وجوب طاعة السلطان
تجب إطاعة السلطان للتقية كائناً من كان للأدلة المتقدمة. ولوجوب دفع الضرر. ولما رواه الصدوق (رضى الله عنه) في الأمالي بإسناده عن الكاظم (ع) أنه قال لشيعته (لا تذلوا رقابكم بترك طاعة السلطان فان كان عادلًا فاسألوا الله بقاه وان كان جائراً فاسألوا الله إصلاحه فان صلاحكم في صلاح سلطانكم) الخبر. وبإسناده عن النبي (ص) قال: (طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله ودخل في نهيه ان الله عز وجل يقول: [ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] وروى الصدوق (رضى الله عنه) أيضاً في العيون باسناده عن الكاظم (ع) أنه قال، في حديث: (لولا أني سمعت في خبر عن جدي رسول الله (ص) إن طاعة السلطان للتقية واجبة إذا ما أجبت). وما في المحكي في الوسائل عن الصدوق بسنده إلى زين العابدين (ع): (وحق السلطان أن تعلم أنك جعلت فتنة له وأنه مبتلى فيك بما جعل الله له عليك من السلطان وان عليك ان لا تتعرض لسخطه فتلقي بيديك إلى التهلكة وتكون شريكاً له فيما يأتي إليك من سوء). وأما ما رواه العلامة الحلي (رضى الله عنه) في تحريره عن أمير المؤمنين (ع) عن النبي (أنه قال الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا قال إتباع السلطان فاذا فعلوا ذلك فاحذروهم
على دينكم) فان المراد بها هو إعمال الفقيه فتواه على حسب رغبة السلطان دون ان يفتي حسب ما يقتضيه الدين الحنيف. فانه إذ ذاك يكون مصاديق قوله تعالى: [ومنهم الكافرون].
مداراة المخالفين تقية أم لا؟
لاريب ان المداراة للمخالفين مطلوبة شرعاً ولو لم يكن هناك خوف الضرر للأخبار:
منهاصحيحة هشام قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إياكم أن تعملوا عملًا نعيّر به. فان ولد السوء يُعيَّر والده بعمله. كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا علينا شيناً. صلّوا في عشائرهم. وعودوا مرضاهم. واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم، والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء. قلت وما الخباء؟ قال: التقية).
ومنهارواية أبي بصير عن أبي جعفر (ع) أنه قال: (خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الأمرة صبيانية).
ومنهاما عن الخصال بسنده إلى أبي عبد الله (ع) أنه قال: (رحم الله عبداً إجترّ مودة الناس إلى نفسه فحدثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون). وما عن الكليني بسنده عن أبي عبد الله (ع) في رسالته لأصحابه (وعليكم بمجاملة أهل الباطل).
ومنهاما عن الكليني بسنده عن الصادق (ع) أن رسول الله (ص) قال: (أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض).
ومنهاما عن الكليني بسنده عن الصادق (ع) أن رسول الله (ص) قال: (أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض).
ومنهاما عن مجالس الطوسي (رضى الله عنه) بسنده عن الصادق (ع) أنه قال: (عليكم بالتقية فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره). إلى غير ذلك من أخبار الباب. والمهم البحث هنا في مقامين:
المقام الأول: إن المداراة للمخالفين لمجرد حُسن السلوك وطيب العشرة وكرم الخلق من دون خوف الضرر هل هي من التقية أم لا؟ ظاهر الشيخ (رضى الله عنه) وجماعة من المتأخرين انها منها. والتحقيق أنها ليست منها لما عرفته من إعتبار الخوف من الضرر في تحققها. وعليه فالأحكام المرتبة على عنوان التقية لا تترتب على المداراة المذكورة.
المقام الثاني: هل المداراة المذكورة تترتب عليها أحكام التقية بعد ان لم تكن بتقية فيجوز إرتكاب المحرمات وترك الواجبات إذا كانت بها مجرد المداراة للمخالفين وحسن الأدب معهم من دون
خوف الضرر منهم؟ وهل يسقط بها الإعادة والقضاء؟ وهل تترتب على العمل الواقع على طبقها الآثار الوقعية؟ فمثلًا الطلاق المأتي به بالنحو الذي يقول به المخالف لمجرد المداراة له من دون خوف الضرر تحصل به الفرقة ولا يلزم إعادته. وهكذا الوضوء بالنبيذ من أجل المداراة لا تجب إعادته وتصح الصلاة به. أم ليس الامر كذلك؟ التحقيق أنه لا يجوز بالمداراة للمخالفين ترك الواجبات ولا فعل المحرمات ولو وقع شيء منها لا يترتب عليه الأثر. واما الاخبار المتقدمة فهي ليست فيها دلالة على ذلك ولو سلمنا دلالتها فهي معارضة بأخبار أخرى، أما وجه عدم دلالتها على ذلك فهو أنها ظاهرة في المداراة بنحو التقية بقرينة صدرها حيث قال (ع) فيه: (كونوا لمن انقطعنم إليه زيناً) وبقرينة التعليل بقوله (ع) والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من التقية) فلو لم يكن المورد من التقية وكان من المداراة المجرد عنها لما صح التعليل بذلك لخروج المورد عن التعليل.
