بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 174

استحقاق العقاب على‌

مخالفة الحكم الظاهري المخالف للواقع‌

وهنا بحث شريف وهو إن الحكم الظاهري لو كان مخالفاً للواقع ولم يمتثله العبد هل يكون بذلك عاصياً مستحقاً للعقاب أو متجرياً فقط؟ فلو كان الحكم الظاهري بمقتضى الاستصحاب هو وجوب صلاة الجمعة وفي الواقع ليست بواجبة والعبد قد خالف الاستصحاب فهل يكون عاصياً معاقبا أو أنه متجرياً فقط؟ الحق أن الأمر مبني على أن الحكم الظاهري حكم حقيقي كما لو ذهبنا إليه من أنه مجعول في مرتبة خاصة وهي المرتبة الرابعة للحكم الواقعي فتكون مخالفته عصياناً يستحق عليها العقاب، واما إذا قلنا بأنه حكم ليس بحقيقي وإنما يقصد به تنجيز الواقع فلا عصيان عند مخالفته ولا عقاب عند ترك امتثاله وإنما يكون تجرياً محضاً. فإذن لا بد لنا من صرف الكلام في بيان استحقاق العقاب على التجري. ظاهر بعض المحققين بل صريحه العقاب على التجري لأنه هتك للمولى وجرأة عليه والوجدان حاكم باستحقاق الهاتك والمتجري النيران من غير أن يسري إلى الفعل المتجري‌ء به شي‌ء من القبح والمبغوضية بداهة أن القطع بالحسن والقبح ليس من العناوين المغيرة حسن الفعل أو قبحه كما أنه ليس ملاكاً للمحبوبية والمبغوضية ضرورة ان قتل ابن المولى مبغوض له ولو ممن اعتقد انه عدوه، هذا مضافاً إلى ان الفعل‌


صفحه 175

المتجري به مثلا لا يكون اختياريا بما هو معلوم الحرمة أو الوجوب فان القاطع لا يقصد إلّا بما يقطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطاري‌ء الآلي بل لا يكون غالباً بهذا العنوان مما يلتفت إليه فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح؟ وفيه: إن ضرورة العقل وحكم العقلاء في مثل المقام ليس إلًا على اللوم والمذمة واما انه على ما صدر من العزم والإرادة أو أنه على الصفة الرديئة نفسها التي ظهر منه فغير معلوم.

وبعبارة أخرى ترتب اللوم والمذمة على ما ظهر من سوء سريرته أو على نفس إظهاره والجري على منواله حتى يستتبع العقاب فغير معلوم بل المعلوم خلافه، ولذا ترى ترتبه عليه لو ظهر كونه بحيث لو قدر على قتل سيده لقتله ولو لم يصدر منه عزم وإرادة أبداً بل اللوم والمذمة على الثاني عندهم أشد من المترتب على الأول إذا صادف ما يوافق غرض المولى، وأما ما ذكره من عدم وجود مناط القبح والمبغوضية في الفعل نفسه بمجرد تعلق القطع بكونه مبغوضاً فإنما هو إذا لم يلازم عنوانا عرضياً وهو صيرورة الفعل مما يتحقق به التجري والهتك وأما معه فيمكن منع عدم وجود ملاك القبح فيه، هذا مضافاً إلى أن القطع بعدم كون القطع بالمبغوضية ملاكاً موقوف على الإطلاع على الجهات الواقعية وأين الطريق إليه؟ فليس إلّا الشك في اتصافه بالمبغوضية من جهته. وأما مسألة خروجه بما هو معلوم المبغوضية عن حيز الاختيار لكونه غير مقصود فإنما يسلم إذا لم يكن مقصوداً ولو بالتبع وأما مع كونه‌


