الليلة الهلال فالمخالفة لهم تكون نظير المخالفة لعوام الشيعة ليست بمخالفة التقية التي أمر بها الشارع لأن ظاهر أخبار التقية هو أن تكون المتابعة لهم في الدين وفي الأحكام الشرعية فانه المنصرف من الاخبار ومن التعبير بان (التقية ديني ودين آبائي) هو ذلك.
ان قلتان ادلة التقية لا تشمل التقية في الموضوعات لان بيان الموضوعات ليس من وظيفة الشارع وانما وظيفته بيان الأحكام. ولأنه لو شملتها يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.
قلناان ادلة التقية لم يبين فيها الموضوعات وانما يبين فيها أحكام المتابعة والموافقة للمخالفين أعم من المخالفين في الحكم الشرعي أو المخالفين في الموضوع الخارجي فهي تبين الحكم الشرعي لعمل خارجي وهو التقية من الغير. ومن هنا ظهر لك أن شمول ادلة التقية للتقية في الأحكام والتقية في الموضوعات يكون من إستعمال اللفظ في معنى واحد وهو المتابعة للمخالفين سواء كانت مخالفتهم في الموضوعات أو في الأحكام الشرعية لها نظير ما لو قال الشارع اعمل على طبق الحالة السابقة فإنه يشمل الموضوعات والأحكام.
الأهلة والأعياد
ولا بأس بصرف عنان الكلام في تعيين يوم عيد الفطر والأضحى والوقوف في الحج فيما إذا لم يثبت ذلك عندنا أو ثبت عدمه. وقد ثبت ذلك عندهم بواسطة ثبوته عند حاكمهم وولي
أمرهم بحيث كان ذلك اليوم عيداً بمقتضى قواعدهم فمع خوف الضرر من مخالفتهم فمقتضى اخبار التقية هو ترتيب آثار العيد والوقوف معهم وعدم قضاء صوم ذلك اليوم وعدم الوقوف مرة ثانية ولا قضاء الحج في السنة الثانية لما عرفته من دلالة أخبار التقية على الإجزاء وعدم الإعادة. ويدل على ذلك السيرة من الأصحاب في زمن الأئمة (ع) التي هي الاجماع العملي حيث يجرون في ذلك على طبق آراء العامة ألّا ترى إلى الوقوف في الحج وإلى عيد الفطر، فهل سمعت ان أحداً سأل عن إختلافهم معهم او قضى ذلك؟ وهل سمعت من المعصومين (ع) أمرهم بقضاء الصوم أو باعادة الحج أو الوقوف مرة أخرى مع أن الأمر لو كان يقتضي ذلك لوجب على الأئمة (ع) بيانه وعدم سكوتهم عنه لكثرة الإبتلاء بالمخالفة معهم في الأهلة؟ ولا أقل أنه لا يكاد أحد يشك في أن المخالفة وقعت معهم في الأهلة في أزمنة المعصومين (ع) فلو كانت المخالفة معهم في الأهلة تقتضي عدم متابعتهم فيها لكثر التعرض لبيان ذلك منهم (ع) ولكثرة السؤال عن أتباعهم فيه لتوفر الدواعي. نعم توجد مرسلة رفاعة وسيجيئ نقلها إن شاء الله عما قريب وبيان عدم نهوضها على وجوب القضاء مضافاً لضعفها بل من هذا يعلم ان أخبار التقية كانت واضحة الشمول للمقام المذكور وغير مخصصة بالنسبة إليه فكان الأصحاب يعملون على طبق ما يراه المخالفون في الأهلة تقية. وعليه فيظهر لك ما في فتوى
المرحوم السيد في عروته من أن الإفطار عن تقية من ظالم توجب إبطال الصوم لما عرفت من دلالة أدلة التقية على الصحة والإجزاء كما هو صريح جماعة بل هو المشهور في غير المقام كما تقدم. هذا ولكن بعضهم فصّل بين صورة ما إذا كان العمل موافقاً لمذهبهم من حيث الحكم الكلي مثل استعمال ما ليس مفطراً عندهم مع كونه مفطراً عندنا كالإرتماس. والإفطار عند سقوط القرص وبين صورة ما لو كان موافقاً لمذهبهم من حيث الموضوع الخارجي كما لو ثبت عندهم هلال شوال فافطروا فإن الافطار معهم ليس فيه موافقة لهم إلّا في الموضوع الخارجي وهو كونه هذا اليوم عيداً. لكنك قد عرفت عدم الفرق بين التقية في الأحكام والتقية في الموضوعات. نعم قد ذكرنا أن التقية في الموضوعات إنما توجب الإجزاء إذا رجعت إلى التقية في الحكم الشرعي لها عندهم ففي المقام إذا ثبت الهلال عندهم بحكم الحاكم أو بشهادة الشهود فالتقية في ذلك ترجع إلى موافقتهم في حجية حكم الحاكم وحجية الشهود التي هي من الأحكام الشرعية الوضعية ومن قبيل الحكم الكلي الظاهري ولا فرق بين الحكم الوقعي والظاهري في دخولها تحت دليل الإجزاء في التقية.
