أن تكون الأحكام الشرعية كاشفة عنها وهو إنما يكون إذا كانت تابعة لها.
نعم هذه النصوص مروية عن طرق الخاصة فهي لا تردالأشعريلأنها بزعمه ليست بحجة بل هي دليل سكوتي معتبر عند المستدل لا إسكاتي يسكت الخصم لكونها غير معتبرة عنده، وبعبارة أخرى يكون دليلًا اغنائياً لا إلزامياً.
أدلة المنكرون للتبعية
استدل المنكرون للتبعية بأدلة:
الدليل الأول:أن أوامر الشارع على أقسام أربعة لأن المقصود من التكليف أما تحقق الفعل في الخارج فهو تكليف حقيقي، وذلك كتكليف المطيعين أو لا يفعله المكلف كتكليف العصاة بالعبادات، أو ليس المقصود منه تحقق الفعل في الخارج فإن كان المقصود منه إيجاد مقدماته فهو توطيني حقيقي ويسمى بالتكليف الامتحاني، وإن كان المقصود منه إيجاد متعلقه لاختبار إطاعته لا لأجل تحقق متعلقه فيسمى بالتكليف الابتدائي والاختباري والامتحاني أيضاً. وإن كان ليس المقصود منه ذلك كله وإنما كان من صدوره من جهة الخوف على النفس أو العرض أو المال فهو يسمى بالتقية.
فإذن من الأوامر ما يكون المقصود منه نفس التوطين أو الامتحان والاختبار أو من جهة التقية، وليس في متعلقها أي فائدة أو مصلحة، بل يمكن أن يكون في نفسه مفسدة كأمر إبراهيم (ع) بذبح ولده إسماعيل (ع)، ولعل أوامر الشارع كلها من هذا الباب فلا يكون شيء من أحكامه تعالى تابعة للصفات الكامنة.
ولا يخفى ما فيه:
أولًا:فإن محل كلامنا هو التكاليف الحقيقية التي لا يقصد منها إلّا إيجاد متعلقها واحتمال تلك الأمور في جميع أوامر الشارع ينفيه الإجماع من المسلمين كافة.
ثانياً:إنه لو كان المقصود في الكل أي في كل الأحكام هو التوطين فلازمه دائماً الإعلام بعدم إتيان المأمور به بعد إتيان المكلف بالمقدمات كما هو الحال في التكليف التوطيني إذ نفس المأمور به لا مطلوبية فيه، وما هو مطلوبه هو المقدمات، فبعد الإتيان بالمقدمات أعلمه تعالى بترك المأمور به كما كان في أمر إبراهيم (ع) في ذبح ولده، والواقع في أحكامه تعالى خلافه.
وبعبارة أخرى إن لازم ذلك هو إعلامه تعالى بترك المأمور به بعد الإتيان بالمقدمات إذ بقاء الأمر بعدها لغو وسفه حيث أن المقصود وهو التوطين قد حصل بإتيان المقدمات للعمل، وحيث كان هذا اللازم منتف فالملزوم وهو كون أوامره تعالى توطينية مثله منتفي والملازمة ظاهرة.
ويمكن أن يقال عليه أن لزوم الإعلام بترك المأمور به في مطلق التوطين ممنوع. نعم لزومه فيما إذا كان في نفس المأمور به قبح ومفسدة مسلم بخلاف ما لو كان فعله خالياً عن المفسدة فإنه لا يلزم إعلامه لجواز فعله حيث لا ضير فيه، ولكن لا يخفى ما فيه فإنه إذ ذاك لا معنى للإلزام بإتيان العمل أو الإلزام بتركه بل كان على المولى أن يبين إباحته فقط كما أنه لا يحتمل أن يراد بأجمعها الامتحان، فإن الامتحان والاختبار
يحصل ببعضها لا بجميعها، كما لا يحتمل أن يراد بأجمعها التقية فإنه لا تقية لله تعالى من عباده كيف وهو القاهر لعباده.
