الوصف في الأزمنة المتأخرة في مكان خاص أو عام لا يلحقه الحكم عموماً ولا خصوصاً. نعم ما ثبت في زمان الشارع لحقه الحكم فيه مادام الوصف باقيا ولو في مكان في كل الأمكنة.
الوجه الخامس:عموم الحكم في الزمان بمعنى أن كل زمان تجدد فيه الوصف فهو داخل تحت الحكم لعموم العلة ولا يعم غير مكان اعتياده فقول الشارع: (لا تسجد على ملبوس ولا مأكول) معناه كلما وجد شيء متصف بأحدهما في أي زمان كان حكمه المنع عن السجود بالنظر إلى المكان الذي حصل فيه الوصف والاعتياد دون غيره، فيكون كل مكلفاً بعادة نفسه وجوداً وعدماً.
الوجه السادس:عموم الحكم لكل زمان وكل مكان مع عدم دوران الحكم مدار الوصف عدماً، فكلما تحقق فيه الوصف في أي زمان وأي زمان لحقه الحكم وعمّ المكلفين في الأزمنة وإن زال الوصف بعد ذلك إثباتاً للحكم في ذلك باستنباط العلية في الإثبات فيعم كل زمان وبقاعدة الإشتراك فيعم كل مكان وإبقاء له بعد زوال الوصف بالاستصحاب لعدم ثبوت العلية في العدم. والظاهر من كلمة الأصحاب اعتبار الوجه الخامس في النفقات، واعتبار الوجه الثاني في السجدة على المأكول والملبوس، واعتبار الوجه الثالث في الربا في الكيل والموزون، ويظهر من بعضهم وجوه أخرى في ذلك.
والذي ينبغي تأسيس الضابط في ذلك وخروج بعض الأفراد بدليل خاص غير قادح فنقول: إما الذوات كالدلو واليد والرجل والحنطة ونحو ذلك، فالأقوى إتباع المعتاد الغالب في ذلك بحسب كل زمان ومكان
بحسب أهله واحتمال لزوم النزح بدلوٍ معتاد في زمن الخطاب، وغسل الأعضاء أو المساحة بشبر أو ذراع معتاد في زمن الخطاب فلا ينفع ما أعتيد في هذا الزمان لو ثبت القصر أو الصغر عن ذلك بعيد جداً، وليس ذلك لعدم الانصراف إلى المتعارف بل لأن التكليف بالذات المتعارف فيكون كل مكلفاً على حسب متعارف زمانه ومكانه، ولا يتخيل متخيل أنه على هذا يلزم مثله في الأرطال والموازين والدرهم ونحو ذلك لأن كلامنا في الكلي المتعارف الأفراد لا في اللفظ المختلف المعاني، فإن اشتراك اللفظ أو نقله من معنى إلى آخر لا يوجب أجزاء المعنى الآخر عما أراده الشارع. وبالجملة الكلام في الذوات بمعنى أسماء الأجناس التي لها أفراد متعارفة في الأزمنة وإن كان المتعارف من أفراد الحنطة والإبل مثلًا في زمان غير ما هو المتعارف في زمان آخر، ويدل على هذا المعنى طريقة أهل العرف وأصحابنا في أبواب الفقه حيث داروا مدار التعارف في الذوات ولم يذكر أحد كونه فرداً متعارفاً في زمن الشارع.
فإن قلت هذا البناء منهم اتكال على عدم تغير الأفراد المتعارفة الشائعة في الذوات ولو ثبت التغير لاعتبروا المعتاد في زمن الشرع.
