بالإطلاق السكوتي أو بالقول بالدلالة الالتزامية العرفية بالاكتفاء به عن المبدل كما تقدم في الدليل الأول، أو القول بأنه يفي بالمصلحة المرادة للمولى من المبدل في هذه الحالة فيسقط وجوب المبدل في هذه الحالة والأصل البراءة من أمر جديد بالمبدل، أو القول بالمنافاة بين وجوب البدل ووجوب المبدل في الواقع فإذا ثبت ووجوب البدل زال وجوب المبدل، والأصل البراءة من الأمر به.
وأما ما ذكره في القسم الثاني ففيه أن محصل كلامنا هي الأوامر البدلية فالأمر لابد من أن يكون بعنوان البدل ووارد مورد جعل البدل وإلّا لكان واجباً آخر مستقلًا وهو خارج عن محل الكلام.
الموضع الثاني في: جواز المبادرة في امتثال الأوامر الثانوية البدلية عن الواقع
قد عرفت ما تقتضيه أدلة الأوامر الثانوية من أجزاء متعلقها عن إتيان الأوامر الواقعية الأولية، وأما الكلام في جواز البدار لإمتثالها، ويراد بالبدار هو إتيان متعلقة قبل ضيق وقته بمعنى إتيان أنه يجوز له الإتيان بالمأمور به في آن العذر وإن احتمل أو ظن أو علم زوال العذر في الآن الثاني من الوقت أو الاجزاء اللاحقة من الوقت ويسمى هذا المبحث بجواز البدار لذوي الأعذار فنقول: أكثر القدماء على جواز البدار مطلقاً، والمحكي عنالمرتضى وابن جنيد وسلارالمنع مطلقاً، والمحكي عن جماعة من فضلاء من تأخر عنالشهيد(ره) على التفصيل بين راجي الزوال فالمنع، وبين الآيس من الزوال فالعذر فيجوز له البدار، وبعضهمكالمحقق الهمدانيفصّل بين صورة العلم بزوال العذر في الوقت وبين عدمه، وقد تقدم جملة من أمثلة هذا الباب
والكلام فيه لا يختص بالواجبات الموسعة الموقتة بالخصوص بل يعمها ويعم الموسعة مادام العمر كالحج والعمرة بناء على عدم فوريتهما وقد حصل العذر في بعض أفعالهما أو شرائطهما وكقضاء الصلاة كذلك، بل يجري في الواجبات بالنيابات أو بتحمل عن الميت ونحو ذلك، فالمسألة على أقوال ثلاثة:
القول الأول:جواز البدار مطلقاً سواء أكان آيساً من زوال العذر أم لا إلّا فيما قام عليه دليل خاص، استدلوا على ذلك بأمور:
الأمر الأول:إطلاقات أدلة الأحكام العذرية، فإن كل تكليف إذا أخذ في موضوعه شيء يكون نفس وجود الشيء معتبراً فيه لا استمراره فإذا أخذ العذر في موضوع التكليف من دون تقييده بالاستمرار فهم منه أن مجرد حصوله كافٍ في حدوث التكليف، وأدلة الأحكام العذرية كلها أخذ فيها مجرد العذر إلّا في التيمم فقط، فإنه يوجد فيه خمسة روايات أو ستة روايات بين دالة على طلب الماء وبين دالة على الصبر مطلقاً مع وجود معارض لها أيضاً. قال المرحوم الحاجأغا رضا(ره) في مبحث العاجز عن القعود في الصلاة: (من أن المنساق من أغلب الأدلة اللفظية المثبتة للتكاليف الاضطرارية في سائر الموارد كمواقع التقية وأشباهها إنما هو إناطة هذه التكاليف بالعجز حال الفعل لا مطلقاً فيجوز البدار إلى الصلاة في سعة الوقت وأن تحتمل زوال العجز في الأثناء أو بعدها وتصح صلاته. ثم أيد ذلك بإطلاق فتوى الأصحاب بالمضي في الصلاة عند تجدد القدرة أو العجز في الأثناء من غير نقل خلاف فيه عن أحد منا).
