ويبقى الكلام في صحة استثناء النبيذ وباقي المذكورات وتوجيهه وسيجيء إن شاء الله أو يقال إن هذا الاستثناء من جهة عدم الاضطرار إلى شرب النبيذ تقية لفتواهم بحرمة شربه فيكون استثناء تلك الأمور الثلاثة من كل شيء لعدم تحقق التقية فيها من جهة عدم تحقق الاضطرار إليها على وجه التقية.
إن قلت في المحكي عنالأماليبسنده عن الصادق (ع) إنه قال: (عليكم بالتقية فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره). فإن جعل التقية شعاره ينافي اعتبار التقية حال الاضطرار، وعنكتاب التقية للعياشيأن الصادق (ع) قال: (لا دين لمن لا تقية له وإن التقية لأوسع ما بين السماء والأرض) وعنرسالة المحكم والمتشابه للمرتضى(ره) عن أمير المؤمنين (ع): (أن التقية منّة من الله على عباده وسّع لهم فيها).
قلت الظاهر أن المراد بالتقية في الخبر الأول ليس هو العمل المخالف للواقع وإلّا فلازم ذلك أن يكون كل واحد حتى في مأمنه يعمل على طبق قول المخالف فيتوضأ منكوساً دائماً ويصلي متكتفاً كذلك، وهذا لا يقول به أحد فلا يحمل الخبر عليه وإنما المراد بها هو عدم السب واللعن والقذف والاستهزاء وغيرها مما يوجب الحزازات والعداوات وغيض النفوس، وهذا لا كلام لنا فيه وإنما كلامنا في صحة إتيان الأعمال مخالفة للواقع مع المندوبة وعدم الضرورة. وأما الخبر الثاني فالظاهر أن المراد بالسعة هي رفع الضيق الذي حصل من
الضرورة لمخالفة الواقع فإنه لولا التقية لكان الواجب علينا أن نصبر على ما ينالنا من الأعداء عند إظهار الحق.
إن قلت إن بعض محشي العروة ذكر إن قوله (ع): (التقية في كل ضرورة) غير ظاهر في اختصاص التقية بحال الضرورة إلّا بناءً على حجية مفهوم اللقب وهي غير ثابتة.
قلنا قد عرفت إنه إنما يتمسك بذلك من جهة القاعدة المنطقية فإن ظاهر (أل) في التقية هو الاستغراق لأن حمله على بعض الأفراد دون بعض ترجيح بلا مرجح، فيكون المعنى كل تقية في ضرورة، والموجبة الكلية تنعكس بعكس النقيض إلى كلية موجبة فتنعكس القضية المذكورة إلى كل ما ليس بضرورة ليس بتقية. أما ابتناء الاستدلال على حجية مفهوم اللقب فلا وجه له لأن مفهوم اللقب إنما يخص الموضوعات، والموضوع هو التقية فمفهوم اللقب في تلك القضية هو أن كل ما ليس بتقية ليس في ضرورة وهو أجنبي عما نحن فيه، لأن ما نحن فيه هو إثبات أن التقية توجد في غير الضرورة والمفهوم المذكور أجنبي عنه. ثم إن المعتبر في التقية ليس خصوص الخوف على نفسه فقط بل يكفي في التقية خوف الضرر على نفسه أو ماله أو جاهه أو على بعض إخوانه المؤمنين لما عرفت في الأدلة عليها من أن الحكمة في وجوبها ليس دفع الضرر بالنسبة إلى المتقي فقط بل بالنسبة سائر إخوانه في الدين، فلو كان لبعض البلدان شوكة وسلطة للمؤمنين ولم يخافوا الضرر من المخالفين فيها إذا لم يتقوا لاطمئنانهم من عروض
الضرر لهم منهم، ولكنهم يخافون الضرر على غيرهم من المؤمنين في غير بلدانهم إذا لم يتقوا وجب عليهم التقية لا سيما إذا عرف من عدم اتقائهم أن ذلك مذهب المؤمنين وشعاراً لهم.
ويدل على ذلك ما رواه الصدوق فيالخصال عن الأعمشعن الصادق (ع) في حديث قال فيه: (ولا يحل قتل الكفار والنصّاب في التقية إلّا قاتل أو ساعي في فساد، وذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك)، وعن تفسير العسكري (ع) أو ساعي في فساد وذلك إذا لم
قال: قال أمير المؤمنين (ع): (التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين) قال: وقال الحسن بن علي (ع): (إن التقية يصلح الله بها أمة لصاحبها مثل ثواب أعمالهم وإن تركها أهلك أمة تاركها شريك من أهلكهم قال: وقال جعفر بن محمد الصادق(ع):استعمال التقية لصيانة الإخوان) وعن تفسير الإمام (ع) قال رسول الله (ص): (ولو شاء لحرم عليكم التقية وأمركم بالصبر على ما ينالكم من أعدائكم عند إظهاركم الحق ألا فأعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التقية على أنفسكم وإخوانكم ومعارفكم). ثم إن المعتبر في التقية ليس هو خوف الضرر الفعلي بل يكفي خوف الضرر مطلقاً سواء كان الضرر الذي يخاف منه فعلياً أو في المستقبل وسواء كان في بلده أو في بلد آخر بل يكفي في وجوب التقية الخوف من وقوع الضرر في جميع الأزمنة والأمكنة إلى قيام قائم آل محمد (عجل الله فرجه وسهل مخرجه) روحي فداه.
