ولا يخفى ما فيه فإن الوعد بالعفو عبارة عن الوعد بعدم العقاب والحق أن الوعد بعدم التعذيب لو كان فيه إغراء لما صح الوعد بالعفو عن الصغائر والعفو عن الكبائر بالتوبة وبالبكاء على الحسين (ع) وبدخول الكعبة ونحو ذلك.
اللهم إلا أن يقال إن العفو لما كان مجملا ويحتمل تخصيصه وغير مبيّن فيحتمل أن يكون له شروط لم يكن فيه صلاحية لأن يحتج به العبد وقول بعضهم بأن أدلة العفو ليس فيها إغراء لأن العالم العارف بها إذا بلغ درجة المعرفة بها لا يغترّ بها. والجاهل لا يعلم بها حتى يغترّ بها. فاسد فإن العلم منها يحصل لأبسط الناس فيقدم العالم بها على ارتكاب القبائح، هذا مضافاً إلى أن الظاهر من قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ] هو نفي استحقاقهم العذاب لا نفي فعلية العذاب وإلّا لقال تعالى ولم نعذب أو ما عذبنا. هذا غاية ما يمكن من الذب عن الاستدلال بهذه الآية والجواب عنه بوجوه:
الوجه الأول:أن المراد منها نفي العذاب أو نفي استحقاقه في العاجل فقط إلّا بعد البعث للرسول وذلك بقرينة تفسير جمع من المفسرين لها بذلك، إذ فسروها بنفي العذاب في العاجل خاصة أعني في دار الدنيا، وبقرينة ما دل على تعذيب الملحدين وعبدة الأوثان مطلقاً قبل بعث الرسول وبعده، وبقرينة جريان عادته تعالى على تعذيب الأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وصالح وفرعون في العاجل، فيكون المراد منها نفي العذاب في العاجل. وعليه فالآية لا تنافي ما ندعيه من حكم العقل باستحقاق العقاب ولو في الآجل أعني في الآخرة كما يرشد
إلى ذلك قوله تعالى في سورة القصص [وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا] وقوله تعالى [أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ] فإن المراد بغافلون هو عدم إتيان الرسل بالشرائع لهم. سلمنا عدم ظهورها في نفي العذاب في الآجل لكن لا أقل من الاحتمال بملاحظة تلك القرائن وبعد الاحتمال يسقط الاستدلال.
الوجه الثاني:بأن دلالة حذف المتعلق على الشمول إنما هو من باب الاطلاق لا العموم المصطلح فيعامل معه معاملة المطلق وإذا كان مطلق فينصرف إلى الفرد الشائع وهو نفي العذاب عما يحتاج إلى البيان وإلى البعث كوجوب الحج والصوم والصلاة وحرمة نكاح الأختين وبنت الأخت على الخالة والأخ على العمة من دون أذنهما ولا ينصرف إلى النادر وهو ما يستقل العقل باستحقاق العذاب عليه ممن يرجع الأمر إليه كقبح الظلم والعدوان وحسن العدل والإحسان ورد الوديعة والعارية وإنقاذ الغريق، ولا سيما إذا كان محسناً. سلمنا أنه ليس بالفرد النادر أو أن حذف المتعلق دال على العموم والعام يشمل الفرد النادر لكن ذلك إنما يوجب انعقاد ظهور للآية فيه. وحكم العقل بالاستحقاق للعقاب دليل قطعي فيكون مقيداً أو مخصصاً للآية بغير ما يستقل به العقل حملا للدليل الظني على القطعي، وإن شئت أن تقطع بكون الآية غير دالة على ما يستقل العقل بالعقاب عليه فارجع إلى العرف فلاحظ قول المولى لعبيده الذين أتى بهم من الزنج والحبشة: يا عبيدي أني لا أعذبكم في فعل ولا في ترك حتى أبعث إليكم رسولا ينبأكم بإرادتي ويبلغكم أحكامي، فخربوا داره وحرقوا أمواله وقتلوا أولاده وفعلوا ما يستقل
العقل باستحقاقهم العقاب عليه فهل تجد من نفسك أن تقول أنهم غير مستحقين للعقاب لعموم قول المولى؟
الوجه الثالث:بأنها معارضة مع الآية الشريفة الأخرى وهي قوله تعالى [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] حيث اشتملت على التعليل بالهلاك عن بينة والحياة عن بينة. ولا ريب أن منصوص العلة حجة ومقتضى ذلك الأخذ بحكم العقل لكونه مبينا لقبح الشيء وترتب العقاب على فعله أو تركه، والتعارض بين هذه الآية والآية السابقة من قبيل تعارض العامين من وجه إذ يجتمعان ويتعارضان فيما يستقل به العقل كقبح الظلم قبل البعث، فالآية الأولى تدل على نفي التعذيب على الظلم قبل البعث، والثانية تدل على تعذيب الظالم وهلاكه قبل البعث لأن العقل بيّن قبحه وترتب العقاب، عليه وأما مادتا الافتراق فافتراق الأولى من الثانية فيما لا يستقل به العقل قبل البعث، كالجمع بين الأختين قبل البعث حيث تدل الأولى على نفي التعذيب عليه ولا تثبته الثانية، وافتراق الثانية من الأولى حكم الرسول بحرمة ما لا يستقل العقل به بعد بعثته حيث تدل الثانية على العقاب على تركه ولا تنفيه الأولى، وحيث قد عرفت تعارضها في مادة اجتماعهما فلا بد من الرجوع للمرجحات وهي مع الأخيرة لكون دلالتها على محل التعارض أقوى. ولو سلمنا عدم الأقوائية والتساقط، ولا تبقى الآية الأولى حجة في المدعى.
الوجه الرابع:ما أشرنا إليه فيما سبق من أن الآية ظاهرة في المدعى وأدلة الملازمة بين حكم العقل والشرع قاطعة بل هي براهين ساطعة فلا يقابل الظاهر القاطع.
ودعوى أن حكم العقل تعليقي حيث أنه معلق على عدم ورود الشرع فحجيّته معلقة على عدم ورود الدليل الشرعي وقد فرض وروده مدفوعة بأن حكم العقل في الكبرى وهو أنه كلما حكم به العقل حكم به الشرع تنجيزي لا يخالفه حكم الحكيم.
نعم في الصغريات وهي إدراك أن هذا الفعل حسن يلزم فعله أو قبيح يلزم تركه قد يحصل للعقل الخطأ وهو خارج عن محل البحث، وقد يقرب الاستدلال بالآية الشريفة على نفي الملازمة بأن نفي التعذيب إباحة للعمل فلا وجوب ولا حرمة شرعيين.
وجوابه يعلم مما سبق من أنه في المستقلات العقلية لم ينفَ استحقاق التعذيب بل هو ثابت عقلا ولازمه ثبوت الحرمة والوجوب شرعاً.
الدليل الثاني:للخصم على عدم الملازمة المذكورة بل عدم حجية حكم العقل هو تضافر الأخبار الدالة على (أن كل شيء مطلق حتى يرد فيه أمر أو نهي). فإنا نقول إن هذا الشيء الذي استقل بوجوبه أو حرمته العقل مما لم يرد فيه نهي أو أمر، وكل شيء لم يرد فيه نهي أو أمر فهو مطلق أي مرخص فيه، أما الصغرى فبالفرض، وأما الكبرى للخبر المتقدم.
ودعوى أن الصغرى ممنوعة لورود الأمر العقلي أو النهي العقلي فيما يستقل به العقل فاسدة، إذ إن المتبادر من الأمر والنهي في الروايات
الأمر والنهي اللفظيان الشرعيان ولا سيما وفي بعضها قوله (حتى يرد فيه النص). وعلى هذا فلا تكليف في شيء قبل ورود الأمر والنهي اللفظيين وإن استقل العقل فقبحه فحكم العقل بحرمة الظلم مثلا قبل ورود النهي اللفظي من الشارع عنه لا عبرة به بل الظلم بمقتضى تلك الروايات حينئذ مباح شرعاً مع أنه حرام عقلًا فلا ملازمة كلية بين حكم العقل وحكم الشرع.
إن قلت إن الصغرى ممنوعة من جهة أخرى وذلك لأن المراد بالورود في الرواية وهو الورود النفسي الأمري ومن أين يمكن إثبات ذلك إذ لعله ورد في الواقع أمر أو نهي بهذا الشيء الذي استقل به العقل وأنت لم تطلع عليه.
قلنا نفرض إنا قطعنا بعدم الورود في مورد، ففي هذا المورد لم تثبت قاعدة الملازمة وهو كافي لنفي كليتها على أنه لو احتملنا ورودهما من الشارع في الواقع لكن لم نجدهما فشككنا في ذلك فندفع احتمال ورودهما منه بالأصل فأن الأصل عدم ورود النص من الشارع في تلك الواقعة أو نقول لا نحتاج في دفعه إلى الأصل بل ندفعه بأن المتبادر من قوله (ع): (حتى يرد) هو حتى يصل وليس المراد به حتى يصدر فإنه قد ثبت بالأدلة صدور جميع الأحكام وكونها مخزونة عند أهلها حتى أرش الخدش.
وعليه فيكون الشيء الذي لم يعلم بورود الأمر والنهي فيه مشمولًا للرواية فيكون مطلقا ومرخصا فيه، والجواب عن هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول:انصراف عموم قوله (كل شيء) عن المستقلات العقلية لكونها فردا نادرا بناء على عدم حجية العام في أفراده النادرة كما مرّ في ما مثلنا لك.
الوجه الثاني:بأنها ظاهرة مع أن أدلة كلية الملازمة قاطعة فلا بد من طرح الظاهر أو تأويله، والتأويل ممكن فتحمل الرواية على الأعم من الأمر العقلي والنهي العقلي، وعليه فيكون ما يستقل به العقل ليس بمطلق لورود الأمر والنهي العقليين فيه أو نقول أن عموم الرواية مخصص بغير ما يستقل به العقل فلا يكون ما يستقل به العقل قبل ورود الأمر والنهي مطلقا كما خصصناه بما قام الإجماع أو فعل المعصوم (ع) أو تقريره على الأمر والنهي.
الدليل الثالث:للخصم على عدم كلية الملازمة بل، وعلى عدم حجية العقل ما رواهأبانفي أصابع المرأة حيث قال: (لأبي عبد الله(ع):ما تقول في رجل قطع أصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل. قلت قطع أثنين، قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثا، قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً، قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون، إن هذا يبلغنا ونحن في العراق فنبرء ممن قاله، ونقول الذي جاء به شيطان. فقال: مهلا يا أبان هذا حكم رسول الله (ص) أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان أنك أخذتني بالقياس والسنة إذا قيست محق الدين). والرواية صحيحة السند صريحة الدلالة حيث صرح الإمام (ع) بعدم الملازمة بين حكم العقل بعدم
قلة دية قطع أربعة أصابع عن دية قطع ثلاثة أصابع مع أن الشرع قد حكم بذلك، بل هذه الرواية تدل على عدم حجية العقل وعدم جواز اتباع حكم العقل.
لايقال إن الأولوية الموجودة في الرواية عقلية ظنية والإمام (ع) حكم بعدم حجية ذلك، والخصم يقول بعدم حجية العقل الظني، وأما حجية العقل القطعي التي يدعيه الخصم لا تنفيه الرواية فما تنفيه لا يثبته الخصم. لأنا نقول لا ريب في أن الأولوية العقلية المذكورة في الرواية كانت قطعية كما يشهد بذلك قوله أبان (سبحان الله) بعد بيان الإمام (ع) حكم دية الأربعة من الأصابع. كيف والعقل قاطع بأن دية قطع الأربع من الأصابع لا تنقص من قطع ثلاث منها ومع ذلك منع المعصوم عن حجيتها.
لا يقال إن دعوى الخصم حجية العقل فيما كان الاستفادة والمستفاد كلاهما مستقلين والرواية تنفي حجية العقل فيما إذا كان المستفاد مستقلًا والاستفادة تبعية فإن حكم العقل بعد ملاحظة أن دية قطع ثلاث منها ثلاثون من الإبل يقطع بأن دية الأربع لا ينقص عن ثلاثين إبلًا فلا تكون الرواية نافية لحجية العقل فيما إذا كان كل من الاستفادة والمستفاد أصليين فلا يضر الخصم، لأنا نقول:
أولا: أنك قد عرفت في تحرير محل النزاع أن النزاع أعم مما كان كل من الاستفادة والمستفاد مستقلين ومما كانا تبعيين أو مختلفين.
وثانيا:بعدما ثبت عدم الملازمة وعدم حجية العقل في ما كانا مختلفين نثبت عدم الملازمة والحجية في المستقلين والتبعيين بالإجماع المركب لأن كل من قال بعدم حجيته في المختلفين قال بالعدم في المستقلين.
وثالثاً:بتنقيح المناط فلو كان العقل حجة لكان حجة في المقامين وإلا فلا. لا يقال أن ههنا مقامان: أحدهما في الصغرى وهي أن ذلك حكم العقل والآخر في الكبرى وهو أن كما حكم به العقل حكم به الشرع وكان حجة فيحتمل أن يكون حكم الإمام (ع) بعدم جواز اتباع حكم العقل في مورد الرواية لأجل تخطئة الإمام (ع) لأبان في تشخيص الصغرى بأن كان (ع) قد خطئه في أن ذلك هو مما يحكم به العقل لا أن الإمام (ع) تعلق منعه بالكبرى وهي الملازمة وحجية العقل بعد تحقيق حكمه في المقام.
فالرواية غير نافعة للمستدل، وبعبارة أخرى أن المستفاد من الرواية أن قطع أبان في هذه الواقعة كان خطأ والمعصوم (ع) نبهه على خطئه وهذا لا يستلزم عدم ملازمة حكم الشرع لحكم العقل وعدم حجية حكم العقل. والحاصل أن هنا مقامان:
المقام الأول:أن نقول أإن القطع العقلي الحاصل لأبان كان خطأ.
المقام الثاني:أن القطع العقلي وإن لم يظهر خطأه ليس يلازمه حكم الشرع وليس بحجة، والمستفاد من الرواية الأول دون الثاني.
لأنا نقول ظاهر الرواية بل صريحها تعلق المنع بالكبرى وأن منعه (ع) إنما كان عن الملازمة وعن حجية العقل لا من جهة تخطئته في حكم العقل كما يشهد به قوله (ع): (يا أبان أنك أخذتني بالقياس