فإنها سنة إبراهيم الخليل(ع)إلى أن قال: وإن رسول الله(ص)كان إذا أراد سفراً دارى بعيره وقال(ص):أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ولقد أدبه الله تعالى (عز و جل) بالتقية، فقال: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ])، وفي الكافي عن الصادق (ع) في قوله تعالى: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] قال: (التي هي أحسن التقية) وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): (التقية من دين الله، قلت: من دين الله، قال: أي والله من دين الله ولقد قال يوسف: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: [إِنِّي سَقِيمٌ] والله ما كان سقيماً).
أقول: لعل استشهاده (ع) بالآية الأولى على التقية باعتبار أنه كان الإظهار لخلاف الواقع لتحصيل غرضه خوفاً من الملك لو أراد تحصيل غرضه بدون ذلك الإظهار. ونسبة القول إلى يوسف مع أن القائل غيره باعتبار أنه أمر به والفعل ينسب إلى الآمر كما ينسب إلى الفاعل ولعل الاستشهاد بالآية الثانية أن إبراهيم (ع) أراد بسقمه حزن القلب وكآبته من عناد القوم وعبادتهم للأصنام تورية، وأنه كان مبغضاً للخروج معهم ولمصاحبتهم فلم يظهر ذلك لهم خوفاً وتقية وتمسك بالتورية المذكورة. وروى الصدوق (ره) فيالعللعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (لا خير
فيمن لا تقية له، ولقد قال يوسف: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] وما سرقوا). وفي الكافي بسنده عن الحسين بن الحسن قال: سمعت جعفراً (ع) يقول: جاء جبرائيل (ع) إلى النبي (ص) فقال: (يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك دارِ خلقي) وفي الكافي بسنده عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر (ع) قال: في التوراة مكتوب فيما ناجي الله تعالى به موسى: (يا موسى أكتم مكتوم سري في سريرتك وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوك وعدوي من خلقي، ولا تستسب لي عندهم بإظهار مكتوم سري فتشرك عدوك وعدوي في سبي) وفي الكافي بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال: (قال رسول الله(ص):أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض). وفي الكافي بسنده عن مسعد بن صدقه عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله(ص):مداراة الناس نصف الإيمان). وعنعيون أخبار الرضابسنده عن الحارث بن الدلهان مولى الرضا (ع) قال: سمعت أبا الحسن يقول: (لا يكون المؤمن مؤمناً حقاً حتى يكون فيه ثلاث خصال سنة من ربه وسنة من نبيه وسنة من وليه، فالسنة من ربه كتمان سره، قال الله (عز و جل):عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى.
وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن الله (عز و جل) أمر نبيه (ص) بمداراة الناس، قال: [خُذِ الْعَفْوَ]، وأما السنة من وليه فالصبر
على البأساء والضراء فإن الله (عز و جل) يقول: [وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ].
المطلب الرابع: اعتبار الخوف من الضرر في التقية
إن المعتبر في التقية خوف الضرر ومع عدمه لا تجب وذلك لأخذه في معناها اللغوي كما تقدم في صدر المبحث، وهذا كاف في المقام مضافاً إلى المحكي عنالمحاسنعن حماد بن عيسى عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي وعدة قالوا: سمعنا أبا جعفر (ع) يقول: (التقية في كل شيء وكل شيء اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله). وعنالمحاسنأيضاً عن ابن بزيع عن ابن مسكان عن عمر بن يحيى بن سالم عن أبي جعفر (ع) قال: (التقية في كل ضرورة). وعنالمحاسنأيضاً عن يحيى الحلبي عن معمر مثله. وعن ابن أبي عمير عن حماد عن عثمان عن الحرث بن المغيرة مثله. وفي المحكي عنالكافيعن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سالم ومحمد بن مسلم وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر يقول: (التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له) وفي رواية معمر بن يحيى في تخليص الأموال من العشار (إنه كلما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية) ووجه الاستدلال بها أنها تنعكس بعكس النقيض إلى أن كل ما يضطر إليه ابن آدم لا تقية فيه، وإن كل ما ليس ضرورة فيه فليس تقية.
