رسوله وأوليائه الكرام والنهي عن مجاورة أهل المعاصي ومعاشرتهم ومجالستهم وقد عقد صاحب الوسائل لذلك ما بين في كتاب الأمر بالمعروف وإلا لو كان بذلك تقية وجب الاتيان به ولو كان محرما ألا ترى أن سبّ الأمير (ع) الذي هو أعظم من سب الشيعة يجب من باب التقية إلا إذا قصد إظهار الدين بترك السب فلا يجب حتى لو كان على خلاف التقية لما عرفته في المطلب الثاني.
(الرابع منها):صلاة الجمعة فإنه يظهر من المرحوم الهمداني وغيره أن عمومات أخبار التقية لا يصلح شيء منها في المقام حتى لو قلنا بأنها دالة على صحة العمل المأتي به لوجود نصوص خاصة في صلاة الجمعة تقتضي لزوم إتيان الظهر عند فعل صلاة الجمعة تقية كقوله (ع) على ما رواه أبو بكر الحضرمي قال قلت لأبي جعفر (ع) كيف تصنع في الجمعة قال كيف تصنع أنت قلت أصلي في منزلي ثم أخرج فأصلي معهم قال كذلك اصنع أنا وما عن الشيخ باسناده عن زراره عن حمران عن أبي عبد الله (ع) قال في كتاب علي إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين آخرتين قلت فأكون قد صليت أربعاً لنفسي لم أقتد به فقال نعم.
(ولا يخفى ما فيه) لما عرفته في آخر المطلب الثامن أن عمومات التقية شاملة للمقام غاية الأمر أنه لا تقتضي إجزاء الجمعة عن الظهر
لأن الجمعة ليست بفرد ناقص للظهر فراجعه إن شاء الله يتضح لك الحال.
(الخامس منها):البراءة من أمير المؤمنين (ع) حكي عن قواعد الشهيد (ره) أنه قال التقية تبيح كل شيء حتى إظهار كلمة الكفر ولو تركها حينئذ أثم إلا في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيت (ع) فإنه لا يأثم بتركها بل صبره إما مباح أو مستحب وخصوصاً إذا كان ممن يقتدي به وقال في موضع آخر الأقرب إن إظهار كلمة الكفر عند التقية جائز لما في قتله من اعزاز الإسلام وتوطئة عقائد العوام.
(ولا يخفى) ما في التعليلين المذكورين من الوهن لعدم تكافئهما للأخبار الدالة على وجوب التقية المعتضدة بوجوب حفظ النفس والمال وعدم جواز الإلقاء في التهلكة. قال ابن أبي الحديد أما الذي يقوله أصحابنا في ذلك (أي في سب أمير المؤمنين (ع) والتبري منه) فإنه لا فرق عندهم في سبه والتبري منه في أنهما حرام وفسق وكبيرة وأن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه كما يجوز إظهار كلمة الكفر عند الخوف ويجوز أن لا يفعلهما وإن قتل إذا قصد بذلك إعزاز الدين كما يجوز أن يسلم نفسه للقتل ولا يظهر كلمة الكفر إعزازاً للدين انتهى.
وتحقيق الحق في ذلك هو أن يقال إن مقتضى القاعدة هو جواز البراءة من كل أحد تقية لشمول أدلة التقية لها. ولكن الأدلة التي دلت
على جواز إظهار الدين ولو كان على خلاف التقية تقتضي جواز عدم السب أو البراءة من رجال الله الطاهرين وإن كان على خلاف التقية لا سيما ترك البراءة عن مولانا أمير المؤمنين (ع).
(والحاصل) أنه في مقام التقية يجوز البراءة عن أمير المؤمنين (ع) ويجوز تركها (ويدلك) على ذلك الروايات الكثيرة الواردة في هذا الباب.
(منها) ما عن الكافي عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقه عن الصادق (ع) قال قلت لأبي عبد الله إن الناس يرون أن علياً قال على منبر الكوفة أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم ستدعون إلى البراءة مني فلا تتبروا مني فقال (ع) ما أكثر ما يكذب الناس على علي (ع) ثم قال (ع) إنما قال إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد (ص) ولم يقل ولا تتبروا مني فقال له السائل أرأيت إن اختار القتل دون البراءة فقال والله ما ذلك عليه وماله إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان فانزل الله عز وجل فيه: [إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] فقال له النبي (ص) عندها يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا.
(ونظيره) ما رواه في قرب الإسناد عن هارون عن مسعدة بن صدقه عن الصادق (ع) قال قيل له إن الناس يروون أن علياً قال على منبر الكوفة أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد (ص) ولم يقل وتبرءوا مني فقال له السائل ارأيت إن اختار القتل دون البراءة منه فقال والله ما ذلك عليه وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان فنزل الله تعالى فيه: [إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] فقال له النبي (ص) عندها يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك في الكتاب وأمرك أن تعود إن عادوا.
وهذا الحديث وإن كان هكذا وجدته في نسخة قرب الاسناد الخطية والمطبوعة وفي البحار نقله عنه كذلك ولكن الظاهر قد سقط منه إذ لم يذكر فيه جواب (قيل) والظاهر أنه هو الحديث المتقدم عليه المروي عن الكافي وما في تفسير العياشي عن معمر بن يحيى بن سالم قال قلت لأبي جعفر (ع) إن أهل الكوفة يروون عن علي (ع) أنه قال ستدعون إلى سبي والبراءة مني فإن دعيتم إلى سبي فسبوني وإن دعيتم إلى البراءة مني فلا تتبروا مني فإني على دين محمد (ص) فقال أبو جعفر (ع) ما أكثر ما يكذبون على علي (ع) إنما قال إنكم ستدعون إلى سبي والبراءة مني فإن دعيتم إلى سبي فسبوني وإن دعيتم إلى البراءة مني فإني على دين محمد (ص)
ولم يقل فلا تتبروا مني قال قلت فإن أراد الرجل يمضي على القتل ولا يتبرأ فقال لا والله إلا على الذي مضى عليه عمار إن الله يقول: [إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] قال: (ثم كسع هذا الحديث بواحد والتقية في كل ضرورة) انتهى.