قلت مع أن ذلك لا يمكن في مثل دلو البئر ونظائره خلاف ظاهر كلامهم بل ظاهرهم كفاية التعارف اليوم، والسر تعلق التكليف بالطبائع في ضمن الفرد المتعارف وقد حصل، وتعارف زمن الشرع لا دخل له في ذلك. وأما ما أعتبر فيه الأوصاف التي تختلف بحسب الزمان والمكان فالحق فيه عموم الحكم ولأهل كل مكان بعد صدق الموضوع فمجرد كون الشيء مأكولًا أو ملبوساً أو مكيلًا أو موزوناً معتاداً في أحد الأمكنة
يوجب صدق هذه الأسماء إليه ما لم يصرفه صارف إلى اعتبار أشخاص مخصوصة أو بلدان كذلك فإذا صدق هذه الألفاظ تعلق الحكم على كافة المكلفين بقاعدة الاشتراك في التكليف إلّا إذا دل دليل من خارج على التخصيص. وأما بحسب الزمان فلا كلام في دخول ما وجد فيه الوصف في زمان الخطاب ولو في مكان مادام باقياً على هذا الوصف ولا كلام في خروج ما تجدد اتصافه بعذر من الشارع وبعد زوال الوصف عنه لأن المعتبر أما الذات المدلول عليها بخطاب الشارع وليس إلّا المعتاد في زمانه بذلك الوصف، وأما علّية الوصف المستفاد من خطابه والمفروض أنه قد زال فلا وجه لدخول هذا الفرض في الحكم من حيث الدليل. نعم لو قلنا بدخوله تحت الدليل مادام الوصف يجيء شبهة الاستصحاب بعد زوال الوصف. والتحقيق عدم جريانه لما قررناه من إشتراط بقاء الموضوع وحيث أن ثبوت الحكم للعلّة فيكون عنوان الحكم المشتق لا الذات إذا اتصفت.
لا يقال الماء المتغير بعد زوال تغيره تستصحب نجاسته لاحتمال كون الوصف علة محدثة والمبقية غيره، فكذا فيما تجدد فيه الوصف الموجب للحكم بعد زوال الوصف.
لأنا نقول فرق بين كون موضوع الماء إذا تغير وبين كونه المتغير، وعلى الثاني لا يجري فيه الاستصحاب كما لا يجري في المشرك إذا اسلم، وفرق بين كون الاسم المأخوذ للحكم الذات إذا اتصفت بصفة وبين كونه الموصوف المشتق، فلا تذهل فإذا كان موضوع الحكم الحنطة إذا كانت مكيلة يستصحب حكمها إذا خرجت عن المكيلية، وإذا كان الموضوع
المكيل لا يستصحب الحكم المتعلق به بعد زوال الوصف إذ لا موضوع والحنطة لا دخل له في الحكم بالمرة، فبقى البحث في المتصف في زمن الشارع إذا زال عنه الوصف في الأزمنة المتأخرة وفي المتجدد فيه الوصف في زمن متأخر مادام الوصف مع عدم اتصافه في زمن الشارع ففي دخولهما تحت الحكم أو خروجهما أو دخول الأول دون الثاني أو بالعكس وجوه يعلم وجوهها ممّا سبق. والذي يترجح في النظر القاصر الوجه الأخير للعليّة المستفادة من الوصف ودخول الأول فرع كون الذات موضوع الحكم ولو بهذا العنوان وهو خلاف ظاهر اللفظ وفتوى الأصحاب إن كان إجماعاً فهو المعتمد وإن كان هناك دليل آخر فهو المتبع وإن جعلنا فتواهم قرينة على إرادة ذلك كما تتكل عليه في غالب الموارد خلافاً للمتأخرين المعرضين عن كلمة أصحابنا المتبحرين، فالإشكال مرتفع وإلا فلا دليل على شيء من ذلك.