إن قلت إن فعل الصلاة في عشائرهم مستلزم لترك بعض الأجزاء والشرائط وفعل بعض الموانع فالترغيب فيه يدل على الاجزاء.
قلنا الأصح قراءة (صلوا) بكسر الصاد. أمر من وصل يصل، وذلك بقرينة السياق ونسق الكلام ومناسبة الحكم للموضوع فان الصلاة في عشائرهم لا توجب أن يكونوا زيناً وانما الموجب للزين هو
الصلاة في جماعتهم خلف إمامهم بل من ترك الجماعة وصلى هناك ربما كان أمراً يعير به فانه عندهم يحرق عليه بيته. مضافاً إلى أن المناسب لعود المرضى هو إعطاء الصلة ليعرف عند عشائرهم بانه رجل كريم شريف يحب الخيروحتى الآن من يكون من الأعراب يفتح داره للضيافة في أي عشيرة من العشائر يكون محترماً في تلك العشيره مقدّراً عندها ومسموع الكلمة فيها. أما فعل عبادة الصلاة نفسها في العشيرة ليس له بعض ذلك الأثر إن لم يكن أثره بالعكس، فإعطاء الصلة هو المناسب لعود المرضى وتشييع الجنازة فإنها كلها من باب واحد وهو فعل المعروف الذي يرفع مستوى الانسان. ولو سلمنا ذلك فقد عرفت أنه بقرينة التعليل يكون من باب التقية لا من باب المداراة. واما الرواية الثانية فهي أيضاً ظاهرة في التقية لأن كون التعليق على كون الأمرة صبيانية يشعر بعدم مبالاة الأمرة بالناس فيخشى من مخالفتها على أنها لا تشعر بجواز مخالفة الواجب والحرام لمجرد حسن المخالطة وان لم يكن الخوف من المخالفة، وهكذا حال الرواية الثالثة. ومنه يظهر حال الرواية الرابعة والخامسة فانهما دالتان على مجرد مطلوبية المداراة دون أن يكون فيها دلالة على الجواز حتى مع المخالفة للواجبات والمحرمات فهي نظير ما دل على استحباب إجابة المؤمن وإغاثة الملهوف. واما السادسة فهي لا ربط لها بالمداراة وانما المراد بها تعويد النفس على التقية. ولا شك ولا ريب أنه لا يجوز للانسان ان يستعمل مع من يأمنه مخالفة الواجبات وترك المحرمات لان يعتاد على التقية مع من لا يأمنه. وإنما المراد منها ترك
السب والاستهزاء ببعض شعائرهم وسوء الأدب مع رجالهم من أهل الدين ونحو ذلك.
وأما وجه صحة عدم التمسك بها حتى لو تمت دلالتها من جهة معارضتها بأخبار أكثر منها عدداً وأصح سنداً وأجلى دلالة منها الأخبار الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أمن الضرر وهي تقتضي عدم المداراة مع أمن الضرر.
ومنها الأخبار الدالة على ذم من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله تعالى فانها صريحة الدلالة في عدم جواز مداراة المخالف من دون الخوف من الضرر بترك الواجبات وفعل المحرمات.
ومنها ما هو المحكي عن من لا يحضره الفقيه بسنده إلى أبي عبد الله (ع) قال: (لا تسخطوا الله برضى أحد من خلقه، ولا تتقربوا إلى الناس بتباعد من الله). وقد تواتر عنهم (ع) (أنه لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق) ونحو ذلك. فالظاهر أن المداراة لهم المجردة عن خوف الضرر مستحبة فيما عدا مخالفة الواجبات والمحرمات ويدل على ذلك الكثير من الأخبار.
المقام الثالث
في الحكم الظاهري
وقد عرفت الكلام في الحكم الثانوي الواقعي وأما الحكم الظاهري فللقوم فيه أطلاقان:
أحدهما: يطلق على الأحكام المستفادة من الأدلة الفقهاتية التي هي الأصول العملية، وعليه فتختص الأحكام الظاهرية بخصوص مفاد الأصول العملية من البراءة والإستصحاب والإحتياط ونحوها.
وثانيهما: يطلق على الأعم منها ومن الأحكام المستفادة من الأدلة الإجتهادية التي هي الإمارات المجعولة الكاشفة عن الأحكام الواقعية التي لا دخل للجهل والعلم فيها وان كان لغيرها من الصفات كالصحة والمرض والسفر والحضر وإجابة المؤمن دخل فيها بمعنى أنه يطلق على الأحكام المستفادة من المجعولات الشرعية سواء كانت أصولًا عملية أو إمارت شرعية. نعم لما كان للإمارات الشرعية كالأخبار جهتان:
أحدهما: كونها ناظرة للواقع أطلق على مفادتها من هذه الجهة الأحكام الواقعية.
وثانيهما: احتياجها إلى دليل الاعتبار أطلق أيضاً على مفاداتها الأحكام الظاهرية. واما الأصول العملية فليس لها إلّا الجهة الثانية حيث لا نظر لها للواقع ولا كاشفية لها عنه. وهذا هو الوجه في تقديم الإمارات على الأصول مع إشتراكهما في كون مداليلهما الأحكام الظاهرية ومحل كلامنا في الأحكام الظاهرية بالمعنى الثاني فالمراد بالحكم الظاهري في المقام هي المحمولات الثابتة للموضوعات الواقعية باعتبار قيام الدليل المعتبر عليها سواء كان إمارة شرعية على الحكم كأخبار الآحاد ونحوها أو إمارة شرعية على الموضوع كالبينة ونحوها أو أصلًا من الأصول العملية في الأحكام الكلية كالبراءة والإستصحاب والإحتياط أو أصل من الأصول في الموضوعات الخارجية والأحكام الجزئية كاصالة الطهارة و قاعدة الفراغ والتجاوز ونحوها. وتوضيح الحال وتنقيحه يحتاج إلى البحث كما يلي:
الفرق بين الحكم الظاهري والواقعي:
إن الفرق بين الحكم الظاهري وبين الحكم الواقعي والمعيار في تمييز أحدهما عن الآخر ان الثاني هو الحكم الأوّلي الثابت في اللوح المحفوظ المنبعث عن المصالح والمفاسد والحُكّم الواقعية الكامنة في موضوعه التي هي الداعية لجعل الأحكام على طبقها من غير أن يكون للعلم والجهل فيه مدخلية، وهو الذي نزل به الروح الأمين
على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين، ولا يختلف باختلاف الوقائع والأهواء، ولا يتعدد بتعدد الأشخاص والأمراء بل أصابه من أصاب و أخطأه من أخطأ. نعم تعلّق العلم به تفصيلا أو إجمالًا معتبر في تنجزه فما لم يتعلق به العلم يسمى حكماً إنشائياً و شأنياً وتعليقياً وفعلياً، كما إنه إذا تعلق به يسمى تنجيزياً لكن إعتباره بهذين اللحاظين وإتصافه بذينك الوضعين لا يوجب تعدده وإختلافه بان يكونا حكمين منشأين بانشائين إذ الفعلية والتنجزية وصفان طارئان على الحكم الواقعي ببعض الإعتبارات كإعتبار قبح المؤاخذة على مخالفته وعدم قبحها مثلا. ومما ذكرنا يعرف تعريف الحكم الظاهري وانه المجعول للموضوع لا من حيث الإنبعاث عن المصالح والمفاسد الكامنة فيه بل من حيث الجهل بالحكم الواقعي الثابت للموضوع فهما بحسب التعلق بالمكلف من حيث الإشتراط بالعلم سواء وتميزّها بما ذكرناه. فما في الفصول في بحث الملازمة من الفرق بينهما بأنه لا يعقل من الحكم الواقعي إلّا ما إستند عدم تعلقه بالمكلف إلى عدم علمه به ولا من الحكم الظاهري إلّا ما أستند تعلقه به إلى علمه به أو إلى عدم علمه بالحكم الواقعي ظاهر الفساد لما مر من أنهما بحسب التعلق بالمكلف من حيث الاشتراط بالعلم سواء، مضافاً إلى تصادق تعريف كل منهما (حينئذ) على الآخر ضرورة ان كل منهما يستند عدم تعلقه إلى عدم العلم به وكل منهما يستند تعلقه بالمكلف إلى العلم به كما لا يخفى.