ولا يخفى ما فيه فإنه نظير قولنا (الحيوانية في كل إنسان) فإن المراد منه إن هذه الطبيعة توجد في هذه الأشياء فهي ليست بقضية محصورة كلية موجبة. نعم لو كانت الرواية كل تقية في كل ما يضطر إليه صح ما ذكر إلّا اللهم أن يقال إنها في مقام ضرب القاعدة وتحديد الموضوع، ويدل على ذلك أيضاً ما في المحكي عنقرب الإسنادعن ابن سعد عن الأزدي عن أبي عبد الله (ع) قال: (التقية ترس المؤمن ولا إيمان لمن لا تقية له فقلت جعلت فداك أرأيت قوله تعالى: [إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ]، قال (ع): وهل التقية إلّا هذا). ويستفاد ذلك أيضاً مما في خبر الأعمش من قول الصادق (ع): (ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه).
إن قلت قد روي في الصحيح من الأخبار (أن التقية في كل شيء إلّا في شرب النبيذ والمسح على الخفين ومتعة الحج). فلو كانت أخبار التقية مقيدة بالاضطرار لزم أن يكون المستثنى منه هو الشيء المضطر إليه، فيلزم أن يكون الاستثناء غير صحيح لأن شرب النبيذ إذا اضطر إليه صار حلالًا ووجبت التقية فيه.
قلت إن المخصص للخبر المذكور بالاضطرار أمر منفصل والمخصص المنفصل لا يوجب تعنون العام بعنوان المخصص المنفصل فيكون الكلام نظير أن يقال التقية في كل شيء إلّا ما لم يضطر إليه وإلّا شرب النبيذ.
ويبقى الكلام في صحة استثناء النبيذ وباقي المذكورات وتوجيهه وسيجيء إن شاء الله أو يقال إن هذا الاستثناء من جهة عدم الاضطرار إلى شرب النبيذ تقية لفتواهم بحرمة شربه فيكون استثناء تلك الأمور الثلاثة من كل شيء لعدم تحقق التقية فيها من جهة عدم تحقق الاضطرار إليها على وجه التقية.
إن قلت في المحكي عنالأماليبسنده عن الصادق (ع) إنه قال: (عليكم بالتقية فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره). فإن جعل التقية شعاره ينافي اعتبار التقية حال الاضطرار، وعنكتاب التقية للعياشيأن الصادق (ع) قال: (لا دين لمن لا تقية له وإن التقية لأوسع ما بين السماء والأرض) وعنرسالة المحكم والمتشابه للمرتضى(ره) عن أمير المؤمنين (ع): (أن التقية منّة من الله على عباده وسّع لهم فيها).
قلت الظاهر أن المراد بالتقية في الخبر الأول ليس هو العمل المخالف للواقع وإلّا فلازم ذلك أن يكون كل واحد حتى في مأمنه يعمل على طبق قول المخالف فيتوضأ منكوساً دائماً ويصلي متكتفاً كذلك، وهذا لا يقول به أحد فلا يحمل الخبر عليه وإنما المراد بها هو عدم السب واللعن والقذف والاستهزاء وغيرها مما يوجب الحزازات والعداوات وغيض النفوس، وهذا لا كلام لنا فيه وإنما كلامنا في صحة إتيان الأعمال مخالفة للواقع مع المندوبة وعدم الضرورة. وأما الخبر الثاني فالظاهر أن المراد بالسعة هي رفع الضيق الذي حصل من
الضرورة لمخالفة الواقع فإنه لولا التقية لكان الواجب علينا أن نصبر على ما ينالنا من الأعداء عند إظهار الحق.
إن قلت إن بعض محشي العروة ذكر إن قوله (ع): (التقية في كل ضرورة) غير ظاهر في اختصاص التقية بحال الضرورة إلّا بناءً على حجية مفهوم اللقب وهي غير ثابتة.