أقول إن التحقيق أن يقال أن دليل الأمر الثانوي قد يكون صريحاً أو ظاهراً في أن مجرد حصول العذر يكون مأخوذاً فيه، فلا إشكال في هذه الصورة في جواز البدار لحصول موضوع التكليف، وتارة يكون المأخوذ فيه هو العذر المستوعب فلا يجوز له البدار إلّا إذا قطع باستمرار العذر أو قام على استمراره الحجة الشرعية. والظاهر أنه لم يقم في الشرع دليل على اعتبار استمرار العذر في الأحكام العذرية إلّا في التيمم فإن النصوص الواردة فيه خمسة أو ستة بين الدالة على طلب الماء والدالة على الصبر مطلقاً مع وجود معارض لها، وكيف كان فلو شك في ما يعتبر فيه استمرار العذر في تحقق استمرار العذر لديه فقد يقال بل قد قيل كما قد نسب للمرحوم أستاذنا المرحومالشيخ ضياء العراقي(ره) أنه يجوز استمرار العذر بالاستصحاب فيجوز البدار بتقريب أن العذر من إتيان المبدل منه قد تيقنا بوجوده فعلًا وشككنا في بقائه إلى آخر أزمنة إمكان إتيان العمل فنستصحب بقائه إذ لا مانع من شمول أدلة الاستصحاب لليقين والشك في المستقبل لأنه من أفراد اليقين والشك في البقاء. ودعوى أنه لازمه استيعاب العذر فيكون الاستصحاب أصلًا مثبتاً مدفوعة بأن المتيقن هو العذر عن إتيان المبدل منه بأفراده العرضية والطولية أما أفراد المبدل منه العرضية فمعذور عنها لفرض حصول العذر فعلًا، وإما الأفراد الطولية فمعذور عنها لعدم قدرته عليها فالعبد متيقن فعلًا بالعذر عن الأفراد الطولية والعرضية للمبدل منه، ثم أنه يشك في بقاء هذا العذر إلى آخر أزمنة الإمكان فيستصحب بقاءه ويحرز استيعاب العذر بالاستصحاب.
أقول ولعل هذا نظير ما يقال في اشتراط القدرة في التكاليف إلى تمام العمل فإنه يقال بإحرازها إلى تمام العمل بالاستصحاب، ولكن يمكن المناقشة في هذا الاستصحاب بأن وجود الشيء غير استمرار وجوده، واستصحاب نفس الشي إنما يثبت نفس وجوده في زمان الشك، ولازمه عقلًا أن يكون وجوده مستمراً وفرض الكلام أن الأثر إنما كان لاستمرار وجوده لا لنفس وجوده. وفيه إذ الأثر لنفس الوجود.
وتارة يكون دليل الأمر الثانوي مجملًا فليس له ظهور في كون مجرد العذر موضوعاً أو استمراره موضوعاً. وعليه فلا يجوز البدار لأنه يكون الدليل المذكور بالنسبة لدليل الحكم الواقعي الأولي من قبيل المقيد أو المخصص المنفصل الدائر بين الأقل والأكثر، لأنه دائر بين العذر المستمر ومجرد العذر نظير ما إذا تردد المخصص المنفصل (لاكرم العلماء) بين مطلق (الفساق) أو خصوص (فساق النجف) فإنه يتمسك بالعام في الزائد ويقتصر في التخصيص على الأقل الذي هو القدر المتيقن، ففيما نحن فيه يقتصر على العذر الاستمراري. وعليه فيكون الموضوع للحكم الثانوي هو العذر الاستمراري فلا يجوز البدار. وعليه فلا وجه لما تمسك به بعضهم لإثبات جواز البدار في هذه الصورة بإصالة عدم لزوم يأخير الواجب الإضطراري وأصالة عدم تعيين ايقاعه في آخر أوقات الإمكان.
الدليل الثاني:أن تكليف ذوي الأعذار بالأنتظار فيه عسر وحرج منفيين آية ورواية، فإن أغلب الأوقات لا يعلم أخرها إلّا بترصد وكمال دقة مع اختلاف أحوال الناس في السفر والحضر وكثرة وقوع الأمراض والأعذار كما هو المشاهد في أغلب الأعصار والأمصار فلو لزم في
جميع ذلك كله التأخير وعدم جواز البدار لزم العسر الواضح المنفي في الشريعة.
الدليل الثالث:الإجماع فإن من لاحظ فتاوى أصحابنا في الأعذار في أبواب الفقه يجد فتاواهم على جواز البدار في أغلب الأعذار وبضميمة عدم القول بالفصل إلّا في التيمم يتم المطلوب وهو جواز البدار في الجميع ولكن يمكن المناقشة فيه بمخالفةالمرتضى وابن جنيد وسلار(ره) على ما نقل عنهم من الفتوى بحرمة البدار لذوي الأعذار.