وأما الثاني:فهو ما لم يؤخذ فيه خصوص العادة ولا التحديد، بل معناه موكول إلى العرف كما في معنى الغسل والعصر، ومالا ينقل في التطير بالشمس وثوب الكفن والكسو، ومعنى الدفن والصعيد والعورة في وجه، والفعل الكثير والجهر والإخفات وكثير الشك والسهو والسفر وسوم الأنعام والإطعام ومنافيات المروة وبدوا الصلاح ومعنى القبض وضبط الأوصاف بحيث يرتفع الجهالة في كل شيء بحسبه ومعنى الفورية في الخيارات والشفعة، وفي صدق الجار في الوصية، وفي معنى الأحياء والعيب وحرز السارق ونظائر ذلك مما لا يحصى. والمرجع في ذلك كله العرف لإنصراف اللفظ إلى ما يسمى في العرف به وتقدمه على المعنى
اللغوي إذا تعارض، والدليل في ذلك كون الرسالة بلسان القوم وإلى ذلك يدور كلمة الأصوليين في باب الأوامر والنواهي والمفاهيم والمناطيق والإجمال والبيان والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد إذ ليس في هذه المسائل شيء معتمد سوى ما يستفاد من العرف وإن أطال جماعة في تحرير الوجوه والأدلة والاعتراضات والشبهات.
الضابطة الرابعة:إذا كان المرجع في تحقيق معنى اللفظ إلى كلمة أهل اللغة بمعنى المتتبعين للإستعمالات الملاحظتين للمقامات الذين صنفوا في ضبط المعاني تصانيف كثيرة، فإن اتحد مفاد كلامهم في معنى اللفظ فلا إشكال في ذلك، وإن اختلفت كلماتهم كلما أتفق ذلك في مثل الكعب والصعيد والطهور ومعنى السحر والغناء والكهانة ونحوها ومعنى السلاح وفي إطلاق اسم الأنساب على المراتب اللاحقة وفي صدق النسبة من طرف الأم ونظائر ذلك فنقول: إن للاختلاف صوراً كثيرة:
أحدها:أن يكون التفاوت بالأقل والأكثر المستقل بمعنى أن أحدهما ذكر معنى واحد والآخر ذكر هذا المعنى مع معنى آخر.
وثانيهما:التفاوت بالقلة والكثرة في المصداق الراجع إلى التباين في المفهوم كتفسير أحدهما اليد بما دون الكتف والآخر بما دون المرفق وتفسير الجمع بالاثنين أو الثلاثة.
وثالثهما:تخالف التفسيرين بالتباين كتفسير احدهما اللفظ لمعنى وذكر الآخر معنى آخر مباين له.
ورابعها:التفاوت بالعموم والخصوص مطلقاً كتفسير أحدهما الصعيد بوجه الأرض والأخر بالتراب.
وخامسهما:التفاوت بالعموم والخصوص من وجه كذكر أحدهما في الغناء أنه مد الصوت مع الطرب، والآخر مد الصوت مع الترجيع، وقد تجتمع الأقسام والحكم يعلم من ذلك، ومع ذلك كله فإما أن يصرح كل منهما بنفي الآخر أو نفي ما عدا ما ذكره في كتابه أو سكت عن ذلك، وعلى تقديره فإما أن يطلع على ما ذكره غيره ولم يلتفت إليه أو لم يطّلع فنقول: إن كان التفاوت بالقلة والكثرة بالاستقلال فالمعنى المتفق عليه ثابت وأما الآخر فإن كان الساكت نفاه فهو التعارض الآتي أحكامه وإن سكت عنه مع إطلاعه عليه فيحتمل القول بأن هذا بمنزلة النفي إذ لو كان حقاً لذكره بعد إطلاعه فالسكوت بيان لعدم كونه بهذا المعنى، ويحتمل أن يقال إنه كما لم يطلع فإن فيه أيضاً وجهين:
الوجه الأول:أن يقال بأن عدم الذكر دال العدم من جهة أن بناء أهل اللغة على حصر المعاني والاستعمالات ونفي ما عداها لا مجرد إثبات ما علم عنده وإن كان هناك معان أخرى، إذ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر.