صفحه 176

مقصودا كذلك للعلم بكون المرتكب معلوم المبغوضية فلا نسلم خروجه عن الاختيار. ودعوى أن العلم بكون المقصود معلوم المبغوضية محتاج إلى علم آخر غير العلم بمبغوضيته مدفوعة بأنه معلوم بنفس هذا العلم لا بعلم آخر، ومنه ظهر أنه لا معنى لغفلته عن كون المرتكب كما أنه مبغوض معلوم المبغوضية بل هذا من الأمور التي من شدة وضوحها وارتكابها يعد من الأمور المغفولة عنها، ومما يرشد إلى ذلك كون العلم بالواجبات والمحرمات بنفسه منجزاً لها من غير احتياج إلى علم آخر بأنها معلومة كذلك مع أن العلم بها في حكم العقل بالتنجز موضوع، ومن الواضح أن العلم بصيرورتها معلوم الوجوب والحرمة معتبر في تنجزها ولّا فلا ينفع العلم بها مع الغفلة عن كونها معلومات، هذا مضافاً إلى أن ظاهر قوله (بل لا يكون غالباً إلى آخره) خروج الفعل بالعنوان المزبور عن الاختيار ولو مع الإلتفات إليه وهو كما ترى، ثم لو سلمنا الغفلة عن هذا العنوان فإنما هو إذا لم يكن بالعنوان المزبور موضوعاً لحكم من الأحكام وأما معه فلا يكاد يغفل عنه. لا يقال إن الإلتفات الموقوف على جعل الحكم لا يصير سبباً لجعله وإلّا لدار لأنا نقول لا يعتبر في الإلتفات الذي هو الشرط للتكليف إلّا الإلتفات حين العمل فهو حاصل فلا يتوقف التكليف على الإلتفات حينه فلا دور مع هذا لكن الظاهر أن مراده عدم اختيارية معلوم الحرمة بالعلم غير المطابق للواقع الذي به عنوان الكلام في باب التجري ضرورة أن المرتكب لا يعقل ومن يراه علماً مخالفاً للواقع. وفيه: إنه لا يلزم أن يكون‌


صفحه 177

العنوان الحاصل لمعلوم الحرمة مختصاً كما إذا خالف ولم يصادف للواقع بل يمكن أن يعمه والمصادف كعنوان الهتك فيجتمع في صورة المصادفة سببان وفي صورة المخالفة سبب واحد. وعليه فلا يكون ارتكابه بهذا العنوان الجامع غير اختياري مع أن دعوى أن استحقاق العقاب إنما هو على مجرد العزم والإرادة حتى في المعصية الواقعية كما صرح بها قائلًا إنه ليس فيها إلّا سبب واحد في العقاب وهو الهتك خلاف ظواهر الآيات والأخبار، هذا كله مضافاً إلى أن المناط في حكم العقل بالاستحقاق لا يمكن أن يكون أمراً قابلا لتعلق الحكم المولوي به وإلّا فيتعلق به حكم آخر بالملازمة العقلية فيخرج عن التجري ويدخل في المعصية الواقعية وتسلسل معه هذا العنوان وهو كما ترى ومن ذلك ظهر أن الأقوى هو الوجه الأوسط يعني كون المناط نقض غرض المولى فلا يعاقب إلا على ترك المأمورية وفعل المنهي عنه ولا يمكن أن يتعلق بهذا العنوان أمر مولوي غير الأمر بإتيان متعلقه والنهي عن إتيان ما تعلق الطلب بتركه وهذا هو الذي ينطبق على عنوان الإطاعة والمعصية اللتين لا يمكن أن يتعلق بهما بما هما وصلتان لإتيان المأمور به وترك النهي عنه أمراً ونهي مولوي. ثم أنه (ره) أورد على تعلق العقاب والثواب بالإرادة بأنها بلغ من أسباب الاختيار فلا يكون اختياريا فكيف يكون سبباً للثواب والعقاب فأجاب:

أولا: بأن الإرادة لما كانت غالباً مباديها اختيارية صح العقاب عليها.


