميه فرضاً لعدم علمنا بأنه تعالى قدره علينا.

وقد أجابوا عن هذه الحجة بأن الفرض لغة التقدير سواء أكان طريق معرفة تقديره علماً أو ظناً، كما أن الواجب هو الساقط مطلقاً سواء أكان طريق معرفته العلم أم الظن، وكما إن اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها وكذا طرق الحرام، فكذا طرق الواجب مع‌

أنه تعالى قد أطلق الفرض على الواجب في قوله تعالى [فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ‌] أي أوجب. والإجماع واقع على أنه يقال لمن أدىّ الصلاة مختلفاً فيها أنه قد أدى فرض الله تعالى بدون تكلف وتجّوز وهو علامة الحقيقة، وذكر بعض الأجلة أن الفرض الذي يجب إعادة الصلاة بتركه عمداً أو نسياناً، هو ما يثبت وجوبه بالكتاب العزيز، وأما ما ثبت بالسنة فهو واجب لا تبطل الصلاة بتركه سهواً، وبذلك صرح الأصحاب وإليه يشير صحيح زرارة ومحمد بن مسلم، وقال أيضاً: ويدل على المشهور ما رواه الكليني من الكافي من الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: إن الله تعالى (فرض الركوع والسجود والقراءة سنة فمن ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة ومن نسى القراءة فقد تمت صلاته ولا شي‌ء عليه‌) ورواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أحدهما عليهما الصلاة والسلام، وفي الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (لا تعاد الصلاة إلّا


صفحه 45

من خمس الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثم قال القراءة سنة والتشهد سنة ولا تنقض السنة الفريضة) وحيث أن النزاع في ذلك لا فائدة فيه، وإنما ذكرناه للإشارة إلى وقوع مثل ذلك بين العلماء فلذا لا يهمنا تحقيق الحق فيه كما لم يهم غيرنا. وقد قسم القوم الوجوب إلى تقسيمات كثيرة منها:

الوجوب التخييري والوجوب التعييني‌

الوجوب التخييري: وهو ما كان المطلوب فيه أكثر من فعل واحد على سبيل منع الخلو، كوجوب خصال الكفارة.

والوجوب التعييني: وهو ما كان المطلوب فيه أمر واحد، وهذا أمر متسالم عليه بينهم، وإنما الإشكال في أن الواجب في الوجوب التخييري:

أولا: هو كل واحد تعييناً ويسقط بفعل واحد منهما.

ثانيا: أو أحدهما المعين عند الآمر، ويسقط بما أتى به العبد إن أختار غيره.

ثالثا: أو خصوص ما يأتي به في علم الله تعالى.

رابعا: أو أحد الأفراد مفهوما.

خامسا: أو مصداقا.

سادسا: وإن الاختلاف بين الواجب التعييني والواجب التخييري باختلاف سنخ الوجوب برجوع التخييري إلى واجبات مشروطه كل منها بعدم الإتيان بالآخر.

سابعا: أو بتقييد متعلق كل وجوب بعدم الآخر.


صفحه 46

ثامنها: أو أنه سنخ من الوجوب مشروط بجواز الترك في الجملة، فيكون الطلب المتعلق بكل منها بدلًا من المتعلق بالآخر على تفصيل يأتي، هذه وجوه جملة منها أقوال أقواها الأخير إذ في:

الأول: أنه لا وجه لسقوط غير المأتي به مع تعلق الغرض به إلّا أن يرجع إلى ما سنذكره بعد في المختار، وأما مجرد كون الإتيان بواجب مزيلًا لمصلحة الآخر ومانعاً عن إيفاء ما في الآخر من الغرض وإن كان ممكنا إلّا أنه لا وجه للأمر به حينئذ مع الأمر بالآخر، ولعل هذا القائل يريد ما نختاره كما ستسمعه إن شاء الله تعالى.

الثاني: تكليف بالمجهول وهو إن لم يكن منجّزاً ويسقط بأحد الإبدال فلا يكون محالًا إلّا أنه لغو محض مع أن إسقاط المأتي به إياه نظير إسقاط الحكم الظاهري للحكم الواقعي كرّ على ما فرّ منه لأنه يتوجه السؤال حينئذ عن متعلق الأمر البدلي أي الذي تعلق بالبدل فأسقط الأمر الواقعي إذ الإسقاط بلا أمر لا وجه له مع إن الأمر الموجود إن كان أمراً بالمسقط فمن أين عُلِمَ الأمر بأحد معين؟ وإن كان أمراً بالمعين فمع كونه خلاف النص منه فمن أين يعلم سقوطه بالمردد؟ وإثبات ذلك بالإجماع في كل مقام خلاف المعلوم، إذ من الواضح استفادة عدم وجوب الجميع من نفس الدليل المزبور، مع أن ما ذكر من أن الواجب ما يختاره في علم الله تعالى لا يتأتى في غير أمره تعالى لعدم علمه بما يأتي به المأمور.

ودعوى كون الواجب خصوص أحدهما المعين عند الآمر خلاف المعلوم من الأمر المزبور.


صفحه 47

الثالث:مشترك مع الثاني في جملة مما زبر إن أريد تعلق التكليف بذات ما يختاره، وإن أريد تعلقه به بعنوان ما يختاره في مقام الامتثال يقع في المحذور الأشد وهو اعتبار الأمر في متعلقه.

الرابع:يوجب قلب التخيير عقلياً، فلا يجوز التعبد بخصوص ما يختاره إلّا بعنوان أنه مصداق أحد الأفراد، وهو خلاف المقطوع مما كان من قبيل التخيير الشرعي، وعدم الفرق بينهما إلّا باعتبار خلاف المعلوم، ويظهر وجه مما ذكرنا في بحث تعلق الأمر بالطبائع.

الخامس:مستلزم لعدم حصول الامتثال إذ لا يؤتي في الخارج إلّا بالمعين.

السادس: يعني إرجاعه إلى واجبات مشروطة يوجب عدم تنجز التكليف بشي‌ء إلّا بعد مضي وقته لو جعل الشرط الترك الخارجي، ولو جعل العنوان الانتزاعي يعني كون العبد ممن يترك يستلزم عدم جواز التخيير بين ضدين لهما ثالث، لاستلزامه الأمر بالضدين إذ كان ممن لا يأتي بشي‌ء منهما لحصول شرط الأمر بكل منهما، بل ولعدم تنجز التكليف بشي‌ء منهما إن أتى بهما دفعة لعدم حصول شرط شي‌ء منهما، واعتبار الترك إلى زمان الإتيان بأحدهما أيضاً مستلزم لمحذور الأمر بالضدين قبل التشاغل بشي‌ء منهما.

ودعوى عدم استحالة الأمر بالضدين قد حققنا فسادها في محله بل ولاستلزامه الدور المحال أن اعتبر الترك المعتبر شرطاً ترك الامتثال كما هو الظاهر، للزوم اعتبار كل من الأمرين في مقدمات حصول الآخر.