الدليل الثاني:إنه من المحتمل أن تكون المصلحة في جعل سنخ الأحكام مجرد الإطاعة وتمييز المطيع من العاصي للثواب والعقاب، والمصلحة والفائدة في تنويع الأحكام بالأحكام الخمسة لزوم التكليف بما لا يطاق لو أمر بالكل بحيث لا يكون في تكاليفه سوى الأمر الوجوبي أو نهي عن الكل، والمصلحة والفائدة في تخصيص بعض من الأفعال بالأمر وبعض آخر منها بالنهي، هو كون بروز الإطاعة في الأمر بما لا يرغب المكلف بإتيانه كالصلاة والزكاة، وكون بروز الإطاعة في النواهي في النهي عما يرغب إليه المكلف كالزنا وأكل الحرام الذين يشتهيهما المكلف، ولما كان إتيان ما لا يرغب إليه وترك ما يرغب فيه أقرب إلى الإطاعة والتعبد لأنه لا داعي في الإتيان في الأول والترك في الثاني إلّا الامتثال فأمر بما يرغب عنه ونهي عما يرغب إليه، فكان المقصود في جميع المراتب الإطاعة والانقياد ليس غير ولا صفة في نفس الأفعال مع قطع النظر عن جهة الإطاعة والانقياد كما يدعيه المستدل.
ويؤيد ذلك الآية الشريفة وهو قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] إذ إنها ظاهرة في أن علة الأمر هو العبادة والإطاعة.
ويؤيده أيضاً قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] إذ تدل على أن الغرض من خلق الجن والإنس هو عبادة الجن والإنس وإطاعتهما وانقيادهما، فيكون الفائدة هو الأطاعة فلا يكون في شيء من
الأفعال المتعلقة للأحكام حسن ولا قبح ولا يكون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد وللصفات الكامنة.
وقد أجيب عنه:
أولًا:بالنقض بالواجبات التوصلية غير المشروطة بنية التقرب، لأن الواجب أما تعبدي صرف وهو ما يشترط في صحته نية التقرب ولا يكفي مباشرة الغير، ولا يجزي إتيانه على الوجه المحرم كالصلاة والصوم والحج وغيرها. وأما توصلي صرف وهو لا يشترط صحته بنية التقرب ويكفي مباشرة الغير، ويجزي إتيانه على الوجه المحرم كغسل الثياب لأجل الصلاة فيها وأداء الدين ورد الوديعة عند طلب المالك وغيرها. وأما ذو جهتين كالوضوء والغسل والتيمم بناء على أن وجوبها للغير فيشترط في صحتها النية، ولا يكفي مباشرة الغير، ولا يجوز بالماء الغصبي، ووجوبها للتوصل إلى إتيان الصلاة متطهراً، فقبل دخول وقت الواجب لا تجب تلك الأمور وإذا سقط التكليف عن الصلاة سقط عنها أيضاً ولو كان قبل الوقت متطهراً بالطهارة المندوبة، فلا يجب بعد دخول الوقت إعادة الطهارة. فلو كان الغرض هو الإطاعة والانقياد لما صحَّ الإتيان بالواجبات التوصلية من دون قصد إطاعة، ولما صحّ أداء الدين ورد الوديعة رياءً. فظهر أن في خصوص أداء الدين ورد الوديعة صفة كامنة مقتضية للوجوب غير جهة الإطاعة والانقياد حيث أن كلًا منهما مطلوب من العبد ومأمور به وإن لم يكن على وجه الإطاعة بل وإن كان في فعلها مرائياً.
ويمكن أن يقال بأنا نمنع من كون إتيان الواجبات التوصلية في الخارج مرائياً من دون قصد الإطاعة والانقياد مطلوباً للشارع ومأموراً به فأداء الدين رياء ورد الوديعة كذلك غير مطلوبة للشارع، وما يترأى من عدم لزوم الأداء والرد ثانياً بقصد التقرب إنما هو لأجل سقوط الواجب بالأداء والرد رياءً لأجل إتيان المأمور به في الخارج، لأن الواجب كما يسقط بإتيانه على ما هو عليه في الخارج قد يسقط بفعل الغير كأداء المتبرع وغسل الغير للمتنجس، وقد يسقط لفقد موضوع الواجب كما لو أحرق الميت فيسقط غسله ودفنه وكفنه. ففيما نحن فيه الأداء مرائيا والرد مرائيا مسقطان للرد الواجب والأداء الواجب لا من جهة كونهما واجبين حتى ينقض بهما على الخصم، بل التحقيق أن الواجبات التوصلية بأجمعها بدون قصد التقرب ليست بواجبات بل مسقطات عن الواجب نظير إحراق الثوب المتنجس أو قطع اليد بالنسبة لغسلها للوضوء أو الغسل أو التيمم.
ثانيا:لزوم الترجيح بلا مرجح أيضاً في الخصوصيات، وإن لم يلزم ذلك في سنخ الأحكام كإيجاب الجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وإيجاب الإخفات في الظهرين دون العكس، فلو لم يكن في صلاة الصبح خصوصية مقتضية لإيجاب الجهر فيها وفي الظهرين خصوصية مقتضية للإخفات فيها لزم الترجيح بلا مرجح. فظهر أنه لابد من أن يكون في خصوص صلاة الصبح خصوصية للجهر، وفي الظهرين خصوصية مقتضية للإخفات فيهما وإلَّا لزم الترجيح من غير مرجح واللازم باطل فالملزوم مثله والملازمة ظاهرة.
ويمكن أن يقال عليه أن الفائدة في سنخ جعل الأحكام وهي الإطاعة لإعطاء الثواب فهي مرجح لجعل الأحكام، وأما في تنويع الأحكام فهو استظهار مراتب الإطاعة والعبودية لتحصيل مراتب الأجر ودرجات الثواب في الآخرة إذ بذلك يتبين مراتب العبودية، فإن بعض العباد لا يبالون في فعل شيء من المحرمات وترك شيء من الواجبات، ومنهم من لا يفعل إلّا الواجبات المؤكدة ولا يترك إلّا الكبائر من المعاصي، وبعض يفعل جميع الواجبات دون المستحبات ويترك المحرمات دون المكروهات والمباحات، ومنهم من يترك المحرمات والمكروهات والمباحات فتكون أفعاله منحصرة في الواجب والمندوب. فتنوع الأحكام لتبين مراتب العباد في العبودية، وأما في الخصوصيات كلزوم الجهر في صلاة الصبح والإخفات في الظهرين فالمرجح هو الاختيار، ويكفي الاختيار في ترجيح الخصوصيات. ألا ترى إنك لو عزمت على إعطاء فقير درهماً فلابد من أن يكون الداعي والمرجح لأصل الإعطاء موجوداً، وأما خصوصية إعطاء الدرهم المخصوص للفقير المخصوص في الزمان المخصوص والمكان المخصوص والحالة المخصوصة ككونه متعمماً أو راكباً أو قائماً. وكذلك في الفقير فلا يلزم أن يكون في كل واحدة منها أي من تلك الخصوصيات مرجح على ضده، بل إنما حدث ذلك بمجرد اختيار الفاعل وإرادته.
ولا يخفى ما فيه فإنه بعد إثبات الحسن والقبح وإدراكهما بالعقل، وكون جاعل الأحكام هو الحكيم على الإطلاق لابد من أن يلاحظ لكل واحد من أحكامه التكليفية والوضعية جهة مرجحة، ولا يعقل
صدور تعيين خصوصية في حكم من دون وجود مرجح على عدم تعينها. فلا بد من أن يكون في الصبح خصوصية مرجحة لوجوب الجهر فيها على وجوب الاخفات وعلى التخيير بينهما، وفي الظهرين خصوصية مرجحة لإيجاب الإخفات فيهما، وهكذا في سائر الخصوصيات.
