بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 40

فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التقية على انفسكم وأموالكم ومعارفكم وقضاء حقوق إخوانكم، وإن الله يغفر كل ذنب بعد ذلك ولا يستقضي فأما هذان فقلّ من ينجو منهما إلّا بعد مس عذاب شديد).

منهاما في صحيح البخاري عن عائشة، قالت: (إستأذن رجل على رسول الله (ص) وأنا عنده، فقال: بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة، ثم أذن له فألان له القول، فلما خرج قلت يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له القول، فقال: يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه‌). منها ما في حديث أبي الدرداء: (إنا لنكشر في وجوه قوم وأن قلوبنا تتقيهم).

منها ما عن أنس أن رسول الله (ص) قال: (طاعة السلطان واجبه ومن ترك طاعة السلطان دخل في نهيه، إن الله تعالى يقول: [وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]).

منهاما في رواية عبد الله بن الفضل عن أبيه عن موسى (ع) قال: (لولا أني ما سمعت في خبر عن جدي رسول الله (ص) أن طاعة السلطان واجبة للتقية لما أجبت‌) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، ويأتي جملة منها في طي المباحث الآتية إن شاء الله وههنا مطالب:

المطلب الأول: معارضة أدلة التقية بأدلة التكاليف‌

إن جميع هذه الأدلة لسانها لسان الحكومة على سائر الأدلة حتى أدلة الواجبات والمحرمات، فلا يعارض بها شي‌ء منها حتى يعمل قواعد التعارض والترجيح بينها وبين أدلة التقية كما نسب لبعضهم في بعض الموارد.

نعم الأدلة التي وردت في الحث على حسن المعاشرة مع العامة كتشييع جنازتهم وعيادة مرضاهم والأذان لهم ليست لها الحكومة على أدلة الواجبات والمحرمات، فإنها كأدلة سائر المستحبات ذات العناوين الثانوية في عدم حكومتها على أدلة الواجبات والمحرمات.

ومن الغريب من‌الشيخ‌(ره) جَعله حسن المعاشرة من التقية المستحبة مع أن التقية التي قامت الأدلة عليها مأخوذ فيها خوف الضرر، فحسن المعاشرة إن كان لخوف الضرر كان من التقية وكانت أدلته هي الأدلة للتقية وهي حاكمة على الواجبات والمستحبات. وهكذا يظهر لك ما في كلام المرحوم‌الشيخ محمد طه نجف‌حيث ذهب إلى أن التقية مع الأمن التام إنما تجوز بل تستحب في المعاشرات كعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم ونحو ذلك دون المحرمات الذاتية كشرب النبيذ ووطي‌ء المملوك والإفطار في شهر


صفحه 41

رمضان والإفتاء بالباطل ونحو ذلك، فإن التقية فيها إنما تجوز مع خوف الضرر الموجب لها مع عدم المندوحة وتعذر التفصّي عن المحرم إلّا بالتقية، فهي حينئذ قسمان:

أما الأول:فالحجة عليه إطلاق النصوص وصريح بعضها.

وأما الثاني‌: فلإطلاق أدلة التحريم في المحرمات الذاتية مع الإجماع على أن المحرمات الشرعية لا تخرج عن حكم التحريم إلّا عند الاضطرار الفعلي. ووجه الفساد فيه:

أولًا:إن أدلة حسن المعاشرة غير أدلة التقية، لأن التقية مأخوذ في أدلتها خوف الضرر.

ثانياً:إن أدلة التقية حاكمة على أدلة المحرمات ولا يجوز الخروج من مقتضى أدلتها وهو الوجوب إلّا بدليل خاص كما سيجي‌ء إن شاء الله في مبحث ما استثني من التقية غير الواجبة.

المطلب الثاني: ما يستدل به على عدم وجوب التقية

لا يخفى إن صريح هذه الأخبار كظاهر كلمات الأصحاب وجوب التقية مع خوف الضرر على النحو السابق، وإن تركها معصية بل ظاهر بعض الأخبار السابقة إن تركها من أعظم الكبائر الموبقات التي لا تغفر لصاحبها. والسر في ذلك ظاهر بالنسبة إلى ما


