الله تعالى بفعل هذا الشيء وأنه يثاب بفعله وأنه لو عاقبه الله على الترك لا يكون عقابه قبيحاً فحينئذ يجوز له الإفتاء بأن هذا الشيء واجب كما يجوز لنفسه العمل به بقصد أنه واجب وهو المطلوب، لأنا نقول ان التعبد بمثل هذا الشيء محل نظر لأن المعلوم هو أنه يجب فعل الشيء أو لا يجب إذا حصل الظن أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما من جهة نقل قول المعصوم أو فعله أو تقريره لا أنه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أي طريق كان وقس عليه حال الفتوى فإنه لا يجوز الفتوى بقول المعصوم المسموع منه في المقام.
والجواب عن ذلك أما عما ذكره:
أولًا:من عدم إحراز صدق حكم العقل لاحتمال وجود جهة أخرى معارضة. ففيه أن العقل إذا حكم بذلك يكون قاطعاً بحكمه كما هو فرض الكلام، وعليه فهو لم يحتمل جهة أخرى معارضة كيف ولو تم ذلك لأفضى إلى انقطاع العقل في العقائد الواجبة كمعرفة الله تعالى ووحدته وعدله إذ يمكن حينئذ أن يقال لا نجوّز أن نحكم بمطابقة ما حكم به للواقع لجواز الغفلة عن معارضة جهة أقوى منها. وأما ما ذكره أخيراً فمنقوضُ بموارد الإجماع والتقرير والسيرة والضرورة مما كان الحكم موجوداً بدون خطاب. ومردود بأن إن أراد بالحكم الشرعي هو الخطاب الخارجي الواصل إلى المكلف كما هو الظاهر من قولهم الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بالمكلفين، فالحق معه إذ لا يلزم حكم العقل بالحسن والقبح وجود هذا الخطاب لخفاء كثير من مثل هذا الخطاب علينا، لكن عدم وجود هذا الخطاب لا ينافي وجود إرادة المولى الجدية
المستتبعة للثواب والعقاب فبحكم العقل بالحسن الموجب للثواب والقبح الموجب للعقاب يستكشف إرادة المولى الجدية للعمل أو بغضه له الموجبان لاستحقاق العبد للثواب أو العقاب إذ استحقاق الثواب والعقاب إنما يدور مدار إرادة المولى وبغضه، ألّا ترى أن العقلاء يلومون العبد الذي يقتل ابن سيده لأن سيده لم يخاطبه بالمنع من قتله. وإن أراد بالحكم الشرعي هو الخطاب الشأني الصادر من الشارع سواء وصل للمكلف أم لم يصل إليه كما هو الظاهر من إطلاقهم الحكم في باب التصويب والتخطئة فالأمر كذلك كالأول خصوصا عند من يقول بجواز خلو الواقعة عن الحكم. وإن أراد بالحكم الشرعي الإرادة والكراهة كما ربما يطلق الحكم عليها في الألسنة الدارجة، فالحق هو ثبوت الملازمة فإن العقل إذا قطع بحسن شيء بحيث يرى استحقاق الثواب والمدح عليه ممن بيده الأمر يجزم بإرادة المولى العالم العادل الرؤوف بعباده الناظر لمصلحة مخلوقاته إرادة جدية لفعله بحيث يستحق الثواب منه عليه، وهكذا إذا قطع بقبح شيء بحيث يرى استحقاق العقاب والذم عليه ممن بيده الأمر يجزم بإرادة المولى المذكور لتركه بحيث يستحق العقاب منه على فعله من غير حاجة لكاشف لفظي بدليل أن من علم إرادة مولاه أو بغضه ووافقهما عدّ مطيعاً ومن خالفهما عدّ عاصياً.
إن قلت إنهم عرفوا الكبيرة بما وعد الله عليه بالنار في كتابه المجيد، فإن هذا التعريف يدل على عدم ترتب العقاب عليها وعدم ثبوت آثار الكبيرة على فعلها إلا بعد ثبوت الخطاب بها.
قلنا هذا التحديد لو سلمنا صحته فإنما يدل على أن الفعل يعد من الكبائر حتى يوعد عليه بالنار في الكتاب المجيد، ولا يدل على عدم ثبوت العقاب عليه إذا لم يوجد في الكتاب المجيد أو في الخطاب الشرعي.
إن قلت إن الثواب والعقاب على موافقة الإرادة ومخالفتها لا يسمى ثواباً ولا عقاباً.
قلنا هذا خلاف الوجدان فإن من هدم دار مولاه يسمى عاصيا وإن لم يصدر من مولاه خطاب بحرمة ذلك، كيف والمتكلمون عرفوا الثواب بإيصال النفع بقصد التعظيم والعقاب بما يقابله ولم يأخذوا في تعريفهما الخطاب اللفظي. هذا مع أن جعله الفرق بين القطع بالوجوب والحرمة من جهة النقل وبين القطع بهما من طريق آخر لا وجه له لما تقرر في محله من أن القطع حجة من دون فرق بين أسبابه وجهاته.
ثانيها:ما هو المحكي عنجمال الدين الخونساريمن أن الحسن أو القبح وإن كان مسلماً في بعض الأفعال لكن يمكن أن لا يكون في بعض الأعمال جهة حسن ولا جهة قبح ومع ذلك أمر الشارع به أو نهى عنه ليعلم المطيع من العاصي. وقد حكي أنه (ره) قد أجاب عن ذلك بأنه يمكن أن يستكشف من الأخبار والآثار والآيات عدم تعّلق الأمر والنهي إلا بكل حسن أو قبيح.
ثالثها:أن ما يحكم به الشرع مغاير لما يحكم به العقل، لأن الذي يحكم به العقل هو ترتب المدح أو الذم والذي يحكم به الشرع هو استحقاق الثواب أو العقاب، والحكم بأحد المتغايرين لا يستلزم الحكم بالآخر. وفيه ما لا يخفى فإن الأدلة الدالة على الملازمة تثبت ملازمة الحكمين.
رابعها:قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] وقوله تعالى [أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ] وقوله تعالى [وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا] فإنها ولا سيما الأولى منها تدل على عدم استحقاق الكفار العذاب قبل البعثة، فلا يصح أن يقال إن كلما حكم به العقل حكم به الشرع، لأن العقل قبل بعثة الرسول في المستقلات العقلية يحكم باستحقاق عقاب العبد ممن بيده الأمر على الترك أو الفعل وباستحقاق الثواب كذلك فهو في المستقلات العقلية حكمه لا يتوقف على حكم الشارع كما هو الفرض وإلّا لما صارت مستقلات ومنطوق الآية أنه قبل البعثة لا حكم للشرع حتى لو حكم العقل بوجوب العمل أو حرمته أو غيرهما من الأحكام، بل الآية تدل أيضاً على أن حكم العقل ليس بحجة إذ لو كان حكم العقل حجة لجاز تعذيبهم حيث خالفوا مقتضى العقل، فالآية تنفي كلية هذه القاعدة وكلية حجية العقل وهو كاف في المقام.
ودعوى أنه يتم دلالتها بناء على تسليم أن الظاهر من الرسول هو الرسول الظاهري وأما لو أُريد من الرسول هو الأعم منه ومن الرسول الباطني الذي هو العقل.
فلا فاسدة بقرينة قوله تعالى (نَبْعَثَ) فإنه يلائم الرسول الظاهري وغير ملائم للعقل. وعليه فلا يتم ما أجاب به الفاضل ألقمي (ره) عن هذا الاستدلال من أن المراد بالرسول في الآية الشريفة أعم من الرسول الظاهري والواقعي. ثم أن الظاهر من الآية الشريفة نفي العذاب العاجل
والآجل عن كل عمل لم يبعث فيه الرسول سواء أكان مما يستقل العقل بقبحه أم لا وعن كل ترك سواء أكان مما يستقل العقل بحسنه أم لا يستقل بقرينة حذف المتعلق فإن حذف المتعلق ظاهر في العموم فلا يرد ما أجيب به عن هذا الاستدلال بأن الآية لا عموم فيها فلا تشمل إلا نفي العذاب العاجل دون الآجل فلا تنافي حكم العقل باستحقاق العقاب الآجل ولا تشمل إلّا ما يحتاج إلى البيان ولا يستقل به العقل ولا تشمل ما يستقل به العقل.
ودعوى أن الآية الشريفة إنما تدل على نفي فعلية العقاب لا على نفي الاستحقاق. والعقل إنما يثبت استحقاق العقاب لاحتماله العفو والتفضل ممن بيده الأمر كما في الصغائر حيث ورد الوعد بالعفو عنها فهي لا تعارض حكم العقل.
مدفوعة بأن الأخبار عن نفي فعلية العذاب قبل إرسال الرسول به مستلزم لنفي الاستحقاق حذراً من حصول التجري لهم على المعاصي. وفي الأخبار عن نفي فعلية العذاب قبل بعث الرسول بالحكم وبيانه له إذ لو كانوا قبل بعث الرسول به مستحقين للعذاب بفعل القبيح وترك الحسن. وعدم تعذيبهم إنما كان من باب التفضل والعفو لكان إخبار المخبر الصادق عن نفي فعلية العذاب وعن أنه لا يعذبهم قبل بعث الرسول به سببا لتجريهم وتسارعهم إلى المعاصي التي يستحقون عليها العقاب، واللازم باطل لأنه تعالى لا يصير سببا لتجري عباده على المعاصي. فلا بد من أن يبطل الملزوم وهو كونهم مستحقين للعذاب
فتثبت من الآية الشريفة بالإلتزام كونهم غير مستحقين للعذاب قبل بعث الرسول.
والحاصل أن نفي فعلية التعذيب لا بد من أن يكون المراد منها نفي استحقاقه أيضاً إذ لو كان مستحقاً للعذاب ونفى الله عنه التعذيب الفعلي لكان يقدم على ارتكاب ما يستحق عليه العذاب لكون الشارع قد نفى عنه وقوع التعذيب عليه فيكون للعبد الحجة على عدم التعذيب حيث له أن يحتج فيقول: يا رب لِمَ تعذبني وقد وعدتني بعدم التعذيب وأنت لا تخلف الميعاد؟ ولا ريب أن ذلك يكون إغراء له بارتكاب القبيح الذي يستحق عليه العقاب لأطمئنان نفسه بأنه لا يقع عليه العقاب حتى لو كان مستحقا له لوعد الله تعالى بنفي وقوع العقاب عليه والله لا يخلف الميعاد.