ان قلت كيف تقول بعدم قضاء صوم اليوم من شهر رمضان الذي أفطر تقية لثبوت الهلال عند المخالفين؟ مع انه قد تقدم ان أدلة الاجزاء في التقية انما تقتضي إجزاء العمل الناقص الموافق للتقية مثل
الوضوء مع المسح على الخفين والصلاة مع قول (آمين) والصوم مع الافطار عند استتار القرص أو مع الارتماس ونحو ذلك، واما إذا كانت التقية تقتضي ترك العمل كلية كما لو اتقى النصارى بترك الصلاة فلا تقتضي أدلة التقية عدم القضاء لها لأنه لم يأت بما يجزي عن فعل الواجب الذي هو الصلاة فتكون الصلاة قد فاتته فيجب قضائها. وفيما نحن فيه كانت التقية تقتضي ترك الواجب وهو الصوم فلم يكن المفطر تقية قد أتى بعمل الصوم ناقصاً على مذهب المخالفين حتى يكون مجزياً عن الصوم التام الواجب واقعاً فلذا نقول بان الصوم تقية مع الافطار عند سقوط القرص أو مع الارتماس يكون مجزياً لأنه عمل ناقص بخلاف الافطار تقية من جهة أنه عيد عندهم فانه لم يكن معه صوم ناقص حتى يكون مجزياً عن الواقع فهو نظير ترك الصلاة تقية، ومن هذه الجهة قال غير واحد من الأصحاب إن الصلاة جمعة تقية لا تجزي عن صلاة الظهر. وبهذا يظهر لك الفرق بين افطار اليوم تقية في وجوب القضاء معه و الوقوف في الحج قبل الوقت أو بعده تقية في عدم وجوب اعادة الحج معه لأنه يكون قد أتى بالعمل الناقص وهو الحج تقية فلا يجب عليه إعادة الحج من قابل.
قلناالأمر كما ذكرت لكنه في صورة ما إذا تناول المفطّر تقية مع صيامه لباقي اليوم فيكون قد أتى بالعمل فيجزي عن الواقع وذلك لما عرفت من أن أدلة التقية تدل على أن المأتي به تقية أو
المتروك تقيه يكون إتيانه أو تركه من الدين فلا يضر إتيانه أو تركه. وفي صورة تناول المفطر تقية يكون العبد قد أتى بالصوم ناقصاً لأنه إنما يتناول المفطر بقدر الضرورة التي يحصل بها التقية لأن أدلة التقية لا تبيح له أكثر من ذلك كما تقدم في اعتبار الضرورة في التقية وعليه فيكون المفطر الذي أتى به لا يضر بصومه لأنه كان إتيانه به من الدين فليس بممنوع منه ولازمه إجتزاء الشارع بصومه الناقص. نعم لو لم يأتِ بالصوم كلية تقية ولم ينوِ الصوم كلية تقية وجب عليه قضاءه وتم ما ذكره المشكل.
هذا مع انه يمكن ان يقال إن في الأخبار ما يدل على أن ما بنى عليه العامة من كون هذا اليوم عيداً يكون هو العيد وان علم بالخلاف ولم تكن تقية في البين ففي رواية أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر إنا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى فلما دخلت على أبي جعفر وكان بعض أصحابنا يضحي فقال: (الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس والصوم يوم يصوم الناس). وأبو الجارود وان ضعفه المامقاني (رضى الله عنه) بأنه من الجارودية من الزيدية إلّا أنه قد وثقه الشيخ المفيد (رضى الله عنه) فيما هو المحكي عنه وجعله من الممدوحين من أصحاب الباقر (ع) ومما يوجب الوثوق بالرواية رواية الكتب الأربعة لها.