ويدل على ذلك مضافاً إلى مل تقدم ما رواه الكليني فيالكافي والبرقي في المحاسنعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: (كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية) وما رواه الطبرسي والصدوق وعلي بن محمد الحزاز فيالكفايةعن الرضا (ع) في حديث قال فيه: (لا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، قيل: يا بن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم صلوات الله عليه، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا). وفي تفسير العياشي عن المفضل عن الصادق (ع) في حديث قال فيه: (وسألته عن قوله: [فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ] قال: رفع التقية عند الكشف فأنتقم من أعداء الله) وعن كتابالاحتجاجبإسناده إلى الحسن العسكري (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) قال (ع): (وإن أنت تبرأ منا بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التي بها قوامها ومالها الذي به قيامها وجاهها الذي تماسكها وتصون من عُرِف بذلك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا وأخواتنا من بعد ذلك بشهور أو سنين إلى أن تنفرج الكربة وتزول تلك النقمة فإن ذلك أفضل من أن تتعرض لهلاك وتنقطع عن عمل في الدين وصلاح إخوانك المؤمنين وإياك ثم إياك أن تتعرض للهلاك وأن تترك تلك التقية التي أمرتك بها).
ثم إن مشروعية التقية هل هي مختصة بما يوجب ظهور المخالفة في المذهب بحيث تكون غير مشروعة فيما علم بالمخالفة في المذهب؟
كما لو علم بأنه شيعي وأتى بالعمل على طبق معتقد المخالف خوفاً من غضاضته وأذاه أم غير مختص مشروعيتها بذلك بل تعم مطلق ما يوجب أذاهم سواء كان عن غضاضتهم أو عن إرادتهم النهي عن المنكر باعتقادهم أو نحو ذلك بمعنى إن مشروعية التقية يكون عند خوف الضرر من جهة ظهور المخالفة لهم في المذهب أو من جهة أذاهم من إتيان الفعل المخالف لمذهبهم.
والظاهر هو الثاني كما هو ظاهر جملة من عمومات التقية مما تضمنت خوف الضرر والمشتملة على تعليل مشروعية التقية بصون الشيعة أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ويؤيد ذلك ما ورد من التعليل بأنهم يقولون: (رحم الله جعفراً فقد أدب أصحابه)، ثم إنه هل يشترط في وجوب التقية كون الضرر المخوف معتداً به أم تجوز التقية فيما إذا كان الضرر المخوف يسيراً نادراً؟ الظاهر الثاني للأدلة السابقة ولما هو المحكي عن كتاب التقية عن الصادق (ع) أنه قال: (إن التقية لأوسع ما بين السماء والأرض) وربما احتمل الأول استناداً إلى ما في صحيح زرارة (ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج) بناء على أن المراد (لا أتقي فيهن أحداً) إذا لم يبلغ الخوف على النفس أو المال أو العرض وإن لحقه أدنى مشقة فيها، وإنما تجوز التقية في ذلك عند الخوف الشديد على النفس أو المال أو العرض. وفيه مالا يخفى إلّا أنه يمكن أن يقال إن الإطلاق في الأخبار المتقدمة محمول على الأفراد الغالبة المتعارفة وهي ما إذا كان الضرر
شديداً لا يتحمل مثله وأما إذا كان ضرراً يسيراً يتحمل مثله، عادة بلا مشقة فلا بعد في ارتفاع التقية بذلك كما إذا أمره الجائر بالزنا أو شرب الخمر وأمكن دفع الضرر المخوف منه بشيء من المال يتحمل عادةً فلا بعد في وجوب بذل المال وعدم ارتكاب ذلك الأمر العظيم الخطير.
المطلب الخامس: وجوب التقية في الفتوى
تجب على الفقيه التقية في الفتوى بأن يفتي بما وافق العامة تقية إقتداءاً بالأئمة الطاهرين، واستناداً إلى عموم الأخبار المتقدمة وإطلاقها، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الكشي في رجاله بإسناده عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (ع): (إني اقعد في المسجد فيجئ الناس فيسألونني فإن لم أجبهم لم يقبلوا مني، وأكره أن أجيبهم بقولكم: وما جاء عنكم فقال لي: أنظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك) ويدل عليه أيضاً ما في خبر معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد الله (ع) قال: (إني اقعد في المسجد فيجئ الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجئ الرجل أعرفه بمودتكم فأخبره بما جاء عنكم ويجئ الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو؟ فأقول: جاء عن فلان كذا أو جاء عن فلان كذا فأدخل قولكم فيما بين ذلك قال: فقال لي: اصنع كذا فإني كذا اصنع).