إن قلت بأن نفي وقوع التعذيب ليس فيه إغراء بارتكاب ما يستحق عليه العقاب وإلا لكان ما جاء في بيان سعة رحمة الله تعالى أيضا إغراء بارتكاب المعاصي كقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا].
قلنا إن أقصى ما جاء في ذلك تجويز العفو وأين هذا من أخبار الله تعالى بنفي وقوع التعذيب؟
والحاصل أن الوعد بالعفو غير الوعد بعدم العقاب، فإن في الثاني يكون الوعد إغراء لكون للعبد أن يحتج به عند ارتكاب ما يستحق عليه العقاب دون الأول فإن الوعد بالعفو ليس للعبد أن يحتج به على عدم العقاب.
ولا يخفى ما فيه فإن الوعد بالعفو عبارة عن الوعد بعدم العقاب والحق أن الوعد بعدم التعذيب لو كان فيه إغراء لما صح الوعد بالعفو عن الصغائر والعفو عن الكبائر بالتوبة وبالبكاء على الحسين (ع) وبدخول الكعبة ونحو ذلك.
اللهم إلا أن يقال إن العفو لما كان مجملا ويحتمل تخصيصه وغير مبيّن فيحتمل أن يكون له شروط لم يكن فيه صلاحية لأن يحتج به العبد وقول بعضهم بأن أدلة العفو ليس فيها إغراء لأن العالم العارف بها إذا بلغ درجة المعرفة بها لا يغترّ بها. والجاهل لا يعلم بها حتى يغترّ بها. فاسد فإن العلم منها يحصل لأبسط الناس فيقدم العالم بها على ارتكاب القبائح، هذا مضافاً إلى أن الظاهر من قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ] هو نفي استحقاقهم العذاب لا نفي فعلية العذاب وإلّا لقال تعالى ولم نعذب أو ما عذبنا. هذا غاية ما يمكن من الذب عن الاستدلال بهذه الآية والجواب عنه بوجوه:
الوجه الأول:أن المراد منها نفي العذاب أو نفي استحقاقه في العاجل فقط إلّا بعد البعث للرسول وذلك بقرينة تفسير جمع من المفسرين لها بذلك، إذ فسروها بنفي العذاب في العاجل خاصة أعني في دار الدنيا، وبقرينة ما دل على تعذيب الملحدين وعبدة الأوثان مطلقاً قبل بعث الرسول وبعده، وبقرينة جريان عادته تعالى على تعذيب الأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وصالح وفرعون في العاجل، فيكون المراد منها نفي العذاب في العاجل. وعليه فالآية لا تنافي ما ندعيه من حكم العقل باستحقاق العقاب ولو في الآجل أعني في الآخرة كما يرشد
إلى ذلك قوله تعالى في سورة القصص [وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا] وقوله تعالى [أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ] فإن المراد بغافلون هو عدم إتيان الرسل بالشرائع لهم. سلمنا عدم ظهورها في نفي العذاب في الآجل لكن لا أقل من الاحتمال بملاحظة تلك القرائن وبعد الاحتمال يسقط الاستدلال.
الوجه الثاني:بأن دلالة حذف المتعلق على الشمول إنما هو من باب الاطلاق لا العموم المصطلح فيعامل معه معاملة المطلق وإذا كان مطلق فينصرف إلى الفرد الشائع وهو نفي العذاب عما يحتاج إلى البيان وإلى البعث كوجوب الحج والصوم والصلاة وحرمة نكاح الأختين وبنت الأخت على الخالة والأخ على العمة من دون أذنهما ولا ينصرف إلى النادر وهو ما يستقل العقل باستحقاق العذاب عليه ممن يرجع الأمر إليه كقبح الظلم والعدوان وحسن العدل والإحسان ورد الوديعة والعارية وإنقاذ الغريق، ولا سيما إذا كان محسناً. سلمنا أنه ليس بالفرد النادر أو أن حذف المتعلق دال على العموم والعام يشمل الفرد النادر لكن ذلك إنما يوجب انعقاد ظهور للآية فيه. وحكم العقل بالاستحقاق للعقاب دليل قطعي فيكون مقيداً أو مخصصاً للآية بغير ما يستقل به العقل حملا للدليل الظني على القطعي، وإن شئت أن تقطع بكون الآية غير دالة على ما يستقل العقل بالعقاب عليه فارجع إلى العرف فلاحظ قول المولى لعبيده الذين أتى بهم من الزنج والحبشة: يا عبيدي أني لا أعذبكم في فعل ولا في ترك حتى أبعث إليكم رسولا ينبأكم بإرادتي ويبلغكم أحكامي، فخربوا داره وحرقوا أمواله وقتلوا أولاده وفعلوا ما يستقل