جميعها إذ لو اقتصر على خصوص ما فيه العلة لأدى إلى تفويت الفائدة وحصل الاختلاط والالتباس في كثير من الموارد.
الدليل التاسع:أن الصبي المراهق إذا كان كامل العقل تكون الأفعال الموجود فيها الصفات التي تقتضي حسنها أو قبحها غير واجبة أو محرمة عليه، فقد كانت الأحكام الشرعية في حقه غير تابعة للمصالح والمفاسد الكائنة في الأفعال فلو كان العقل حاكم بالتبعية لحكم في الجميع لأن أحكام العقل غير قابلة للتخصيص.
وجوابه أن عدم ثبوت الأحكام الشرعية في حقه لعله لوجود ما ينكسر به مصالحها ومفاسدها، ولا دليل لنا على عدمه وهذا كاف للرد على هذا الدليل لأن الدليل متى تطرقه الاحتمال بطل فيه الاستدلال.
تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد
قد اشتهر فيما بين الفقهاء تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، والمراد بالمصالح هو جلب المنفعة، والمراد بالمفاسد هو جلب المضرة. وقد اشترط الفقهاء للأخذ بالمصلحة أن تكون عامة لا خاصة. واستدلوا على ذلك بالاستقراء فإن من تتبع أحكام الشرع رأى أن الأحكام إنما شرعت لسعادة البشرية، والسعادة إنما تكون فيما إذا كانت فيها مصالح الناس ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الأنبياء [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمين] والرحمة إنما تكون لجلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم.
المقام الثاني
في: ملازمة الحكم الشرعي للحكم العقلي
المقام الثاني الذي تعرض له الفقهاء والأصوليون في مبحث الحسن والقبح هو ملازمة الحكم الشرعي للحكم العقلي أعني قاعدة (كلما حكم به العقل حكم به الشرع). والبحث في هذه القاعدة يستدعي تقديم أمور في معناها:
الأمر الأول:أن المراد ب- (العقل) هنا هو القوة التي تدرك بها النفس المعارف النظرية من معلوماتها الضرورية وما يصلح حالها ويدبّر شؤونها، وليس المراد به ما ذكره الحكماء من الصادر الأول من ذات واجب الوجود باعتبار أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد، ويعبرون عنه بالواجب الثاني ويجعلونه مصدراً لسائر الأشياء وعلتها بأوهامهم الفاسدة وآرائهم الباطلة. والمراد ب- (الحكم) هو أعم من الأحكام التكليفية أو الوضعية، كما أن الظاهر أن المراد منه هو الحكم الفعلي في شرط القاعدة وجزائها لأنه هو الظاهر من إطلاق الحكم فيكون معنى القاعدة أنه كلما حكم العقل به فعلا حكم على طبقه الشرع فعلًا.
إن قلت إن الظاهر وإن كان كما ذكرت ولكنه توجد قرائن تصرف الحكم في الجزاء عن ظاهره، وتوجب حمله على الحكم التقديري ويكون معنى القاعدة (كلما حكم به العقل فعلا فهو قد حكم به الشرع تقديراً) بمعنى أن الشارع لو أراد أن يجعل في تلك الواقعة حكماً لجعله على طبق حكم العقل وإن كان فعلًا لم يجعل لها حكماً حتى في اللوح المحفوظ، كما لو قلنا بجواز خلو الواقعة من الحكم الشرعي نظير ما يقطع العبد باستحقاق العقاب لو قتل ابن المولى مع أن المولى لم يصدر منه
نهي عن قتل ولده، بل لم يكن ملتفتاً إلى ذلك لكنه لو أطلع لحكم باستحقاق العقاب على ذلك بقرينة أنه لو أردنا به الفعلي لا يتمشى مع القول بجواز خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، لأنه على هذا التقدير يكون العقل قد حكم بدون أن يحكم الشرع.