ثم إن للفقيه أن يفتي للعامّي بالعمل على طبق المخالف إذا خاف على العامي الضرر بالعمل بالواقع وإن كان العامي لم يلتفت إلى الضرر بالمخالفة أو يعتقد عدم الضرر بها أو لم يبالِ بها. ويدل على ذلك خبر علي بن يقطين حيث أمره الإمام بالوضوء على طبق المخالفين ثم لما زال خوفه عليه أمره بالوضوء على طبق الواقع. ويدل عليه أيضاً أمر الإمام بالصلاة معهم جماعة في أول الوقت ونحو ذلك دون أن يقيد ذلك بخوف الشيعة الضرر من تركها، ولعل هذا هو المرتكز في أذهان الشيعة كما يظهر من الموثق أو الحسن في التهذيب عن زرارة عن حمران قال: قال لي أبو عبد الله (ع): (إن في كتاب علي (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، قال: زرارة قلت له: هذا ما لا يكون. اتقاك عدو الله اقتدي به؟ قال حمران: كيف اتقاني وأنا لم أسأله هو الذي ابتدأني؟ وقال في كتاب علي(ع):إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم. كيف يكون هذا منه تقية؟ قال: قلت قد اتقاك. وهذا مما لا يجوز حتى قضى أنا اجتمعنا عند أبي عبد الله(ع)فقال له حمران: اصلحك الله حدثت هذا الحديث الذي حدثتني به أن في كتاب علي(ع)إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، فقال: هذا ما لا يكون عدوا لله فاسق لا ينبغي أن تقتدي به ولا تصلي معه، فقال أبو عبد الله(ع)في كتاب علي(ع):إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومّن من مقعدك حتى تصلي ركعتين أخريين قلت فأكون قد صليت أربعاً لنفسي لم اقتدي به؟ فقال: نعم. فسكت وسكت صاحبي ورضينا).
المطلب السادس: اختلاف التقية باختلاف الأحوال
لا ريب في اختلاف التقية بحسب اختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة فربما كان بعض الأشخاص لا يخشى الضرر على نفسه ولا على غيره كما إذا كان سلطاناً أو آمناً من المطّلع، فربما كان بعض الأمكنة لا يتخيل الضرر فيه. وبالجملة فصاحب التقية أعلم بها حين تنزل به، فقد روىثقة الإسلام في الكافيعن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (ع) قال: (التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعرف بها حين تنزل به). وعنجامع الأخبارأن الصادق (ع) قال: (التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به).
المطلب السابع: اعتبار عدم المندوحة في التقية
إنه اعتبر بعضهم في جواز التقية عدم المندوحة والعجز عن أداء العمل على النهج المشروع بحيث إن التقية لا تجوز مع إمكان الفرار منهم والتخلص عنهم والتستر عنهم في إتيان العمل على طبق معتقده، ويحكى هذا القول عن جماعة منهمالمحقق والعلامة وصاحب المدارك
والأغا البهبهانيفذهبوا إلى وجوب تأخير العمل مع سعة الوقت ورجاء التمكن في آخره، ويجب الانتقال من مكان التقية إلى مكان آخر أو إخراج من يتقى منه بإزعاجه أو الاعتذار منه أو إسدال الستار بينه وبينه ونحو ذلك من التخلص. وذهب جماعة إلى عدم اعتبار ذلك وأن التقية ليست على حد سائر الضرورات المبيحة للمحظورات، وأن التقية أوسع دائرة من سائر الأعذار فلا يعتبر فيها عدم القدرة على التخلص بالحيل والمعالجات فلا يجب على الحاضر في ملأ المخالفين أن يتستر عنهم في وضوئه وصلاته، فإن المعتبر فيها خوف الضرر من تركها بحسب وضع الفاعل الحالي لحث الشارع على السلوك معهم كسلوك بعض الإخوان مع بعض. وبعبارة أخرى أنه يكفي مصادفة زمان العمل لحالة التقية. وحكي هذا القول عن الشهيد فيالبيان والروض والمحقق الثاني في جامع المقاصد واختاره العلامة الطباطبائي في منظومةحيث قال:
وفي اشتراط عدم المندوحة
قول ولكن لا أرى تصحيحه
وفصّل بعضهم بين ما إذا كان المأمور به في التقية بطريق الخصوص فتصح مطلقاً كالتقية في الوضوء بمسح الخف أو غسل الرجلين وبالصلاة متكتفاً فلا يشترط عدم المندوحة، وبين ما لم يرد بخصوصه أمر بل شملته عمومات الأمر بالتقية كالتقية بالوضوء بالنبيذ وبالصلاة مستدبر القبلة ونحو ذلك، فيشترط بعدم المندوحة، وينسب هذا التفصيلللمحقق الثاني(ره) فيفوائده.