الوجه الثاني:أن يقال: إن ذلك يفيد الحصر فيما أطلع عليه، فعدم الذكر يدل على أنه لم يقف عليه في إستعمال العرب ولا ينافيه إطلاع غيره على غيره. والحق هو الوجه الثاني إذ عدم الذكر أعمّ من النفي لجواز كونه لعدم وقوفه عليه، أو عدم ثبوته عنده، والعام لا يدل على الخاص فإذا لم يدل على ذلك فالمثبت في هاتين الصورتين سليم عن المعارض فيقبل وإن كان بدخول الأقل في الأكثر فهل يؤخذ هنا الأقل لأنه متيقن من المعنيين أو لا؟ وجهان أو الوجه الثاني إذ ليس هنا بين
المعنيين متيقن في المفهوم الذي هو ميزان الوضع وليس هذا إلّا كالتباين حقيقة وإن كان بالتباين فمع نفي كل منهما الآخر يقع التعارض ويأتي حكم مع إطلاع أو بدونه، فالأقوى ثبوت المعنيين معاً لما قرر أن السكوت غير نافٍ فكل منهما مخبر بلا معارض وإن كان بالعموم مطلقاً فربما يتوهم كون هذا التعارض مثل الأخبار فيحمل المطلق على المقيد، فلو قال أحدهما: إن الغناء هو مد الصوت، وقال آخر: مد الصوت مع الترجيع، وقال ثالث: مع الطرب أيضاً، نقول: إن الغناء عبارة عن مد الصوت مع الترجيع المطرب. وهذا توهم فاسد أما:
أولًا:فلأن الإطلاق والتقييد فرع كون المطلق غير نافٍ للمقيد ولقائل أن يقول إن الإطلاق في مقام التعريف غير الإطلاق في مقام الحكم فمن قال إنه مدّ الصوت هو ذلك ليس غير فهذا أيضاً مقيد بالعدم فكيف يجعل هذا مطلقاً؟
لا يقال إنك ذكرت أن السكوت غير دال على النفي فلعله لم يطلع عليه.
قلت هذا في المعنيين حق وأما المعنى الواحد فالظاهر كون ما ذكره تمام المعنى.
فإن قلت تفسير أهل اللغة بالأعم كثير غالب فيكون التفسير قرينة على إرادة الأخص منه.
قلت التفسير بالأخص أيضاً كثير فيكون ذكر الأعم في القول الآخر قرينة على إرادة الأعم، فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح.
وأما ثانياً:فلأن مبنى التقييد فهم العرف وذلك إنما هو في كلام الشخص الواحد وما هو في حكم الواحد ككلام الله ورسوله وأمنائه لإطلاع كل منهم بما اطلع عليه الآخر وبينّه بأي نحو كان، والفرض أن الحكم في الواقع واحد والمراد متحد. وأما تقييد كلام المصنفين بعضهم ببعض فهذا من الأوهام العجيبة بل أنا نمنع من تقييد كلام المصنف الواحد في مقامين بعضه ببعض بل نجعله عدولًا عن المعنى الأول.
وأما ثالثاً:فلأن مبنى التقييد العلم باتحاد التكليف ومع إمكان كونهما تكليفين فلا وجه للتقييد. فنقول هنا إن إحتمال الوضع للمطلق والمقيد قائم بل ظاهر كلام الناقلين ذلك فحمل إطلاق احدهما على الآخر خال عن وجه مع ما في هذا الكلام من الضعف من وجوه أخرى أيضاً. فإذا لم يجز التقييد فيكونان معينين متكافئين كصورة التباين فإن كان أحدهما نفى الآخر فهو تعارض وإلّا فمقتضى ما قررناه الأخذ بهما معا لأنهما ناقلان عن الوضع ولا معارض لشيء منهما وإن كان بالعموم من وجه فقد يقال بالأخذ بمادة الاجتماع ومرجعه تقييد كل من الكلامين بالآخر فيلزم من ذلك مثلًا اعتبار الطرب والترجيع كليهما في معنى الغناء في المثال المتقدم والوجه فيه أيضاً نظير ما مر في الإطلاق والتقييد من جهة واحدة من أصالة عدم الاشتراك وكون المقيد المتيقن وشيوع التفسير بالأعم في كلامهم.
والجواب يعيّنه ما مرّ من إندفاع الأصل بظاهر النقل وعدم وجود المتيقن في عالم المفهوم الذي هو مرجع التعاريف والمتيقن في الوجود لا دخل له في التحديد.