بذلك فيكون فعلهم صحيحاً باعتقادهم وإن اتفق ما اتفق ومن ذلك يعرف الجواب عما اتفق لبعض الأئمة () فإن الإمام أعرف بتكليفه وأعرف بالأحكام من غيره.
ثالثاً:إن الظاهر من سيرة المتدينين وعمل الأئمة () هو رجحان ترك التقية فيما إذا توقف إظهار الحق ومعرفته وإعلاء الكلمة وبطلان مذهب المخالفين على ذلك. وهذا هو العذر لهم في كتابة الكتب وإقامة الأدلة والبراهين على إثبات مذهب الحق المبين وإعلاء كلمة الدين وتشيد أركان دولة المسلمين وإبطال مذهب المخالفين وذكر المطاعن والمثالب للخارجين والمارقين كما فعل ذلك جملة من أساطين العلماء وزعماء الأمة الصالحين والاتقياء، ويرشد إلى ذلك فعل جملة من الأئمة () ذلك في مقام يستلزم التقية فيه خفاء المذهب كما علل لذلك مقاتلة الإمام الحسين (ع) لأئمة الجور وعدم البيعة والمصالحة لهم كما فعل ذلك أخوه الأمام الحسن بل أمير المؤمنين، ويدل على ذلك الحديث الشريف عن النبي (ص) من الثناء على الذي قتله مسيلمة الكذاب حيث لم يتق منه، وقد تقدم نقله عند تقسيم التقية في صدر البحث، ولعل منه مدح الله تعالى السحرة الذين لم يتقوا من فرعون، ويدل عليه أيضاً ما عن تفسير الإمام (ع) في خبر طويل يذكر فيه (مالقي سلمان الفارسي من اليهود من ضربه بالسياط ليكفر بمحمد (ص) فلم يفعل ذلك فقالوا له: أليس محمد قد رخص لك أن تقول من الكفر
به للتقية من أعدائك؟ فما لك لا تقول؟ ما نقترح عليك للتقية، فقال سلمان: إن الله قد رخص لي ذلك ولم يفرضه علَّي، بل أجاز لي أن لا أعطيكم ما تريدون واحتمل المكاره وجعله أفضل المنزلتين وأنا لا أختار غيره). وقد روى العامة والخاصة (أن ياسر وأبنه عمار وإمرأته سمية قبضهم أهل مكة وعذبوهم أشد العذابمنأجل إسلامهم وقالوا: لا ننجيكم منا إلّا أن تتبرءوا من دين محمد(ص)وتنالوا منه، فأما عمار فأعطاهم بلسانه كما أرادوه منه، وأما أبواه فامتنعا فقتلا، فقال جماعة: إن عمار كفر، فقال رسول الله(ص): كلا إن عمار مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه، وجاء عمار يبكي فقال له رسول الله(ص):ما خبرك فقال:ماتركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فصار رسول الله(ص)يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعدلهم بما قلت) ويرشد لذلك أيضاً موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (ع) قال فيها: قال (ع): (وتفسير (ما يتقي) مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز).
إن قلت إن هذه الرواية تدل على حرمة التقية فيما يفسد الدين فلا يجوز لسلمان (ره) ما نقلتم عنه ولا يجوز لعمار ذلك.
قلنا إن هذه الرواية ناظرة إلى بيان أن العمل الذي يتقى به لا يبلغ فساد الدين كأن شخص يتقي من المخالف بإظهار الموافقة له،
لأنه يتجاوز الحد فيأخذ في إقامة البراهين على صحة مذهب المخالف له وفساد ما يعتقده هو.
المطلب الثالث: وجوب التقية على كل أحد في كل وقت
قال بعض المحققين: إن الظاهر من إطلاق الأدلة الدالة على وجوب التقية إجراء حكمها بالنسبة إلى سائر الأشخاص في سائر الأزمان بعد تحقق موضوعها حتى بالنسبة إلى الأنبياء، إذ الأدلة العقلية والنقلية من كتاب وسنة جارية في ذلك، والتزام وجوب إظهار الأحكام الواقعية على النبي (ص) في مقام التقية، وأنه يجب على الله رفع الأذى عنه كما يرشد إليه قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ]. بعد تسليم تماميته خروج عن البحث وعن موضوع المسألة على أن في سائر أفعاله من مداراة المنافقين والكفار والمشركين كفاية في ذلك، ولو حصل الأمن في بعض المقامات من الضرر بسبب من الأسباب وجب على كل أحد عدم التقية نبياً كان أو غيره.