قلنا قد عرفت إنه إنما يتمسك بذلك من جهة القاعدة المنطقية فإن ظاهر (أل) في التقية هو الاستغراق لأن حمله على بعض الأفراد دون بعض ترجيح بلا مرجح، فيكون المعنى كل تقية في ضرورة، والموجبة الكلية تنعكس بعكس النقيض إلى كلية موجبة فتنعكس القضية المذكورة إلى كل ما ليس بضرورة ليس بتقية. أما ابتناء الاستدلال على حجية مفهوم اللقب فلا وجه له لأن مفهوم اللقب إنما يخص الموضوعات، والموضوع هو التقية فمفهوم اللقب في تلك القضية هو أن كل ما ليس بتقية ليس في ضرورة وهو أجنبي عما نحن فيه، لأن ما نحن فيه هو إثبات أن التقية توجد في غير الضرورة والمفهوم المذكور أجنبي عنه. ثم إن المعتبر في التقية ليس خصوص الخوف على نفسه فقط بل يكفي في التقية خوف الضرر على نفسه أو ماله أو جاهه أو على بعض إخوانه المؤمنين لما عرفت في الأدلة عليها من أن الحكمة في وجوبها ليس دفع الضرر بالنسبة إلى المتقي فقط بل بالنسبة سائر إخوانه في الدين، فلو كان لبعض البلدان شوكة وسلطة للمؤمنين ولم يخافوا الضرر من المخالفين فيها إذا لم يتقوا لاطمئنانهم من عروض
الضرر لهم منهم، ولكنهم يخافون الضرر على غيرهم من المؤمنين في غير بلدانهم إذا لم يتقوا وجب عليهم التقية لا سيما إذا عرف من عدم اتقائهم أن ذلك مذهب المؤمنين وشعاراً لهم.
ويدل على ذلك ما رواه الصدوق فيالخصال عن الأعمشعن الصادق (ع) في حديث قال فيه: (ولا يحل قتل الكفار والنصّاب في التقية إلّا قاتل أو ساعي في فساد، وذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك)، وعن تفسير العسكري (ع) أو ساعي في فساد وذلك إذا لم
قال: قال أمير المؤمنين (ع): (التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين) قال: وقال الحسن بن علي (ع): (إن التقية يصلح الله بها أمة لصاحبها مثل ثواب أعمالهم وإن تركها أهلك أمة تاركها شريك من أهلكهم قال: وقال جعفر بن محمد الصادق(ع):استعمال التقية لصيانة الإخوان) وعن تفسير الإمام (ع) قال رسول الله (ص): (ولو شاء لحرم عليكم التقية وأمركم بالصبر على ما ينالكم من أعدائكم عند إظهاركم الحق ألا فأعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التقية على أنفسكم وإخوانكم ومعارفكم). ثم إن المعتبر في التقية ليس هو خوف الضرر الفعلي بل يكفي خوف الضرر مطلقاً سواء كان الضرر الذي يخاف منه فعلياً أو في المستقبل وسواء كان في بلده أو في بلد آخر بل يكفي في وجوب التقية الخوف من وقوع الضرر في جميع الأزمنة والأمكنة إلى قيام قائم آل محمد (عجل الله فرجه وسهل مخرجه) روحي فداه.
ويدل على ذلك مضافاً إلى مل تقدم ما رواه الكليني فيالكافي والبرقي في المحاسنعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: (كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية) وما رواه الطبرسي والصدوق وعلي بن محمد الحزاز فيالكفايةعن الرضا (ع) في حديث قال فيه: (لا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، قيل: يا بن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم صلوات الله عليه، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا). وفي تفسير العياشي عن المفضل عن الصادق (ع) في حديث قال فيه: (وسألته عن قوله: [فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ] قال: رفع التقية عند الكشف فأنتقم من أعداء الله) وعن كتابالاحتجاجبإسناده إلى الحسن العسكري (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) قال (ع): (وإن أنت تبرأ منا بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التي بها قوامها ومالها الذي به قيامها وجاهها الذي تماسكها وتصون من عُرِف بذلك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا وأخواتنا من بعد ذلك بشهور أو سنين إلى أن تنفرج الكربة وتزول تلك النقمة فإن ذلك أفضل من أن تتعرض لهلاك وتنقطع عن عمل في الدين وصلاح إخوانك المؤمنين وإياك ثم إياك أن تتعرض للهلاك وأن تترك تلك التقية التي أمرتك بها).
ثم إن مشروعية التقية هل هي مختصة بما يوجب ظهور المخالفة في المذهب بحيث تكون غير مشروعة فيما علم بالمخالفة في المذهب؟