قلنا إنا لو حملنا القاعدة على هذا المعنى لم تصلح لأن يستدل بها على الحكم الشرعي بواسطة حكم العقل بالحسن أو القبح مع أن القوم لا يزالون يستدلون بها على ذلك. وأما ما ذكر من القرينة فإن القوم قد جعلوا من ثمرات هذه القاعدة هو المنع من القول بجواز خلو الواقعة عن الحكم فكيف بجعل ذلك قرينة على إرادة ما يتمشى معه فيها.
مضافاً إلى أن الأدلة التي أقاموها على هذه القاعدة نوعها يثبت ملازمة الحكم الشرعي الفعلي لحكم العقل الفعلي. فلا وجه للخروج عن ظاهرها وهو انه كلما حكم به العقل فعلًا فقد حكم به الشرع فعلًا. كما أنه لا وجه لحمل العقل فيها على الواقع ونفس الأمر بأن يكون المراد منها أنه كلما كان له في الواقع ونفس الأمر جهة مقتضية للحكم فقد حكم به الشرع سواء وصل إلينا أم لم يصل.
ووجه ذلك واضح لأنه لا تصلح للاستدلال بها على الحكم الشرعي إلا بضم مقدمة وهي أنه إذا أدركت تلك الجهة يدرك الحكم الشرعي فيعود الأمر إلى المعنى الذي ذكرناه بأبعد خط مع أن ظاهر كلماتهم الاستدلال بها بنفسها دون ضم شيء إليها فلا بد من أن يجعل معناها. والمراد ب- (الملازمة) بينهما هل بمعنى التطابق والتوافق أو بمعنى
التقرير أو بمعنى وحدة المدلول؟ توضيح ذلك أنه يحتمل أن يكون المراد بالملازمة أحد المحتملات الثلاثة:
أول المحتملات:هو التطابق بأن يكون المراد بالقاعدة (كل حُكمٍ حَكَمَ به العقل فقد حكم على طبقه الشرع) بمعنى أن العقل إذا حكم باللزوم بنحو الإيجاب أو الاستحباب فلا بد من أن يحكم الشرع بمثله في ذلك المورد، وإذا حكم العقل في مورد بالاجتناب بنحو التحريم أو الكراهة فلا بد من أن يحكم الشرع بمثله في ذلك المورد، وهكذا إذا حكم العقل بالإباحة فكذلك الشرع يحكم بمثله وعلى طبقه. ويؤيد إرادة هذا المعنى هو ما اشتهر عندهم من (تطابق العقل والشرع) فإن ظاهره هو تعدد الحكم ولكن مع التوافق والتطابق. ويؤيده أيضا ما اشتهر في ألسنة الأصوليين من دعوى (التلازم بين حكم العقل وبين حكم الشرع) فإنه بظاهرة يقتضي التغاير بينهما ضرورة التغاير بين المتلازمين. وعلى هذا المعنى ففي المستقلات العقلية يكون حكمان أحدهما الشرعي والاخر العقلي، ويكون حاكمان أحدهما الشرع والآخر العقل، فمثل رد الوديعة فيه حكمان وجوب شرعي ووجوب عقلي ويكون حاكمان الشرع والاخر العقل.
ثاني المحتملات:في الملازمة المذكورة أن ما حكم به العقل يصدّقه الشرع وقرره لا إنه يكون الشرع قد حكم بمثله في مورده نظير ما يصدِّقه الشرع وقرره من الأحكام العرفية والمعاملات العرفية فيكون مؤدى هذه القاعدة نظير ما يروى من قوله (ص): (اتخذوا ما اتخذته العرب) فإنه تصديق من الشارع لما اتخذه العرب. وعليه فيكون معنى الحكم في
شرط القاعدة هو الحكم العقلي بالإيجاب ونحوه، ومعنى الحكم في الجزاء هو تقرير الشارع وتصديقه لذلك الحكم فيكون في المستقلات العقلية على هذا التفسير الحكم واحد وهو حكم العقل والحاكم به إثنان العقل والشرع إلّا أن هذا التفسير خلاف الظاهر من كلمات القوم فإن الظاهر أن هناك حكمين متلازمين.