ويدل على ذلك مضافاً إلى ما تقدم ما رواه الصدوق فيمعاني الأخباربإسناده عن سفيان بن سعيد قال: سمعت أبا عبد الله (ع) جعفر بن محمد الصادق (ع) يقول: (عليك بالتقية
فإنها سنة إبراهيم الخليل(ع)إلى أن قال: وإن رسول الله(ص)كان إذا أراد سفراً دارى بعيره وقال(ص):أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ولقد أدبه الله تعالى (عز و جل) بالتقية، فقال: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ])، وفي الكافي عن الصادق (ع) في قوله تعالى: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] قال: (التي هي أحسن التقية) وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): (التقية من دين الله، قلت: من دين الله، قال: أي والله من دين الله ولقد قال يوسف: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: [إِنِّي سَقِيمٌ] والله ما كان سقيماً).
أقول: لعل استشهاده (ع) بالآية الأولى على التقية باعتبار أنه كان الإظهار لخلاف الواقع لتحصيل غرضه خوفاً من الملك لو أراد تحصيل غرضه بدون ذلك الإظهار. ونسبة القول إلى يوسف مع أن القائل غيره باعتبار أنه أمر به والفعل ينسب إلى الآمر كما ينسب إلى الفاعل ولعل الاستشهاد بالآية الثانية أن إبراهيم (ع) أراد بسقمه حزن القلب وكآبته من عناد القوم وعبادتهم للأصنام تورية، وأنه كان مبغضاً للخروج معهم ولمصاحبتهم فلم يظهر ذلك لهم خوفاً وتقية وتمسك بالتورية المذكورة. وروى الصدوق (ره) فيالعللعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (لا خير
فيمن لا تقية له، ولقد قال يوسف: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] وما سرقوا). وفي الكافي بسنده عن الحسين بن الحسن قال: سمعت جعفراً (ع) يقول: جاء جبرائيل (ع) إلى النبي (ص) فقال: (يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك دارِ خلقي) وفي الكافي بسنده عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر (ع) قال: في التوراة مكتوب فيما ناجي الله تعالى به موسى: (يا موسى أكتم مكتوم سري في سريرتك وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوك وعدوي من خلقي، ولا تستسب لي عندهم بإظهار مكتوم سري فتشرك عدوك وعدوي في سبي) وفي الكافي بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال: (قال رسول الله(ص):أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض). وفي الكافي بسنده عن مسعد بن صدقه عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله(ص):مداراة الناس نصف الإيمان). وعنعيون أخبار الرضابسنده عن الحارث بن الدلهان مولى الرضا (ع) قال: سمعت أبا الحسن يقول: (لا يكون المؤمن مؤمناً حقاً حتى يكون فيه ثلاث خصال سنة من ربه وسنة من نبيه وسنة من وليه، فالسنة من ربه كتمان سره، قال الله (عز و جل):عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى.
وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن الله (عز و جل) أمر نبيه (ص) بمداراة الناس، قال: [خُذِ الْعَفْوَ]، وأما السنة من وليه فالصبر
على البأساء والضراء فإن الله (عز و جل) يقول: [وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ].
المطلب الرابع: اعتبار الخوف من الضرر في التقية
إن المعتبر في التقية خوف الضرر ومع عدمه لا تجب وذلك لأخذه في معناها اللغوي كما تقدم في صدر المبحث، وهذا كاف في المقام مضافاً إلى المحكي عنالمحاسنعن حماد بن عيسى عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي وعدة قالوا: سمعنا أبا جعفر (ع) يقول: (التقية في كل شيء وكل شيء اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله). وعنالمحاسنأيضاً عن ابن بزيع عن ابن مسكان عن عمر بن يحيى بن سالم عن أبي جعفر (ع) قال: (التقية في كل ضرورة). وعنالمحاسنأيضاً عن يحيى الحلبي عن معمر مثله. وعن ابن أبي عمير عن حماد عن عثمان عن الحرث بن المغيرة مثله. وفي المحكي عنالكافيعن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سالم ومحمد بن مسلم وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر يقول: (التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له) وفي رواية معمر بن يحيى في تخليص الأموال من العشار (إنه كلما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية) ووجه الاستدلال بها أنها تنعكس بعكس النقيض إلى أن كل ما يضطر إليه ابن آدم لا تقية فيه، وإن كل ما ليس ضرورة فيه فليس تقية.
ولا يخفى ما فيه فإنه نظير قولنا (الحيوانية في كل إنسان) فإن المراد منه إن هذه الطبيعة توجد في هذه الأشياء فهي ليست بقضية محصورة كلية موجبة. نعم لو كانت الرواية كل تقية في كل ما يضطر إليه صح ما ذكر إلّا اللهم أن يقال إنها في مقام ضرب القاعدة وتحديد الموضوع، ويدل على ذلك أيضاً ما في المحكي عنقرب الإسنادعن ابن سعد عن الأزدي عن أبي عبد الله (ع) قال: (التقية ترس المؤمن ولا إيمان لمن لا تقية له فقلت جعلت فداك أرأيت قوله تعالى: [إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ]، قال (ع): وهل التقية إلّا هذا). ويستفاد ذلك أيضاً مما في خبر الأعمش من قول الصادق (ع): (ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه).
إن قلت قد روي في الصحيح من الأخبار (أن التقية في كل شيء إلّا في شرب النبيذ والمسح على الخفين ومتعة الحج). فلو كانت أخبار التقية مقيدة بالاضطرار لزم أن يكون المستثنى منه هو الشيء المضطر إليه، فيلزم أن يكون الاستثناء غير صحيح لأن شرب النبيذ إذا اضطر إليه صار حلالًا ووجبت التقية فيه.
قلت إن المخصص للخبر المذكور بالاضطرار أمر منفصل والمخصص المنفصل لا يوجب تعنون العام بعنوان المخصص المنفصل فيكون الكلام نظير أن يقال التقية في كل شيء إلّا ما لم يضطر إليه وإلّا شرب النبيذ.
ويبقى الكلام في صحة استثناء النبيذ وباقي المذكورات وتوجيهه وسيجيء إن شاء الله أو يقال إن هذا الاستثناء من جهة عدم الاضطرار إلى شرب النبيذ تقية لفتواهم بحرمة شربه فيكون استثناء تلك الأمور الثلاثة من كل شيء لعدم تحقق التقية فيها من جهة عدم تحقق الاضطرار إليها على وجه التقية.
إن قلت في المحكي عنالأماليبسنده عن الصادق (ع) إنه قال: (عليكم بالتقية فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره). فإن جعل التقية شعاره ينافي اعتبار التقية حال الاضطرار، وعنكتاب التقية للعياشيأن الصادق (ع) قال: (لا دين لمن لا تقية له وإن التقية لأوسع ما بين السماء والأرض) وعنرسالة المحكم والمتشابه للمرتضى(ره) عن أمير المؤمنين (ع): (أن التقية منّة من الله على عباده وسّع لهم فيها).
قلت الظاهر أن المراد بالتقية في الخبر الأول ليس هو العمل المخالف للواقع وإلّا فلازم ذلك أن يكون كل واحد حتى في مأمنه يعمل على طبق قول المخالف فيتوضأ منكوساً دائماً ويصلي متكتفاً كذلك، وهذا لا يقول به أحد فلا يحمل الخبر عليه وإنما المراد بها هو عدم السب واللعن والقذف والاستهزاء وغيرها مما يوجب الحزازات والعداوات وغيض النفوس، وهذا لا كلام لنا فيه وإنما كلامنا في صحة إتيان الأعمال مخالفة للواقع مع المندوبة وعدم الضرورة. وأما الخبر الثاني فالظاهر أن المراد بالسعة هي رفع الضيق الذي حصل من