صفحه 42

يترتب على ذلك من سفك الدماء وقتل النفوس وإنتهاك العرض وهتك حرمة الأئمة () بل ربما يكون ذلك سبباً لجرأة بعض المخالفين على سب الأئمة ()، وربما يتخيل متخيل عدم وجوبها نظراً إلى أن جملة من أساطين المؤمنين ما كانوا يتقون كما يرشد إلى ذلك النظر في أحوال سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ومالك الأشتر ومالك بن نويرة وسعد بن عبادة وكذا جملة من أصحاب الأئمة وأولادهم كزيد بن علي بن الحسين وميثم التمار وقنبر مع أن الأئمة ترحموا عليهم ولم يزروا عليهم بذلك، وربما يؤيد ذلك بما اتفق لأمير المؤمنين (ع) والزهراء من الخطب والمواعظ وبيان الحق، وكذلك الحسن والحسين () ما اتقيا من معاوية ويزيد، وكذا أصحابهم وأنصارهم كما لا يخفى على المتتبع السير والقصص، وما اتفق لأمير المؤمنين وأصحابه وأنصاره وشيعته مع معاوية من الكلام الخشن الغليظ وبيان الحق بالبراهين والأدلة.

ويمكن الجواب عن جميع ذلك:

أولًا:إنه لا حجة في فعل غير المعصوم فلا يعارض الأخبار الصحيحة الصريحة المتظافرة المتواترة الدالة على الوجوب. وترحم الأئمة على من قتل أو أوذي بسبب ترك التقية وعدم الإزراء به لا يدل على عدم الوجوب، بل العاصي والتارك للواجب هو الأولى بالترحم والاستغفار كما لا يخفى.

ثانياً:فإن التقية صاحبها أعرف بها ولعل من ترك التقية ممن ذكر كان له وثوق بعدم وصول الضرر إليه أو إلى أحد من إخوانه‌


صفحه 43

بذلك فيكون فعلهم صحيحاً باعتقادهم وإن اتفق ما اتفق ومن ذلك يعرف الجواب عما اتفق لبعض الأئمة () فإن الإمام أعرف بتكليفه وأعرف بالأحكام من غيره.

ثالثاً:إن الظاهر من سيرة المتدينين وعمل الأئمة () هو رجحان ترك التقية فيما إذا توقف إظهار الحق ومعرفته وإعلاء الكلمة وبطلان مذهب المخالفين على ذلك. وهذا هو العذر لهم في كتابة الكتب وإقامة الأدلة والبراهين على إثبات مذهب الحق المبين وإعلاء كلمة الدين وتشيد أركان دولة المسلمين وإبطال مذهب المخالفين وذكر المطاعن والمثالب للخارجين والمارقين كما فعل ذلك جملة من أساطين العلماء وزعماء الأمة الصالحين والاتقياء، ويرشد إلى ذلك فعل جملة من الأئمة () ذلك في مقام يستلزم التقية فيه خفاء المذهب كما علل لذلك مقاتلة الإمام الحسين (ع) لأئمة الجور وعدم البيعة والمصالحة لهم كما فعل ذلك أخوه الأمام الحسن بل أمير المؤمنين، ويدل على ذلك الحديث الشريف عن النبي (ص) من الثناء على الذي قتله مسيلمة الكذاب حيث لم يتق منه، وقد تقدم نقله عند تقسيم التقية في صدر البحث، ولعل منه مدح الله تعالى السحرة الذين لم يتقوا من فرعون، ويدل عليه أيضاً ما عن تفسير الإمام (ع) في خبر طويل يذكر فيه (م‌القي سلمان الفارسي من اليهود من ضربه بالسياط ليكفر بمحمد (ص) فلم يفعل ذلك فقالوا له: أليس محمد قد رخص لك أن تقول من الكفر


صفحه 44

به للتقية من أعدائك؟ فما لك لا تقول؟ ما نقترح عليك للتقية، فقال سلمان: إن الله قد رخص لي ذلك ولم يفرضه علَّي، بل أجاز لي أن لا أعطيكم ما تريدون واحتمل المكاره وجعله أفضل المنزلتين وأنا لا أختار غيره‌). وقد روى العامة والخاصة (أن ياسر وأبنه عمار وإمرأته سمية قبضهم أهل مكة وعذبوهم أشد العذاب‌من‌أجل إسلامهم وقالوا: لا ننجيكم منا إلّا أن تتبرءوا من دين محمد(ص)وتنالوا منه، فأما عمار فأعطاهم بلسانه كما أرادوه منه، وأما أبواه فامتنعا فقتلا، فقال جماعة: إن عمار كفر، فقال رسول الله‌(ص): كلا إن عمار ملي‌ء إيماناً من قرنه إلى قدمه، وجاء عمار يبكي فقال له رسول الله‌(ص):ما خبرك فقال:م‌اتركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فصار رسول الله‌(ص)يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعدلهم بما قلت‌) ويرشد لذلك أيضاً موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (ع) قال فيها: قال (ع): (وتفسير (ما يتقي) مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شي‌ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز).

إن قلت إن هذه الرواية تدل على حرمة التقية فيما يفسد الدين فلا يجوز لسلمان (ره) ما نقلتم عنه ولا يجوز لعمار ذلك.

