بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 46

والقبح لعلمه وحكمته وتعاليه عن الحاجة والنقصان. ودعوى أن هذا لا يثيب الملازمة لجواز خلو الواقعة عن الحكم الشرعي رأساً. مدفوعة بأنه قد ثبت عندنا بالأخبار والآثار من أن الله تعالى في كل واقعة حكما معينا بينه لنبيه (ص) وبينه نبيه (ص) لأوصيائه (ع)، فالأحكام كلها مخزونة عندهم وليس في الواقع واقعة خالية من الحكم المجعول للشارع.

أدلة الخصم‌

استدل المنكرون للملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع مطلقا بوجوه:

أحدها:ما يظهر من‌السيد الصدر القمي (ره)في شرحه على‌الوافيةمن أن ما تدركه عقولنا من جهات الحسن والقبح لا نحرز صدق حكمه لجواز غفلته عن معارضته جهة أخرى موجبة للقبح مع رجحان الثانية على الأولى. نعم لو أحاط العقل بالعلة التامة فحكم باعتبارها بالحسن والقبح لقطعنا بصدق حكمه، ولعل القليل من الأحكام تكون كذلك إذ أكثرها مما لا سبيل للعقل إلى الإحاطة بجهاتها المقتضية للحسن أو القبح فعلى هذا يمكن أن يكون شي‌ء حسنا عند عقولنا قبيحا في الواقع وبالعكس. سلمنا إحاطة العقل بالجهات الموجبة للحسن أو القبح لكن الحق أن الحكم الشرعي الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب أو ما شابه العقاب مثل ما يترتب على المكروه هو ليس إلّا طلب الشارع من المكلف فعلًا أو تركاً بحيث تتحقق الطالبية والمطلوبية في الخارج.

وبالجملة أن وجود الإضافة التي يعبر عنها بالخطاب معتبر في تحقق حقيقة الحكم وليس الحكم الشرعي مجرد علم الشارع بان شيئا خاصا مما


صفحه 47

يحسن فعله أو تركه. وكذا ليس الحكم الشرعي مجرد إرادة الشارع من المكلف الفعل أو الترك أو رضاه بذلك من دون أن يصير المكلف مخاطبا بالفعل بأن يصل إليه قول النبي (ص): (صَلِّ) أو (صُم)، بل ليس أيضا من الحكم الشرعي مجرد إخبار الشارع بأن هذا الشي‌ء واجب أو حرام أو مطلوب قبل بلوغ الخطاب من الشارع للمكلف فعلى هذا تكون جميع الأوامر والنواهي قبل علم المكلف بها خطابات بالقوة لا يترتب عليها آثارها من الثواب والعقاب. إذا عرفت ذلك فنقول قولكم (كلما حكم عليه العقل بحكم مطابق للواقع فقد حكم الشارع عليه بحكم مماثل له) إن أردتم به أنه إذا علم وأذعن بأن هذا الشي‌ء بحيث لو نقل إلى المكلف الأمر به أو النهي عنه لكان مستحقا للثواب على امتثاله والعقاب على عصيانه فهو مسلم ولا نمنعه. ولكن لا يترتب على ذلك الثواب والعقاب لعدم وجود الخطاب الفعلي به، وإن أردتم به أن الفعل أو الترك مرضي عند الشارع أو ممقوت له أو أخبر أهل بيته بالحكم أو قال لهم: قولوا للناس افعلوا أو لا تفعلوا إن رأيتم المصلحة وهم ما رأوها فكذلك لا نمنع ذلك ونسلمه، ولكن لا يترتب على ذلك الثواب أو العقاب لعدم وجود الخطاب، وإن أردتم به طلب الشارع فعلًا أو تركاً بحيث حصل التكليف وصرنا مكلفين فهو خلاف الفرض لأن المفروض عدم بلوغ الحكم إلينا حيث إنا نريد أن نثبت الحكم الشرعي بتوسط الحكم العقلي. لا يقال من حصل له الجزم بأن شيئاً خاصاً يستحق على فعله الثواب وعلى تركه العقاب وأنه مرضي ومراد للشارع وأنه أمر به ولكن منع من وصول أمره إلى المأمور مانع فلا شك أنه يجوز له أن يعبد


صفحه 48

الله تعالى بفعل هذا الشي‌ء وأنه يثاب بفعله وأنه لو عاقبه الله على الترك لا يكون عقابه قبيحاً فحينئذ يجوز له الإفتاء بأن هذا الشي‌ء واجب كما يجوز لنفسه العمل به بقصد أنه واجب وهو المطلوب، لأنا نقول ان التعبد بمثل هذا الشي‌ء محل نظر لأن المعلوم هو أنه يجب فعل الشي‌ء أو لا يجب إذا حصل الظن أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما من جهة نقل قول المعصوم أو فعله أو تقريره لا أنه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أي طريق كان وقس عليه حال الفتوى فإنه لا يجوز الفتوى بقول المعصوم المسموع منه في المقام.

والجواب عن ذلك أما عما ذكره:

أولًا:من عدم إحراز صدق حكم العقل لاحتمال وجود جهة أخرى معارضة. ففيه أن العقل إذا حكم بذلك يكون قاطعاً بحكمه كما هو فرض الكلام، وعليه فهو لم يحتمل جهة أخرى معارضة كيف ولو تم ذلك لأفضى إلى انقطاع العقل في العقائد الواجبة كمعرفة الله تعالى ووحدته وعدله إذ يمكن حينئذ أن يقال لا نجوّز أن نحكم بمطابقة ما حكم به للواقع لجواز الغفلة عن معارضة جهة أقوى منها. وأما ما ذكره أخيراً فمنقوضُ بموارد الإجماع والتقرير والسيرة والضرورة مما كان الحكم موجوداً بدون خطاب. ومردود بأن إن أراد بالحكم الشرعي هو الخطاب الخارجي الواصل إلى المكلف كما هو الظاهر من قولهم الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بالمكلفين، فالحق معه إذ لا يلزم حكم العقل بالحسن والقبح وجود هذا الخطاب لخفاء كثير من مثل هذا الخطاب علينا، لكن عدم وجود هذا الخطاب لا ينافي وجود إرادة المولى الجدية


صفحه 49

المستتبعة للثواب والعقاب فبحكم العقل بالحسن الموجب للثواب والقبح الموجب للعقاب يستكشف إرادة المولى الجدية للعمل أو بغضه له الموجبان لاستحقاق العبد للثواب أو العقاب إذ استحقاق الثواب والعقاب إنما يدور مدار إرادة المولى وبغضه، ألّا ترى أن العقلاء يلومون العبد الذي يقتل ابن سيده لأن سيده لم يخاطبه بالمنع من قتله. وإن أراد بالحكم الشرعي هو الخطاب الشأني الصادر من الشارع سواء وصل للمكلف أم لم يصل إليه كما هو الظاهر من إطلاقهم الحكم في باب التصويب والتخطئة فالأمر كذلك كالأول خصوصا عند من يقول بجواز خلو الواقعة عن الحكم. وإن أراد بالحكم الشرعي الإرادة والكراهة كما ربما يطلق الحكم عليها في الألسنة الدارجة، فالحق هو ثبوت الملازمة فإن العقل إذا قطع بحسن شي‌ء بحيث يرى استحقاق الثواب والمدح عليه ممن بيده الأمر يجزم بإرادة المولى العالم العادل الرؤوف بعباده الناظر لمصلحة مخلوقاته إرادة جدية لفعله بحيث يستحق الثواب منه عليه، وهكذا إذا قطع بقبح شي‌ء بحيث يرى استحقاق العقاب والذم عليه ممن بيده الأمر يجزم بإرادة المولى المذكور لتركه بحيث يستحق العقاب منه على فعله من غير حاجة لكاشف لفظي بدليل أن من علم إرادة مولاه أو بغضه ووافقهما عدّ مطيعاً ومن خالفهما عدّ عاصياً.

إن قلت إنهم عرفوا الكبيرة بما وعد الله عليه بالنار في كتابه المجيد، فإن هذا التعريف يدل على عدم ترتب العقاب عليها وعدم ثبوت آثار الكبيرة على فعلها إلا بعد ثبوت الخطاب بها.


صفحه 50

قلنا هذا التحديد لو سلمنا صحته فإنما يدل على أن الفعل يعد من الكبائر حتى يوعد عليه بالنار في الكتاب المجيد، ولا يدل على عدم ثبوت العقاب عليه إذا لم يوجد في الكتاب المجيد أو في الخطاب الشرعي.

إن قلت إن الثواب والعقاب على موافقة الإرادة ومخالفتها لا يسمى ثواباً ولا عقاباً.

قلنا هذا خلاف الوجدان فإن من هدم دار مولاه يسمى عاصيا وإن لم يصدر من مولاه خطاب بحرمة ذلك، كيف والمتكلمون عرفوا الثواب بإيصال النفع بقصد التعظيم والعقاب بما يقابله ولم يأخذوا في تعريفهما الخطاب اللفظي. هذا مع أن جعله الفرق بين القطع بالوجوب والحرمة من جهة النقل وبين القطع بهما من طريق آخر لا وجه له لما تقرر في محله من أن القطع حجة من دون فرق بين أسبابه وجهاته.

ثانيها:ما هو المحكي عن‌جمال الدين الخونساري‌من أن الحسن أو القبح وإن كان مسلماً في بعض الأفعال لكن يمكن أن لا يكون في بعض الأعمال جهة حسن ولا جهة قبح ومع ذلك أمر الشارع به أو نهى عنه ليعلم المطيع من العاصي. وقد حكي أنه (ره) قد أجاب عن ذلك بأنه يمكن أن يستكشف من الأخبار والآثار والآيات عدم تعّلق الأمر والنهي إلا بكل حسن أو قبيح.

ثالثها:أن ما يحكم به الشرع مغاير لما يحكم به العقل، لأن الذي يحكم به العقل هو ترتب المدح أو الذم والذي يحكم به الشرع هو استحقاق الثواب أو العقاب، والحكم بأحد المتغايرين لا يستلزم الحكم بالآخر. وفيه ما لا يخفى فإن الأدلة الدالة على الملازمة تثبت ملازمة الحكمين.


صفحه 51

رابعها:قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] وقوله تعالى [أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ‌] وقوله تعالى [وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا] فإنها ولا سيما الأولى منها تدل على عدم استحقاق الكفار العذاب قبل البعثة، فلا يصح أن يقال إن كلما حكم به العقل حكم به الشرع، لأن العقل قبل بعثة الرسول في المستقلات العقلية يحكم باستحقاق عقاب العبد ممن بيده الأمر على الترك أو الفعل وباستحقاق الثواب كذلك فهو في المستقلات العقلية حكمه لا يتوقف على حكم الشارع كما هو الفرض وإلّا لما صارت مستقلات ومنطوق الآية أنه قبل البعثة لا حكم للشرع حتى لو حكم العقل بوجوب العمل أو حرمته أو غيرهما من الأحكام، بل الآية تدل أيضاً على أن حكم العقل ليس بحجة إذ لو كان حكم العقل حجة لجاز تعذيبهم حيث خالفوا مقتضى العقل، فالآية تنفي كلية هذه القاعدة وكلية حجية العقل وهو كاف في المقام.

ودعوى أنه يتم دلالتها بناء على تسليم أن الظاهر من الرسول هو الرسول الظاهري وأما لو أُريد من الرسول هو الأعم منه ومن الرسول الباطني الذي هو العقل.

فلا فاسدة بقرينة قوله تعالى (نَبْعَثَ‌) فإنه يلائم الرسول الظاهري وغير ملائم للعقل. وعليه فلا يتم ما أجاب به الفاضل ألقمي (ره) عن هذا الاستدلال من أن المراد بالرسول في الآية الشريفة أعم من الرسول الظاهري والواقعي. ثم أن الظاهر من الآية الشريفة نفي العذاب العاجل‌


صفحه 52

والآجل عن كل عمل لم يبعث فيه الرسول سواء أكان مما يستقل العقل بقبحه أم لا وعن كل ترك سواء أكان مما يستقل العقل بحسنه أم لا يستقل بقرينة حذف المتعلق فإن حذف المتعلق ظاهر في العموم فلا يرد ما أجيب به عن هذا الاستدلال بأن الآية لا عموم فيها فلا تشمل إلا نفي العذاب العاجل دون الآجل فلا تنافي حكم العقل باستحقاق العقاب الآجل ولا تشمل إلّا ما يحتاج إلى البيان ولا يستقل به العقل ولا تشمل ما يستقل به العقل.

ودعوى أن الآية الشريفة إنما تدل على نفي فعلية العقاب لا على نفي الاستحقاق. والعقل إنما يثبت استحقاق العقاب لاحتماله العفو والتفضل ممن بيده الأمر كما في الصغائر حيث ورد الوعد بالعفو عنها فهي لا تعارض حكم العقل.

مدفوعة بأن الأخبار عن نفي فعلية العذاب قبل إرسال الرسول به مستلزم لنفي الاستحقاق حذراً من حصول التجري لهم على المعاصي. وفي الأخبار عن نفي فعلية العذاب قبل بعث الرسول بالحكم وبيانه له إذ لو كانوا قبل بعث الرسول به مستحقين للعذاب بفعل القبيح وترك الحسن. وعدم تعذيبهم إنما كان من باب التفضل والعفو لكان إخبار المخبر الصادق عن نفي فعلية العذاب وعن أنه لا يعذبهم قبل بعث الرسول به سببا لتجريهم وتسارعهم إلى المعاصي التي يستحقون عليها العقاب، واللازم باطل لأنه تعالى لا يصير سببا لتجري عباده على المعاصي. فلا بد من أن يبطل الملزوم وهو كونهم مستحقين للعذاب‌


صفحه 53

فتثبت من الآية الشريفة بالإلتزام كونهم غير مستحقين للعذاب قبل بعث الرسول.

والحاصل أن نفي فعلية التعذيب لا بد من أن يكون المراد منها نفي استحقاقه أيضاً إذ لو كان مستحقاً للعذاب ونفى الله عنه التعذيب الفعلي لكان يقدم على ارتكاب ما يستحق عليه العذاب لكون الشارع قد نفى عنه وقوع التعذيب عليه فيكون للعبد الحجة على عدم التعذيب حيث له أن يحتج فيقول: يا رب لِمَ تعذبني وقد وعدتني بعدم التعذيب وأنت لا تخلف الميعاد؟ ولا ريب أن ذلك يكون إغراء له بارتكاب القبيح الذي يستحق عليه العقاب لأطمئنان نفسه بأنه لا يقع عليه العقاب حتى لو كان مستحقا له لوعد الله تعالى بنفي وقوع العقاب عليه والله لا يخلف الميعاد.

إن قلت بأن نفي وقوع التعذيب ليس فيه إغراء بارتكاب ما يستحق عليه العقاب وإلا لكان ما جاء في بيان سعة رحمة الله تعالى أيضا إغراء بارتكاب المعاصي كقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا].

قلنا إن أقصى ما جاء في ذلك تجويز العفو وأين هذا من أخبار الله تعالى بنفي وقوع التعذيب؟

والحاصل أن الوعد بالعفو غير الوعد بعدم العقاب، فإن في الثاني يكون الوعد إغراء لكون للعبد أن يحتج به عند ارتكاب ما يستحق عليه العقاب دون الأول فإن الوعد بالعفو ليس للعبد أن يحتج به على عدم العقاب.