صفحه 178

وثانياً: بأن الثواب والعقاب على بعد العبد عن الرب وقربه إليه اللذين هما من ذاتياته ومعه فيقطع السؤال ولا يلزم منه لغوية بعث الرسل وإنزال الكتب لأن ذلك يهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة. ولا يخفى ما فيه. أما أولا فلأن مبادي‌ء الاختيار الذي يكون بالاختيار إن كان اختياريا بالإرادة يعود المحذور وإن كان اختياريا بغير الإرادة فتبطل كون الإرادة من مبادي‌ء الاختيار.

وثالثاً: التزام كون الثواب والعقاب على البعد والقرب لا يدفع محذور تعلقهما بالأمر غير الاختياري وان لم يكن فيه محذور فيلتزم بتعلقهما على الإرادة وان كان فيه محذور فلا يندفع بمجرد كون الأمر غير الاختياري من الذاتيات.

رابعاً: إذا كان البعد والقرب اللذان هما المناط في الثواب والعقاب من الذاتيات فأي حجة في الآيات والبلاغات على العبد حتى يهلك عن حجة وبينة.

والتحقيق إن الإرادة اختيارية ولا ينافي في عدم سبقها بها نظير ما مر آنفاً من أن انكشاف كل شي‌ء بالعلم وانكشاف العلم بنفسه فالإرادة روح الاختيار وما به الاختيار وإختيارته بنفسه ويشهد له اتحاد نسبة وجودها وعدمها إلى العبد. بحيث له إيجادها وإعدامها، ثم ان لازم الاحتمال الثالث اجتماع سببين للعقاب في المعصية الواقعية وسبب العقاب والثواب فيما إذا صادف التجري واجباً واقعياً غير مشروط بقصد القربة لتحقق الوفاء بغرض المولى الذي‌


صفحه 179

هو مناط الثواب وهكذا ويمكن أن يكون هذا مراد صاحب‌الفصول‌مما ذكره من التفصيل بين ما إذا تحقق التجري في ضمن واجب غير مشروط بقصد القربة وعدمه ولكن فيه:

أولًا: أنه لا ينطبق على ما أستدل به من أن قبح التجري عندنا ليس ذاتياً بل بالوجوه والاعتبار لأن مناط العقاب وهو الهتك لا يمكن أن يكون قبحه بالوجوه والاعتبار إلًا أن يكون مراده بالتجري هو الفعل المتجري به بمعنى أن الفعل المتجري به ان تحقق به الهتك قبيح وان تحقق به الوفاء بغرض المولى حسن وحينئذ يلاحظ الغرض الحاصل فان لم يزد على مفسدة الهتك يبقى بلا حكم وحينئذ فلا يرد عليه ما أورده‌شيخنا الأكبرمن أن قبح التجري ذاتي غير قابل التغيير بالوجوه والاعتبار.

وثانياً: أن الوفاء بالغرض أو نقضه إنما يتصف بالحسن والقبح ان كان اختياريا بل مقصوداً به ذلك فنفس تحققه أو نقضه من العبد غير قاصد له لا يتصف بحسن أو قبح فلا يزاحم سبب العقاب ما يوجب الثواب إلّا أن يقال إيجاد غرض المولى بالفعل المتحقق في ضمنه التجري وهتكه غير المتصف بالاختيار وان كان لا يتصف بحسن إلّا أن ذلك يؤثر في رفع علية الهتك لاستحقاق العقاب فللتجري على المولى يوجب العقاب والهتك إذا لم يصادف أمراً يوجب رضاه وسببية تحقق غرضه في الخارج لرضاه لا يتوقف على كونه اختياريا، وبالتأمل فيما ذكرنا نعرف أنه لا يتوجه عليه ما وجهه عليه شيخنا الأكبر ثانياً أيضاً وما ذكره من أن التجري ان تحقق في‌


صفحه 180

ضمن المعصية الواقعية يتداخل عقاباهما فيمكن أن يستند فيه إلى الآيات والأخبار الدالة على أنه ليس في المعصية الواقعية إلًا عقاب واحد ويستكشف منه العفو عن السبب الآخر لا أنه تلغو سببيته عقلًا حتى يتوجه عليه ما وجهه شيخنا الأكبر أيضاً من أنه لا وجه للتداخل ان أراد وحدة العقاب إذ يرد ذلك عليه ان أراد وحدته استحقاقا عقلياً لا فعلياً خارجياً ناشئاً عن العفو كما في الظهار.