ثالث المحتملات:في الملازمة المذكورة أن كل حكم إلهي أدركه العقل بواسطة إدراكه حسن الفعل أو قبحه فهو قد دلّ عليه الشرع، فتكون (ما) عبارة عن الأحكام الشرعية، والمراد بحكم العقل هو إدراك العقل له بواسطة إدراك الحسن والقبح بمعنى أن العقل رسول في الباطن يبين الأحكام الشرعية كما أن الشرع رسول في الظاهر يبين الأحكام الشرعية. ولعله أخذ هذا التفسير مما رواه هشام عن أبي الحسن موسى (ع)، قال (ع): (يا هشام أن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول) وعلى هذا التفسير فيكون الحاكم واحد، وهو الله تعالى والحكم واحد، ولكن الطريق إلى الحكم متعدد تارة يكون العقل وأخرى الشرع. ولكن هذا التفسير لا يلائم المقام الذي ذكره الأصوليون لهذه القاعدة حيث إنهم ذكروها في مقام الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وهذا التفسير إنما يلائم دعوى حجية العقل إذا قام على الحكم الشرعي وإن كانت الملازمة تقتضي الحجية. على أن التعبير المذكور لا يفهم منه المعنى المذكور. فظهر أن الحق هو التفسير الأول. وأن محل النزاع هو أن الأحكام العقلية هل يلزم أن يوجد على طبقها أحكام
شرعية أم لا؟ وليس النزاع في أن ذلك الحكم العقلي يلزم أن يبينه الله لرسوله أو لا يلزم أن يبينه له وإنما هو في اللوح المحفوظ؟ أو يلزم أن يبينه تعالى لرسوله (ص) ولكن الرسول (ص) لا يلزم أن يبينه لأوصيائه وسفرائه (ع) أو يلزم أن يبينه الرسول (ص) لأوصيائه وسفرائه لكن هم لا يلزم عليهم أن يبينوه لعباده أو يلزم عليهم ذلك؟ فإن النزاع في هذا خارج عن محل الكلام لأن النزاع في أصل جعل الشارع الحكم على طبق حكم العقل لا في البيان له من الشارع.
الأمر الثاني:أن المنكرين للحسن والقبح العقليين ينكرون هذه القاعدة لإنكارهم حكم العقل. وأما القائلون بالحسن والقبح العقليين اختلفوا في ثبوتها، فالأكثرون على ثبوتها وربما يتوهم من كلام الشيخ (ره) فيالعدةدعوى الإجماع عليها، وهو غفلة كما يظهر من التأمل في كلامه كما ذكره النراقي (ره) وآخرون كالإخباريين على نفيها مطلقاً وينسب ذلك أيضا إلى المحقق الطوسي (ره) ويومي إليه كلام السيد (ره) فيالذريعةعلى ما قيل، وبعضهم نفى القاعدة المذكورة أو نفيها في العمليات دون العقائد كما يحكى عن صاحبالوافية، أو على نفيها في النظريات دون البديهيات كما يحكى عن آخرين. وذهب صاحبالفصول(ره) إلى إنكار الملازمة بحسب الواقع دون الظاهر فهو ينفي الملازمة في الواقع ولكنه يثبتها في الظاهر بمعنى أن هذه الملازمة ليست يحكم بها العقل وإنما تثبت من الشرع أو بأصالة عدم المانع من حكم الشرع لو حكم العقل بشيء، فمثلًا لو حكم العقل بوجوب رد الوديعة فهو لا يحكم بلزوم صدور حكم من الشرع على طبقه، وإنما
مقتضى الآيات والأخبار أن يحكم الشارع على طبقه كقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ] أو من أصالة عدم المانع من حكم الشرع بالوجوب بعد ما أدرك العقل الجهات المحسنة لرد الوديعة. وسيجيء إن شاء الله في مقام نقل الحجة على كلامه ما يوضح مرامه.