والظاهر إن مراد الراوي بقوله (ثم كسع هذا الحديث بواحد) هو أن الإمام (ع) أتبع هذا الحديث بحديث واحد وهو (إن التقية في كل ضرورة) فإن كسع بمعنى أتبع (وفي تفسير العياشي) أيضاً عن عبد الله بن عجلان عن أبي عبد الله (ع) قال سألته فقلت له إن الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك أن ندعى إلى البراءة من علي (ع) فكيف نصنع قال فأبرء منه قال قلت أي شيء أحب إليك قال أن تمضوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر أخذ بمكة فقالوا له ابرء من رسول الله (ص) فبرء منه فأنزل الله عذره [إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] (وعن الطبرسي) في الاحتجاج والإمام العسكري (ع) في تفسيره عن أمير المؤمنين (ع) فيما قاله لليوناني بعد ما أسلم وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه وفي إظهار البراءة منا إن حملك الوجل عليه.
وعن كتاب الغارات بسنده عن الباقر (ع) قال خطب علي على منبر الكوفة فقال سيعرض عليكم سبي وستذبحون عليه فإن
عرض عليكم سبي فسبوني وإن عرض عليكم البراءة مني فإني على دين محمد (ص) ولم يقل فلا تتبروا مني.
وعن الكافي بالإسناد عن عبد الله بن عطا قال قلت لأبي جعفر (ع) رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما إبرءا من أمير المؤمنين فبريء واحد منهما وأبى الأخر فخلي سبيل الذي برء وقتل الأخر قال أما الذي برأ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل للجنة.
وهذه الأخبار لا تعارضها الأخبار الدالة على النهي عن البراءة عند التقية لأرجحيتها عليها سنداً وعدداً وتعاضداً فالعمل بها هو اللازم.
جواز الذهاب للمكان الذي لا بد له من التقية فيه
لو علم أنه لو ذهب إلى الى المكان الفلاني لا بد أن يتقي في بعض عباداته كالصلاة أو الطهارة، فهل يجوز له الذهاب إليه أم لا؟ أو يفصل بين المضيق فيجوز و الموسع فلا يجوز؟ ومنه ما لو علم أنه هذه السنة يختلف الموقف مع المخالفين فهل يصح حجه لو ذهب للحج في تلك السنة ووقف معهم. ومنه ما لو علم أنه لو ذهب للبلد الفلاني أو المجلس الفلاني لا بد ان يتقي بان يفطر لأن ذلك اليوم عيد الفطر عندهم، فهل يجوز ذلك أم لا؟ التحقيق ما عرفته في مبحث إشتراط عدم المندوحة في التقية في الوجه الثالث وسيتضح لك انشاء الله أيضاً.
جواز المبادرة في الأفعال التي يتقى بها
أنه قد ذهب جمع من الفقهاء إلى جواز المبادرة في العبادات والمعاملات عند التقية. ويمكن أن يستدل على ذلك:
أولًا:بأن المبتلي بالتقية من ذوي الأعذار. وقد تقدم بيان جواز البدار لذوي الأعذار.
وثانياً:بأن ظاهر أخبار التقية هو جواز البدار حيث دلت على
جواز الصلاة مع المخالفين جماعة في أول وقتها ولازمه جواز الوضوء تقية كذلك وبضميمة عدم القول بالفصل يتم المطلوب.
وثالثاً: باطلاق أخبار التقية حيث أنها مطلقة غير مقيدة للعمل بآخر الوقت. والتحقيق أن يقال إنك قد عرفت في مطلب إعتبار المندوحة ان خوف الضرر معتبر في التقية بل لا يكون موضوع التقية متحققاً إلّا مع خوف الضرر فاذا كان خوف الضرر من ترك الفعل معهم متحققاً من اول الوقت بحيث يخاف الضرر لو لم يصلِّ معهم أو الوقت كما لو خاف الضرر من ترك الصلاة معهم جماعة صح له الإتيان بالعمل لأن موضوع الوجوب قد تحقق نظير تحقق الزوال في وجوب الصلاة. وهكذا لو خاف من إتيان العمل متأخراً كما لو خاف الضرر من الوقوف في اليوم التاسع عنده والعاشر عندهم جاز له البدار باتيان الوقوف في اليوم الثامن عنده والتاسع عندهم لأن خوف الضرر الذي هو موضوع التقية قد تحقق عنده.
والحاصلان المبادرة مع عدم خوف الضرر من ترك العمل أول الوقت ومع عدم الخوف من إتيان العمل آخر الوقت الذي لا تصح لعدم تحقق موضوع التقية معها الذي قد تقدم أنه هو خوف الضرر الآني أو الاستقبالي. وعليه انا لو قلنا بأن أوامر التقية من الأوامر العذرية وان الأوامر العذرية يجوز البدار فيها. لكن لا نقول بجواز البدار في أوامر التقية فيما إذا لم يخف الضرر الحالي أو الاستقبالي لعدم تحقق موضوعها نظير الأوامر العذرية مع عدم تحقق