تذنيب في التكليف الخيالي ومقتضى امتثاله‌

وقد يسمى التكليف الخيالي بالتكليف الظاهري العقلي وهو التكليف المتخيل بواسطة القطع بالخلاف أو السهو أو النسيان أو الظن المعتبر بدليل الانسداد بناءاً على الحكومة أو بواسطة الأصول العقلية، وهكذا التكليف الذي حكم به العقل كوجوب الاحتياط أو دفع الضرر الموهوم أو المظنون لو انكشف الخلاف، وامتثاله لا يقتضي إلّا معذورية العبد عند عدم تقصيره في المقدمات وإلّا لم يكن معذوراً. ولا يقتضي الإجزاء عن الواقع لأن الإجزاء فرع الأمر من الشارع والإتيان بالمأمور به على وجهه ولا أمر هنا من الشرع ولا مأمورية بل هو مجرد تخيل فلا معنى للكفاية عن الإعادة أو القضاء حتى في صورة القطع لأن القطع ليس بطريق مجعول للشارع فالقاطع بالخلاف ليس عنده إلّا اعتقاد الأمر واعتقاد الشي‌ء لا يوجب وجوده. ودعوى وجود أوامر الإطاعة من الشرع فالإجزاء يكون بملاحظة إتيان متعلقها وكفايته عن الواقع فاسدة فإن أوامر الإطاعة


صفحه 181

إرشادية ليست بشرعية، ودعوى انه يصدق عنوان الانقياد على موافقة الأمر المتخيل كما يصدق التجري على مخالفته فيصير الفعل الذي إرتكبه الجاهل حسناً لكونه انقيادا مطلوباً لحسنه أو قبيحاً لكونه تجرياً مكروهاً لقبحه. وعليه فالإتيان بالمأمور به بالأمر التخيلي يكون مأموراً به شرعاً فكيف يدعي عدم الأمر الشرعي فاسدة لأنه وان سلمنا وجود الأمر إلًا أنه أمر بشي‌ء لا علاقة له بالواقع فان عنوان الانقياد أو التجري عنوان آخر غير العنوان المأمور به الواقعي بل هو أمر بشي‌ء متقوم بمخالفة الواقع فان الانقياد عبارة عن إتيان خلاف الواقع بتخيل أنه هو الواقع وهكذا التجري هو الإقدام على الواقع بتخيل أنه ليس بواقع بل قد يقال بامتناع الإجزاء هنا بحيث لو قام الدليل على عدم التكليف في تلك الموارد بعد انكشاف الخلاف لابد من طرحه وإلّا لزم النسخ أو البداء. نعم بالنسبة للنسيان أو الغفلة أو السهو إذا كان لبعض الأجزاء أو الشروط فإن كانت واقعية فما أتى به لم يكن مأموراً به فلا إجزاء له عن الواقع وأما إذا كانت مختصة بحال الذكر كنسيان الأجزاء غير الركنية للصلاة فيكون الأمر متعلقاً بالباقي ويكون من الأمر الاضطراري بدلًا عن الواقع، ومن هذا الباب مسألة القصر والإتمام والجهر والإخفات فان المعروف ان من أتمَّ في موضع القصر جاهلًا أجزءه ويعاقب لو كان مقصراً، وهكذا لو أخفت في موضع الجهر أو بالعكس والمستند في ذلك الروايات المعتبرة في الموضعين ولا يتخيل أنه أمر واقعي أولي كما هو واضح لأن الأمر الأولي الواقعي كان متعلقاً بالمركب التام الأجزاء وهذا