ثالثا:أنا نرى أنه تعالى أمر بكثير مما يرغب إليه كالنكاح والأكل والشرب فيما يستلزم ترك شيء منها ضرر واستعمال الطيب ووجوب القسمة، ونهى عن كثير مما يرغب عنه كأكل الخبائث والحشرات والعذرة والدم إلى غير ذلك، فما ذكرته مرجحا في تخصيص بعضاً في الأمر وبعض بالنهي ليس على ما ينبغي.
رابعاً:أن تخصيص بعض الأفعال ببعض الأحكام إن كان لما ذكرت فهو أيضا معنى تبعية الأحكام للصفات.
الدليل الثالث:أنه لو كان الغرض من أمر الله تعالى سبحانه عباده بالصلاة مثلا إدراك مصلحة لهم فيه كما يقول به العدلية من أن أوامره تعالى كأمر الطبيب المريض بدواء لرفع مرضه ولطيبه كما إذا أمره بشرب السقمونيا لرفع حمّاه مثلًا. لكان عقابه الأبدي وعذابه السرمدي على ترك العبد مصلحة نفسه بترك الصلاة التي لم يأمره الله تعالى بها إلا لأجل أن يدرك العبد المصلحة الكامنة فيها منافياً لرأفته البالغة ورحمته الواسعة وكان ذلك منافيا لما هو تعالى معروف به من اللطف بعباده والرأفة بمخلوقاته، لأنه هو الرؤوف الرحيم واللطيف الخبير ويكون تعذيبه تعالى هذا العبد لأجل هذه المخالفة بالعذاب السرمدي قبيح منه تعالى، كما لو أمر الوالد ولده بتعلم صنعة أو قراءة سورة رأفة منه عليه
فخالفة الولد، وقتله الوالد عقوبة لترك الولد إدراك هذه المصلحة الموجودة في تعلم هذه الصنعة الراجعة إليه، كانت تلك العقوبة قبيحة من الوالد لهذه المخالفة الصادرة من الولد. فكذلك تعذيب الله تعالى عبده العذاب الأبدي لأجل تركه مصلحة نفسه قبيح ظاهر فلا بد من أن يكون غرض الله تعالى من الأوامر والنواهي هو مجرد الإطاعة والانقياد لا إدراك العبد المصلحة وعدم وقوعه في المفسدة.
وقد أجيب عنه:
أولًا:بالنقض بمثله إذ لو كان الله تعالى سبحانه غرضه من جعل الأوامر والنواهي محض التعبد كما تقول به لكان العقاب الأبدي منافياً لرأفته ولطفه وجاء المحذور أيضا ولزم كما كان يلزم لو كان الغرض إدراك مصلحة للعبد في الفعل.
ثانيا:بأن غرض المعترض من الاعتراض المذكور وإثبات الرأفة واللطف له تعالى إن كان نفي التكليف رأساً، وإن رأفته تقتضي عدم التكليف وعدم التعذيب فهو كما ترى من وضوح بطلانه لإستلزامه الكفر والزندقة ولا يقول به أحد من المليين، وإن كان غرضه نفي استحقاق العقاب فهو ليس من الجعليات إذ لم يجعله الشارع بجعل على حده بل أن استحقاق العباد للعقاب من لوازم المخالفة كلزوم الزوجية للأربعة فإن من أتى بالأربعة أتى بالزوجية وإن كان غرضه نفي فعلية العقاب وإن الخالق الرؤوف اللطيف لا يعاقب العبد على مخالفته ترك مصلحة نفسه بالعذاب الأبدي فالعقاب بيده إن شاء فعل من دون أن يكون ذلك باطلًا وإن شاء ترك وعفى عنه تفضلًا.