ويؤيد ذلك النبوي المرسل المحكي عن الشهيد في الدروس
وعن العلامة في التذكرة من قول النبي (ص): (فطركم يوم تفطرون وضحاياكم يوم تضحون). ويؤيد ذلك أيضاً النبوي المرسل (حجكم يوم تحجون). والمرسل عنه (ص) أيضاً يوم عرفة الذي الذي يعرف في الناس وفي أنوار الفقاهة لشبل جدنا كاشف الغطاء في خبر (صم حين يصوم الناس وافطر حين يفطر الناس). وفي آخر (الفطر يوم يفطر الناس والّاضحى يوم يضحي الناس والصوم يوم يصوم الناس) وقد أورد على هذه الرواية:
أولًا:بأنها تنافي ما سيجيء بعد صفحات من رواية الكليني عن الصادق (ع): (كان افطاري يوماً وقضاءه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي) فانها تدل على عدم جواز الافطار فيما يثبت عند السلطان أنه يوم أول سؤال وسيجيء الجواب عنها ان شاء الله.
وثانياً:بضعف سندها وقد عرفت الجواب عنه.
وعن الوسائل في الباب الثاني عشر من أحكام شهر رمضان عن أبي الجارود وزياد بن المنذر عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) يقول: (صم حين يصوم الناس وافطر حين يفطر الناس فان الله جعل الأهلة مواقيت) قد يقال أن ذيل هذا الحديث يدل على ما ينافي صدره ولا يخفى ما فيه فانه ظاهر في كون صيام الناس هو الميزان وافطارهم هو الميزان وان الاهلة انما جعلت مواقيت لصيامهم فاذا تحقق صيامهم لا عبرة بها، فمراد الامام (ع) ان الاهلة جعلت علامة لوقت صيام الناس فاذا تحقق فلا يحتاج لمتابعة العلامة
والعمل على طبقها. ويؤيد ذلك ما في دعاء صلاة العيد من قوله (ع): (أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً) فان المسلمين في شرق الأرض وغربها تختلف الأهلة بمطالعها عندهم فلو جعل العيد خصوص اليوم الذي يرى الهلال لما كان هذا اليوم عيداً للمسلمين بأجمعهم كما هو ظاهر اللفظ وانما يكون لخصوص من رءاه ومقتضى التنظيم الإسلامي أن يكون تعيين ذلك اليوم لمن هو المتبوع من المسلمين.
ويؤيد ذلك أيضاً ما روي عن الصدوق (رضى الله عنه) في الصحيح عن عيسى بن أبي منصور أنه قال: (كنت عند أبي عبد الله (ع) في اليوم الذي يشك فيه، فقال: يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا، فذهب ثم عاد فقال لا، فدعا (ع) بالغذاء فتغذينا معه). وهو ان كان يحتمل فيه أنه يوم الشك من أول الشهر لا في آخره فيكون افطاره (ع) هو الذي تقتضيه القاعدة إلّا أن جعل افطاره وصيامه منوطاً بفعل السلطان يقتضي أن العبرة في الهلال هو نظر سلطان المسلمين خصوصاً وان يوم الشك من أول الشهر يستحب صومه فليس صومه (ع) في ذلك اليوم يكون على خلاف التقية.
نعم:يمكن أن يقال: إن افطاره (ع) ذلك اليوم مع صيام السلطان على خلاف التقية فمن هذه الجهة تفحص (ع) عن
صوم السلطان إلّا ان يقال إنه (ع) يعلم بحقيقة الحال وبالواقع لعلمه (ع) بالغيب فقيامه بهذا الأمر أمام الغير لارشادهم إلى ان الحكم الشرعي تابع لنظر السلطان وان كان من أهل الجور لأن هذه الأمور من شؤون الدولة الاسلامية فهي تابعة لنظر أربابها.
ويؤيد ذلك أيضاً ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن عن أبن أبي مسروق النهدي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن خلّاد بن عمارة قال: قال أبو عبد الله (ع): (دخلت على أبي العباس في يوم الشك وأنا أعلم أنه من شهر رمضان وهو يتغذى فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا من أيامك، قلت لِمَ يا أمير المؤمنين ما صومي إلّا بصومك ولا افطاري إلّا بافطارك، قال (ع) فقال أدنُ، قال (ع) فدنوت فاكلت وانا والله أعلم أنه من شهر رمضان). فان نقل الامام (ع) هذه الحادثة لأصحابه يستشم منه أنه يريد بيان ان تعيين هذا اليوم بيد السلطان وان كان يعلم الانسان بالخلاف وإلّا لما كان حاجة لنقله لهذه الحادثة ولنقله لما قاله لأبي العباس لو كان على خلاف الواقع.
ويؤيد ذلك أيضاً ما رواه الكليني (رضى الله عنه) عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أيوب بن نوح عن العباس بن عامر عن داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد الله (ع) أنه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: إني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم وهو والله من شهر رمضان فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد