وثانيهما: احتياجها إلى دليل الاعتبار أطلق أيضاً على مفاداتها الأحكام الظاهرية. واما الأصول العملية فليس لها إلّا الجهة الثانية حيث لا نظر لها للواقع ولا كاشفية لها عنه. وهذا هو الوجه في تقديم الإمارات على الأصول مع إشتراكهما في كون مداليلهما الأحكام الظاهرية ومحل كلامنا في الأحكام الظاهرية بالمعنى الثاني فالمراد بالحكم الظاهري في المقام هي المحمولات الثابتة للموضوعات الواقعية باعتبار قيام الدليل المعتبر عليها سواء كان إمارة شرعية على الحكم كأخبار الآحاد ونحوها أو إمارة شرعية على الموضوع كالبينة ونحوها أو أصلًا من الأصول العملية في الأحكام الكلية كالبراءة والإستصحاب والإحتياط أو أصل من الأصول في الموضوعات الخارجية والأحكام الجزئية كاصالة الطهارة و قاعدة الفراغ والتجاوز ونحوها. وتوضيح الحال وتنقيحه يحتاج إلى البحث كما يلي:
الفرق بين الحكم الظاهري والواقعي:
إن الفرق بين الحكم الظاهري وبين الحكم الواقعي والمعيار في تمييز أحدهما عن الآخر ان الثاني هو الحكم الأوّلي الثابت في اللوح المحفوظ المنبعث عن المصالح والمفاسد والحُكّم الواقعية الكامنة في موضوعه التي هي الداعية لجعل الأحكام على طبقها من غير أن يكون للعلم والجهل فيه مدخلية، وهو الذي نزل به الروح الأمين
على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين، ولا يختلف باختلاف الوقائع والأهواء، ولا يتعدد بتعدد الأشخاص والأمراء بل أصابه من أصاب و أخطأه من أخطأ. نعم تعلّق العلم به تفصيلا أو إجمالًا معتبر في تنجزه فما لم يتعلق به العلم يسمى حكماً إنشائياً و شأنياً وتعليقياً وفعلياً، كما إنه إذا تعلق به يسمى تنجيزياً لكن إعتباره بهذين اللحاظين وإتصافه بذينك الوضعين لا يوجب تعدده وإختلافه بان يكونا حكمين منشأين بانشائين إذ الفعلية والتنجزية وصفان طارئان على الحكم الواقعي ببعض الإعتبارات كإعتبار قبح المؤاخذة على مخالفته وعدم قبحها مثلا. ومما ذكرنا يعرف تعريف الحكم الظاهري وانه المجعول للموضوع لا من حيث الإنبعاث عن المصالح والمفاسد الكامنة فيه بل من حيث الجهل بالحكم الواقعي الثابت للموضوع فهما بحسب التعلق بالمكلف من حيث الإشتراط بالعلم سواء وتميزّها بما ذكرناه. فما في الفصول في بحث الملازمة من الفرق بينهما بأنه لا يعقل من الحكم الواقعي إلّا ما إستند عدم تعلقه بالمكلف إلى عدم علمه به ولا من الحكم الظاهري إلّا ما أستند تعلقه به إلى علمه به أو إلى عدم علمه بالحكم الواقعي ظاهر الفساد لما مر من أنهما بحسب التعلق بالمكلف من حيث الاشتراط بالعلم سواء، مضافاً إلى تصادق تعريف كل منهما (حينئذ) على الآخر ضرورة ان كل منهما يستند عدم تعلقه إلى عدم العلم به وكل منهما يستند تعلقه بالمكلف إلى العلم به كما لا يخفى.
المراد بالشك المأخوذ في الحكم الظاهري
: إن المراد بالجهل والشك المأخوذ في تعريف الحكم الظاهري ما يعم الظن حسبما هو معناه اللغوي، وقضية ما حققناه من أن الظن غير المعتبر كالشك في عدم الاعتبار ولعله محل أتفاق بين العلماء الاعلام. وتوهم أن قضية ما ذكر هو مساواة الظن مع الشك في عدم الطريقية وهو ينافي ما تقدم من الالتزام بطريقيته دونه يدفعه ما مرًّ من أن موضوعيته للحكم الظاهري لا ينافي طريقيته الناقصة بالنسبة إلى الحكم الواقعي، ومما ذكرناه من أول المبحث إلى هنا تعرف منه ان ما ربما يظهر من الشيخ الأنصاري (رضى الله عنه) من إنحصار الحكم الظاهري في مداليل الأصول حيث قال: (ويسمى الدليل الدال على هذا الحكم الظاهري أصلًا ليس على ما ينبغي إلّا أن يحمل على إرادة الحكم الظاهري دون الظاهري الواقعي حيث ان كلًا من الحكمين الواقعي والظاهري على ما صرح به بعض الأفاضل باعتبار الدليل الدال عليه ينقسم إلى قسمين فالكل أربعة الواقعي الواقعي وهو الواقع الذي قامت الإمارة عليه، والواقعي الظاهري وهو الواقع الذي قام الأصل عليه، والظاهري الواقعي وهو غير الواقع الذي قامت الإمارة عليه، والظاهري الظاهري وهو غير الواقع الذي قام الأصل عليه. ولكنه كما ترى بعيد جداً بل يأباه ظواهر كلماتهم بل ما يعلم من مذاقهم، كما أن بعضهم قد ذكر أن الأنسب تسمية
مؤدى الأصل بالحكم العذري باعتبار أنه لا نظر لدليله للواقع ولا للمصلحة في العمل به إلّا مجرد نفي المؤاخذة والعقاب. ثم إنه من خواص الأخير سواء كان مؤدى الإمارة أو الأصل عدم إتصافه بالشأنية بل هو فعلي تنجيزي دائماً فان المكلّف لو إلتفت في أولهما حصل له الظن المعتبر به يكون فعلياً وإلّا فلا، كما أنه في ثانيهما لو شك في الحكم الواقعي مع فقد ما يدل عليه يكون المؤدى له حكماً فعلياً والا فلا، ولذا لو ترك العمل بمؤداهما مع تعذر الوصول إلى الواقع يعاقب على ترك الحكم الواقعي دون الظاهري، ولو إنكشف الواقع لم يكن المكلف مأموراً بهذا الحكم الظاهري ومحكوماً به سواء كان على طبق الإمارة أو على خلافها، فما ذكره بعض المعاصرين من ان الحكم الظاهري كالحكم الواقعي له واقعيًّة في قباله فان علم المكلف به تفصيلًا أو إجمالًا يصير منجزاً وإلًا فيكون معلقاً شأنياً ممثلًا له بان الجاهل بحجية خبر العادل يكون وجوب العمل به في حقه مجعولًا في الواقع وان لم يكن منجزاً ما لم يعلم به محل نظر واضح بل الذي يستفاد من تمثيله بما ذكره أنه إختلط عليه الأمر وزعم أن الحكم الظاهري هو وجوب العمل به وله واقعية ولم يتفطن بأنه حكم واقعي أولي كسائر الأحكام ضرورة أن خبر العادل موضوع من الموضوعات والعمل به واقعة من الوقائع له حكم في الواقع وهو وجوب العمل به ومن المعلوم أن يتصف بالفعلية والشأنية على حد سائر الأحكام الواقعية، وان المراد بالحكم
الظاهري هو مفاد الخبر ومؤداه. ومن المعلوم انه مع عدم التفاف المكلف إليه وعدم النظر فيه لم يحصل له الظن بمؤداه ومع عدم حصول الظن بالمؤدى لم يتحقق حكم أصلًا حتى يسمى بالشأني كما هو واضح عند من له أدنى مسكة كما إختلط الأمر على بعضهم من كون الحكم المعلق على الموضوع المعلوم بمعنى كون العلم جزء للموضوع داخلًا في الحكم الظاهري دون الواقعي نظرا إلى أن الحكم الواقعي حسبما مرًّ هو الحكم المعلق على الموضوع الواقعي مع قطع النظر عن تعلق العلم والشك به ووجه فساد ذلك هو أن العلم الذي أخذ عدم مدخليّته في الحكم الواقعي هو العلم بالحكم نفسه الذي هو شرط لتنجزه دون العلم الماخوذ في الموضوع جزءاً أو قيداً ضرورة أن العلم المأخوذ جزءاً انما هو محقق لموضوع الحكم الواقعي لا أنه شرط للحكم الواقعي نفسه كما هو واضح فالزعم المذكور ناشيءٌ عن الخلط وعدم التمييز بين العلم المأخوذ جزءاً للموضوع وبين العلم بالحكم نفسه الذي هو شرط لتنجزه مع وضوح الفرق بينهما.
الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري:
وههنا مشكلة عويصة وشبهة قوية وقعت في أذهان المحققين وعالجها سراة المدققين جعلت قسماً منهم ينكر الحكم الظاهري وحاصلها أن الحكم الظاهري لو كان موجوداً لزم إجتماع المثلين
عند موافقته للحكم الواقعي، وأما عند مخالفته للحكم الواقعي فيلزم إجتماع الضدين في مورد واحد. ودعوى إختلاف الموضوعين بالشك وعدمه غير مفيدة ضرورة ان شرب التتن ليس مبايناً لشربه المشكوك الحكم فتحريم أحدهما وتحليل الآخر تناقض باطل، ويلزم أيضاً طلب الضدين فيما لو تعلق الحكم الظاهري بضد ما تعلق به الحكم الواقعي ويلزم أيضاً تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة ونقض الغرض لأنه إذا كان الحكم الظاهري مخالفاً للواقع وكان الواقع هو الوجوب مثلًا والحكم الظاهري هو الحرمة مثلًا فقد اجتمع الوجوب والتحريم في مورد واحد كما في إجتماع الأمر والنهي في مورد واحد فلو كان تعدد الجهة في المقام مجدياً لدفع محذور التنافي لكان مجدياً هناك أيضاً في دفعه ضرورة أن تعدد الجهة لو كان رافعاً لاجتماع الضدين فلا يختص بمورد دون مورد وأيضاً قد فاتت على المكلف المصلحة في العمل المستدعية لوجوبه عليه واقعاً وكان التحريم نقضاً لغرض المولى لأن غرض المولى هو الإتيان بالعمل وإلّا لما أوجبه على العبد. فالتحريم الظاهري للعمل الواجب واقعاً نقض لغرض المولى لإستدعائه عدم الإتيان به، وهكذا الكلام في سائر الأحكام الظاهرية المخالفة للحكم الواقعي فإنه مع عروض واحد منها على موضوع يمتنع عروض غيره عليه أيضاً حال ثبوته له في الواقع ولو كان ذلك الغير حكماً ظاهرياً لوضوح أن الظاهري بالنسبة إلى موضوعه أيضاً حكم واقعي فإنه عارض على المورد للحكم الواقعي نفسه لصدق موضوعه عليه واقعاً ولا ينافي ذلك
تسميته بالظاهري فانه بملاحظة حدوثه في حق المكلف بعد الجهل بالحكم الواقعي الأولي ويلزم من وجود الحكم الظاهري وجود حكم ظاهري لإختلاف حال المكلف بالنسبة إليه علماً وجهلًا واختلاف وظيفته بذلك من حيث المعذورية وعدمها فيئول الأمر إلى التسلسل والجواب:
أولًا: بالنقض فان العقلاء لا يرون لزوم ذلك في أوامرهم الظاهرية بالنسبة لعبيدهم بل حتى بالنسبة لطلباتهم من أصدقائهم وإخوانهم ألا ترى أنهم يأمرون عبيدهم كأن يامر الآمر منهم فيقول (أكرم من دخل داري إذا كان عالماً وإذا شككت في علمه فلا تكرمه) فهل ترى أنهم يجدون في ذلك تلك المحاذير وطالما يقول القائل منهم لصديقه أو لعبده (إذهب للبلد الفلاني واشترِ لي الشيء الفلاني فإذا لم تعرفه فلا تذهب) فهل ترى منهم النقد عليه بلزوم تلك المحاذير.
وثانياً: بالحل أما عن لزوم طلب الضدين فلأن طلبهما إنما يكون محالًا من جهة تعجيز العبد وتكليفه بما لا يطاق وهو إنما يلزم لو كان طلب كل منهما تنجيزياً أما مع عدم تنجز أحدهما فلا يلزم ذلك كما فيما نحن فيه لأن طلب الواقع غير منجز مع تنجز الحكم الظاهري، واما عن لزوم تفويت مصلحة الواقع ونقض الغرض فواضح فلأن المولى لا ينشأ الحكم الظاهري إلّا إذا إقتضت المصلحة إنشاءه بحيث تكون أهم في نظر الشارع من مصلحة الواقع والوقوع
في مفسدته وعند ذا يكون غرضه هو الإتيان على طبقه فلا يكون في إنشاء الحكم الظاهري نقض لغرض المولى بل هو على طبق غرضه بل قد يكون انشائه لإدراك مصلحة الواقع كما في صورة ما لو كان الواقع لا يدرك إلّا به.
وأما عن لزوم التسلسل فانه لما كان الجعل للحكم الظاهري بإختيار الجاعل فله أن لا يجعل للحكم الظاهري عند الشك في الحكم الظاهري نفسه حكماً ظاهرياً فيما لو لزم محذور من جعله إياه.
واما الجواب عن لزوم اجتماع المثلين أو الضدين فبأن الحكم الظاهري إنما يجعل في مرتبة التنجز للحكم الواقعي ولذا لو تنجز الحكم الواقعي يرتفع الحكم الظاهري ولا يجتمع معه وهي كما عرفت المرتبة التي تكون بعد كمال الحكم الواقعي وتماميته أعني مرتبة العلم بالحكم فهي مرتبة متأخرة عن وجود الحكم الواقعي أعني المرتبة التي يتحقق فيها العلم بالحكم الواقعي والجهل به والحكم الظاهري يجعل في هذه المرتبة فيكون الحكم الظاهري في مرتبة متأخرة عن الحكم الواقعي وفي طوله فلا يجتمعان في مرتبة واحدة.
وبعبارة أخرى إن الحكم الظاهري متأخر عن موضوعه بالطبع وهو الشك ضرورة تأخر كل حكم عن موضوعه والشك متأخر عن الحكم الواقعي ضرورة تأخر كل متعلق عما تعلق به