الدليل الرابع:سيرة المتدينين من العلماء والعوام من أصحاب الأعذار على البدار من دون انتظار كما نشاهده في أهل الجبائر والأمراض فإنهم يصلون أوائل الأوقات، وهذا كاشف عن كون السلف على ذلك وهو كاشف عن طريقة أهل زمن الشارع على ذلك وهو كاشف عن تقريره ورضاه بذلك.
الدليل الخامس:أن حرمة البدار لو كانت موجودة في الشرع لأشتهر أمرها وتواتر الأخبار بها وتضافرت الفتاوى عليها لعموم البلوى بالأعذار وتوافر الدواعي إلى السؤال عن البدار مع أنا لم نجد في النصوص على كثرتها في باب الأعذار ما يدل على حرمة البدار إلّا خمس أو ست روايات في باب التيمم تدل على حرمة البدار فيه مع وجود المعارض لها، ولا ريب أن هذا الباب العظيم المهم لا يكتفي فيه بذلك.
الدليل السادس:إطلاق ما دل أفضلية أول الوقت والاهتمام في المبادرة بالفرائض. وعموم أدلة المسارعة والاستباق واللوم الوارد في حق من يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فإنها كلها شاملة لذوي الأعذار وغيرهم على حد سواء، ولا دليل على تقييدها بغير ذوي الأعذار.القول الثاني:وهو حرمة البدار لذوي الأعذار مطلقاً. وهو المنسوبللسيد المرتضى(ره)وسلار(ره)وابن الجنيد(ره) على ما نقل عنهم ولم تحضرني عبارتهم وكتبهم، والذي استدل به لهم أمران:
أولهما:أن التكليف أولًا وبالذات إنما هو للواقعي الاختياري ولا ينتقل لبدله إلّا مع تعذر الاختيار، ولما كان محل كلامنا هو الواجب الموسع لأن الواجب المضيق لا يتصور فيه البدار، والواجب الموسع يصح إيقاعه في أي جزء من أجزاء زمن التوسعة فما لم يستوعب العذر جميع أجزاء الوقت لا يصدق أن الاختياري متعذر حتى ينتقل التكليف منه إلى بدله ما هو واضح فلو قال المولى لعبده (أأتني بالخبز بكرة من الصبح إلى الظهر فإن لم تجده فأتني بالتمر) ولا ريب أن هذا العبد إذا أصبح ولم يجد الخبز فأتى بالتمر معتذراً بأن الخبز لم يوجد فعلًا ذمه العقلاء معللين بأنه لعلك تتمكن من الخبز في أثناء النهار. والسر في ذلك أن التكليف المتعلق بالكلي لا يسقط إلّا بتعذر جميع أفراده الطولية والعرضية، إذ مع التمكن من أحد أفراده لا يكون متعذراً فلا يصدق التعذر إلّا مع استيعاب العذر للزمان كله حتى لا يكون متمكنا منه، ولا يعلم هذا التعذر إلّا بالصبر إلى آخر أوقات الإمكان، فإن بقي العذر أتى
ببدله وإن زال أتى بأصله وهو المأمور به الواقعي. وجوابه ان الأدلة الدالة على رفع التكاليف الاختيارية على نحوين:
النحو الأول:لا يستفاد منها إلّا مجرد رفع الحكم الاختياري في حال العذر من دون وضع تكليف في مكانه لحديث الرفع حيث دل على رفع ما اضطر وإليه وما أكرهوا عليه، وهكذا أدلة نفي العسر والحرج وأدلة نفي الضرر ونحوها فإنها حتى بالنسبة إلى أجزاء الواجب أو شرائطه لا تنفي إلّا وجوب المركب من ذلك الجزء أو الشرط ولا تثبت الوجوب للباقي منه.
إن قلت إنها لمّا رفعت التكليف عن خصوص الجزء أو الشرط لابد من أن يكون الباقي باقياً على وجوبه.
قلنا لما كانت واردة في مقام المنة، وليس من المنة إثبات التكاليف فهي لا تجري في نفس وجوب الجزء أو الشرط بل إنما تجري في رفع وجوب المركب منهما ويحتاج إثبات وجوب الباقي إلى دليل، لذا نحن لم نتكلم في مفاد هذا النحو من أدلة الاضطرار والأعذار إذ لم يثبت بها تكليف في هذه الحال فلذا لا يهمنا تحقيق الحال في أن المأخوذ في موضوعها هو مجرد وجود العذر أو العذر المستمر وإن كان ربما يظهر لمن أمعن النظر فيها أن المأخوذ فيها هو مجرد العذر.
النحو الثاني:ما يستفاد منها إثبات التكليف في حال الاضطرار بدل التكليف الاختياري، ولازمها رفع التكليف الاختياري. والعذر المأخوذ فيها لو كان هو العذر المستوعب صح ما ذكر لكنك قد عرفت في أدلة القول الأول أن المأخوذ في أدلة التكاليف العذرية هو مجرد العذر دون
استمراره، فإذا تحقق العذر ثبت التكليف المعلق عليه وصح إتيانه به شأن سائر ما يعلق عليها التكاليف والمثال المذكور كذلك، ولا نسلم صحة لوم العقلاء للعبد فيه. نعم لو كان المأخوذ العذر المستمر أو كان الدليل مجملًا لم يصح البدار إلّا إذا أحرز استمرار العذر بالعلم أو بالحجة الشرعية.
ثانيهما:أن الروايات الواردة في باب التيمم على لزوم التأخير مثل قوله (ع): (ليس للمتيمم أن يتيمم إلى أن يضيف الوقت أو عليه أن يطلب الماء ما دام في الوقت) ونظائر ذلك فإن النصوص الواردة في ذلك خمسة أو ستة بين دال على الطلب وبين الدال على الصبر مطلقاً، فإذا وجب على المتيمم ذلك لزم في غيره أيضاً لعدم وضوح الفرق بين التيمم وغيره أو لعدم القول بالفصل. وجوابه أن الفارق بين التيمم وغيره موجود فإن التيمم قام الدليل على عدم جواز البدار فيه، وقد أفتى به المشهور وغير التيمم قد قام الدليل على جواز البدار فيه، والقول بعدم الفصل في المقام من أبشع ما يقال لما عرفت في القول الأول من ذهاب معظم القدماء إلى جواز البدار في غير التيمم.
القول الثالث:وهو القول بالتفضيل بين الآيس من زوال العذر فيجوز له البدار، وبين الراجي لزوال العذر في الوقت فلا يجوز البدار وقد ذهب إليه جماعة ممن تأخر، وقد استدلوا على ذلك بأن مع الإياس من زوال العذر يسقط عنه التكليف بالواقع الأولي لتعذره في نظره بخلاف ما لو كان راجياً فإنه لا يرى نفسه متعذراً في حقها التكليف بالواقع الأولي حتى يسقط عنها وينتقل حكمه إلى بدله.
وجوابهما عرفته غير مرة من أن الميزان ما هو مأخوذ في دليل التكليف العذري، فإن كان هو العذر المستوعب لم يكف الإياس إلّا أن يبلغ حد العلم باستيعاب العذر للوقت كما أنه لا يلزم الإياس لو قامت الحجة الشرعية على استيعاب العذر للوقت، وإن كان المأخوذ مطلق العذر فبمجرد وجوده توجه التكليف العذري وإن علم بزوال العذر قبل الوقت وإذا توجه التكليف العذري صح إتيانه ولا يلزم تأخيره إلى آخر أزمنة الإمكان. نعم لو كان المكلف يعلم بزوال العذر بمقدمات يمكنه الإتيان بها كأن يعلن بأنه لو شرب الدواء تمكن من الصلاة قائماً ولو أشعل النار تمكن من استعمال الماء ولو تعلم القراءة أمكنه القراءة الواجبة حرم عليه البدار ووجب عليه إزالة الأعذار، لأن المقدمات الوجودية للتكليف واجب عليه تحصيلها وعلى ذلك ضرورة المذهب وأما لو لم يكن إزالة العذر تحت اختياره كالمبطون والمسلوس فيجوز له البدار حتى لو علم بزوال العذر قبل انتهاء الوقت لإطلاق أدلة التكاليف العذرية مع أن القول بحرمة البدار عليه لازمه عدم توجه التكليف العذري له عند حصول العذر ولا أظنه يلتزم بذلك أحد.
القول الرابع:التفصيل بين ما لو علم بزوال العذر قبل فوت الوقت فلا يجوز البدار، وبين عدم العلم بذلك فيجوز البدار وهو الذي يظهر من المرحوم الحاجالمحقق أغا رضا الهمداني(ره) مستدلًا على ذلك بانصراف أدلة التكاليف العذرية من صورة العلم بزوال العذر قبل فوات الوقت ألّا ترى أنه لو أمر المولى عبده بإطعام شخص مثلًا في الغد بخبز الحنطة مع الإمكان وبالشعير لدى العجز فلم يجد العبد في