الأمر الثالث:أن بعضهم إدعى أن البحث في هذه القاعدة عين البحث عن الحسن والقبح إذ لا يريدون من الحسن إلّا ما يستحق عليه المدح والثواب ممن بيده الأمر- وهو الله تعالى عند المليين والسلطان عند غيرهم- ولا يريدون من القبح إلّا ما يستحق عليه الذم والعقاب ممن بيده الأمر، وهذا هو الحكم الشرعي، فالقول بالحسن والقبح هو نفس القول بهذه القاعدة، ولذا لا تجد لهذه القاعدة في كلام الأقدمين عين ولا أثر، وإنما إكتفوا بتحرير النزاع في أصل ثبوت الحسن والقبح.
والحاصل أنّا لو سلمنا إمكان النزاع في القاعدة المذكورة بعد الإقرار بادراك العقل بالحسن والقبح لكن ندعي إطباق العلماء بعد تسليم إدراك العقل لهما على الملازمة وأن العقل عندهم طريق للشرع.
ولا يخفى ما فيه لأن المسألة عقلية لا نقلية، فهب أن القوم لم يحرروا النزاع في هذا المقام بعد بنائهم على إدراك العقل للحسن والقبح. لكن لما كان للعقل مجال للشك في القاعدة المذكورة صح لنا أن نحرر الكلام فيها ونشرح أن إدراك العقل للحسن والقبح يكفي في ثبوتها أم لا؟ هذا مع أنه من تتبع كلمات المحققين ظهر له أن بعض من قال بادراك العقل للحسن والقبح، وإنه يدرك العقاب والثواب على العمل ممن بيده الأمر يناقش في هذه القاعدة كما هو المحكي عنالزركشي والفاضل والتوني
والسيد صدر الدين() في حواشيه علىالوافيةحيث أن المحكي عنه أنه قائل بادراك العقل للحسن والقبح وإدراكه للمدح والثواب والذم والعقاب، ومع ذلك لا يقول بالقاعدة المذكورة، حيث حكي عن حاشيته على الوافية ما حاصله (لا يقال من حصل له الجزم بأن شيئاً خاصاً من شأنه أن يستحق على فعله الثواب وعلى تركه العقاب، وأنه مراد للشارع وأنه أمر به ولكن منع وصول الأمر للمأمور به مانع، فلا شك أنه يجوز أن يتعبد الله تعالى بفعل هذا الشيء وأنه يثاب على فعله وأنه لو عاقبه الله تعالى على تركه لا يكون عقابه قبيحا فحينئذ يجوز له الافتاء بذلك. لأنا نقول إن التعبد بمثل هذا الشيء محل نظر لأن المعلوم أن وجوب الشيء أو حرمته أو غيرهما إنما يتحقق إذا قامت الحجة من جهة نقل قول المعصوم (ع) أو فعله (ع) أو تقريره (ع) لا أنه يتحقق بمعرفتها من أي طريق كان وقس عليه الفتوى. وبالجملة أن مجرد العلم بأن هذا الشيء مما يحسن فعله أو تركه وأن الشارع يعاقب عليه أو يثيب عليه ليس بحكم شرعي ما لم يصير المكلف مخاطبا بالفعل بأن يصل إليه قول النبي (ص): (صلّ أو صم) وكذا أخبار الشرع بأن هذا الشيء واجب أو حرام أو طلبه قبل بلوغ الخطاب ليس حكما. وعلى هذا كل الأوامر والنواهي قبل بلوغ المكلف بها خطابات بالقوة لا يترتب عليها آثارها من الثواب والعقاب وفيما نحن فيه المفروض عدم بلوغ الحكم إلينا بل نريد أن نثبت الحكم الشرعي بتوسط الحكم العقلي). هذا حاصل كلامه (ره) وهو صريح في أنه ليس كلما حكم به العقل