قلنا إن هذه الرواية ناظرة إلى بيان أن العمل الذي يتقى به لا يبلغ فساد الدين كأن شخص يتقي من المخالف بإظهار الموافقة له،


صفحه 45

لأنه يتجاوز الحد فيأخذ في إقامة البراهين على صحة مذهب المخالف له وفساد ما يعتقده هو.

المطلب الثالث: وجوب التقية على كل أحد في كل وقت‌

قال بعض المحققين: إن الظاهر من إطلاق الأدلة الدالة على وجوب التقية إجراء حكمها بالنسبة إلى سائر الأشخاص في سائر الأزمان بعد تحقق موضوعها حتى بالنسبة إلى الأنبياء، إذ الأدلة العقلية والنقلية من كتاب وسنة جارية في ذلك، والتزام وجوب إظهار الأحكام الواقعية على النبي (ص) في مقام التقية، وأنه يجب على الله رفع الأذى عنه كما يرشد إليه قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‌]. بعد تسليم تماميته خروج عن البحث وعن موضوع المسألة على أن في سائر أفعاله من مداراة المنافقين والكفار والمشركين كفاية في ذلك، ولو حصل الأمن في بعض المقامات من الضرر بسبب من الأسباب وجب على كل أحد عدم التقية نبياً كان أو غيره.

ويدل على ذلك مضافاً إلى ما تقدم ما رواه الصدوق في‌معاني الأخباربإسناده عن سفيان بن سعيد قال: سمعت أبا عبد الله (ع) جعفر بن محمد الصادق (ع) يقول: (عليك بالتقية


صفحه 46

فإنها سنة إبراهيم الخليل‌(ع)إلى أن قال‌: وإن رسول الله‌(ص)كان إذا أراد سفراً دارى بعيره وقال‌(ص):أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ولقد أدبه الله تعالى (عز و جل) بالتقية، فقال: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‌])، وفي الكافي عن الصادق (ع) في قوله تعالى: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‌] قال: (التي هي أحسن التقية) وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): (التقية من دين الله، قلت: من دين الله، قال: أي والله من دين الله ولقد قال يوسف: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ‌] والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: [إِنِّي سَقِيمٌ‌] والله ما كان سقيماً).

أقول: لعل استشهاده (ع) بالآية الأولى على التقية باعتبار أنه كان الإظهار لخلاف الواقع لتحصيل غرضه خوفاً من الملك لو أراد تحصيل غرضه بدون ذلك الإظهار. ونسبة القول إلى يوسف مع أن القائل غيره باعتبار أنه أمر به والفعل ينسب إلى الآمر كما ينسب إلى الفاعل ولعل الاستشهاد بالآية الثانية أن إبراهيم (ع) أراد بسقمه حزن القلب وكآبته من عناد القوم وعبادتهم للأصنام تورية، وأنه كان مبغضاً للخروج معهم ولمصاحبتهم فلم يظهر ذلك لهم خوفاً وتقية وتمسك بالتورية المذكورة. وروى الصدوق (ره) في‌العلل‌عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (لا خير


صفحه 47

فيمن لا تقية له، ولقد قال يوسف: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ‌] وما سرقوا). وفي الكافي بسنده عن الحسين بن الحسن قال: سمعت جعفراً (ع) يقول: جاء جبرائيل (ع) إلى النبي (ص) فقال: (يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك دارِ خلقي‌) وفي الكافي بسنده عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر (ع) قال: في التوراة مكتوب فيما ناجي الله تعالى به موسى: (يا موسى أكتم مكتوم سري في سريرتك وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوك وعدوي من خلقي، ولا تستسب لي عندهم بإظهار مكتوم سري فتشرك عدوك وعدوي في سبي‌) وفي الكافي بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال: (قال رسول الله‌(ص):أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض‌). وفي الكافي بسنده عن مسعد بن صدقه عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله‌(ص):مداراة الناس نصف الإيمان‌). وعن‌عيون أخبار الرضابسنده عن الحارث بن الدلهان مولى الرضا (ع) قال: سمعت أبا الحسن يقول: (لا يكون المؤمن مؤمناً حقاً حتى يكون فيه ثلاث خصال سنة من ربه وسنة من نبيه وسنة من وليه، فالسنة من ربه كتمان سره، قال الله (عز و جل):عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى‌.

وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن الله (عز و جل) أمر نبيه (ص) بمداراة الناس، قال: [خُذِ الْعَفْوَ]، وأما السنة من وليه فالصبر

على البأساء والضراء فإن الله (عز و جل) يقول: [وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ].