بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 56

ثم إن للفقيه أن يفتي للعامّي بالعمل على طبق المخالف إذا خاف على العامي الضرر بالعمل بالواقع وإن كان العامي لم يلتفت إلى الضرر بالمخالفة أو يعتقد عدم الضرر بها أو لم يبالِ بها. ويدل على ذلك خبر علي بن يقطين حيث أمره الإمام بالوضوء على طبق المخالفين ثم لما زال خوفه عليه أمره بالوضوء على طبق الواقع. ويدل عليه أيضاً أمر الإمام بالصلاة معهم جماعة في أول الوقت ونحو ذلك دون أن يقيد ذلك بخوف الشيعة الضرر من تركها، ولعل هذا هو المرتكز في أذهان الشيعة كما يظهر من الموثق أو الحسن في التهذيب عن زرارة عن حمران قال: قال لي أبو عبد الله (ع): (إن في كتاب علي (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، قال: زرارة قلت له: هذا ما لا يكون. اتقاك عدو الله اقتدي به؟ قال حمران: كيف اتقاني وأنا لم أسأله هو الذي ابتدأني؟ وقال في كتاب علي‌(ع):إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم. كيف يكون هذا منه تقية؟ قال: قلت قد اتقاك. وهذا مما لا يجوز حتى قضى أنا اجتمعنا عند أبي عبد الله‌(ع)فقال له حمران: اصلحك الله حدثت هذا الحديث الذي حدثتني به أن في كتاب علي‌(ع)إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، فقال: هذا ما لا يكون عدوا لله فاسق لا ينبغي أن تقتدي به ولا تصلي معه، فقال أبو عبد الله‌(ع)في كتاب علي‌(ع):إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومّن من مقعدك حتى تصلي ركعتين أخريين قلت فأكون قد صليت أربعاً لنفسي لم اقتدي به؟ فقال: نعم. فسكت وسكت صاحبي ورضينا).

المطلب السادس: اختلاف التقية باختلاف الأحوال‌

لا ريب في اختلاف التقية بحسب اختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة فربما كان بعض الأشخاص لا يخشى الضرر على نفسه ولا على غيره كما إذا كان سلطاناً أو آمناً من المطّلع، فربما كان بعض الأمكنة لا يتخيل الضرر فيه. وبالجملة فصاحب التقية أعلم بها حين تنزل به، فقد روى‌ثقة الإسلام في الكافي‌عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (ع) قال: (التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعرف بها حين تنزل به‌). وعن‌جامع الأخبارأن الصادق (ع) قال: (التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به‌).

المطلب السابع: اعتبار عدم المندوحة في التقية

إنه اعتبر بعضهم في جواز التقية عدم المندوحة والعجز عن أداء العمل على النهج المشروع بحيث إن التقية لا تجوز مع إمكان الفرار منهم والتخلص عنهم والتستر عنهم في إتيان العمل على طبق معتقده، ويحكى هذا القول عن جماعة منهم‌المحقق والعلامة وصاحب المدارك‌


صفحه 57

والأغا البهبهاني‌فذهبوا إلى وجوب تأخير العمل مع سعة الوقت ورجاء التمكن في آخره، ويجب الانتقال من مكان التقية إلى مكان آخر أو إخراج من يتقى منه بإزعاجه أو الاعتذار منه أو إسدال الستار بينه وبينه ونحو ذلك من التخلص. وذهب جماعة إلى عدم اعتبار ذلك وأن التقية ليست على حد سائر الضرورات المبيحة للمحظورات، وأن التقية أوسع دائرة من سائر الأعذار فلا يعتبر فيها عدم القدرة على التخلص بالحيل والمعالجات فلا يجب على الحاضر في ملأ المخالفين أن يتستر عنهم في وضوئه وصلاته، فإن المعتبر فيها خوف الضرر من تركها بحسب وضع الفاعل الحالي لحث الشارع على السلوك معهم كسلوك بعض الإخوان مع بعض. وبعبارة أخرى أنه يكفي مصادفة زمان العمل لحالة التقية. وحكي هذا القول عن الشهيد في‌البيان والروض والمحقق الثاني في جامع المقاصد واختاره العلامة الطباطبائي في منظومةحيث قال:

وفي اشتراط عدم المندوحة

قول ولكن لا أرى تصحيحه‌

وفصّل بعضهم بين ما إذا كان المأمور به في التقية بطريق الخصوص فتصح مطلقاً كالتقية في الوضوء بمسح الخف أو غسل الرجلين وبالصلاة متكتفاً فلا يشترط عدم المندوحة، وبين ما لم يرد بخصوصه أمر بل شملته عمومات الأمر بالتقية كالتقية بالوضوء بالنبيذ وبالصلاة مستدبر القبلة ونحو ذلك، فيشترط بعدم المندوحة، وينسب هذا التفصيل‌للمحقق الثاني‌(ره) في‌ف‌وائده‌.


صفحه 58

الأدلة على اعتبار عدم المندوحة في التقية:

إستدل للقول الأول وهو اشتراط عدم المندوحة بوجوه:

الوجه الأول:أصالة بقاء التكليف عند وجود المندوحة اقتصاراً فيما خالف الواقع على موضع اليقين مؤيداً بالعمومات المانعة من العمل بسنتهم والمانعة من الاقتداء بهم. ولكن هذا الأصل إنما يتم إذا لم تتم أدلة الأقوال الأخر.

الوجه الثاني:أخبار عدم التقية في مسح الخفين، فإن المراد بها صورة المندوحة لإجماع القوم على وجوب التقية في المسح مع عدم المندوحة، وبضميمة عدم الفصل يتم المطلوب. ولكن المحتمل اختصاص عدم التقية في ذلك بالإمام (ع) فقط دون شيعته. ويحتمل وجوه أخر سيجي‌ء إن شاء الله في المطلب العاشر.

الوجه الثالث:قد عرفت في المطلب الرابع اعتبار خوف الضرر بإتيان العمل على طبق الواقع، ومع وجود المندوحة ينتفي خوف الضرر بإتيان العمل على طبق الواقع والغريب من المرحوم المحقق‌الهمداني‌هذا الدليل بعدم انحصار مدرك التقية بقاعدة نفي الضرر، وإنما المعتمد هو أخبار التقية وهي مطلقة غير مقيدة بعدم المندوحة ووجه الغرابة إن أخبار التقية كما عرفته في المطلب مقيدة بخوف الضرر بتركها وهو يستلزم عدم المندوحة من مخالفة الواقع، بل لعل لفظ (التقية) حيث إنه مأخوذ من الوقاية ظاهر في كون الفعل يعمل وقاية


صفحه 59

من ضرر الغير، فهي مأخوذ في مفهومها خوف الضرر والتوقي منه. وأما مجاراة الغير لا من جهة خوف الضرر فتسمى بالمداراة لا بالتقية.

الوجه الرابع:مكاتبة إبراهيم بن شيبة إلى أبي جعفر الثاني (ع) يسأله عن الصلاة خلف من يقول أمير المؤمنين وهو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح فكتب (ع): (إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذّن لنفسك وأقم فإن سبقك إلى القراءة فسبح‌). وقد نوقش فيها بأنها ضعيفة السند.

الأدلة على عدم إعتبار عدم المندوحة في التقية:

استدل للقول الثاني وهو عدم اشتراط عدم المندوحة بوجوه:

الوجه الأول:إطلاق النص بل وعمومه لما في صحيح زرارة المتقدم وغيره من قوله (ع): (والتقية في كل شي‌ء). وجوابه أنها منصرفة إلى صورة عدم المندوحة أفهل ترى أن الرجل الذي لا يعتقد وجود ضرورة عليه ولا يخاف عليه من كل أحد يرى هذه الأخبار تشمله؟ مضافاً لما عرفته من أن الخوف من الضرر مأخوذ في مفهوم التقية، مضافاً إلى تقييد وتخصيص تلك المطلقات والعمومات بالأخبار الدالة على اعتبار الخوف من الضرر في التقية. ومع المندوحة لا خوف من الضرر بترك التقية ويرشدك إلى صحة هذا التقييد والتخصيص أن‌


صفحه 60

الكل قد اجمعوا على تقييد أخبار التقية المطلقة بصورة عدم المندوحة العرضية ولو كان الإطلاق قد تم فلا فرق بين عدم المندوحة العرضية والطولية.

الوجه الثاني:إن ظهور أخبار التقية في التحريض عليها والترغيب فيها افترقت عن أدلة الأعذار، فإن منصرف تلك إلى عدم المندوحة بخلاف هذه الأدلة فإن لسانها لسان قول القائل: (الشجاعة سجيتي وسجية آبائي) فإنها ظاهرة في عموم الحكم لصورة وجود المندوحة وعدمها.

وجوابه قد عرفته من جواب الدليل الأول فإنه يرجع لدى الحقيقة إليه. وأما كون التحريض على التقية دليلًا على شمولها لصورة عدم المندوحة فهو من الغرابة بمكان فإن الواجبات يوجد التحريض عليها ولكنه لا يتعدى بذلك حدود موضوعاتها، فالتحريض على التقية لا يوجب التعدي عن حدود موضوعها وما أخذ فيها.

الوجه الثالث:ما ورد من الحث على صلاة الجماعة معهم حتى أن في بعضه (إن من صلى معهم كان كمن صلى مع رسول الله‌(ص)) منها ما عن‌الكافي‌عن الصادق (ع) في حديث قال: (صلوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شي‌ء من الخير) ومنها ما في رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (وصلوا معهم في مساجدهم‌) ومنها ما في‌


صفحه 61

رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (صلِّ معهم‌) ولعل الأخبار متظافرة في جواز الصلاة معهم مع أنه هناك مندوحة بالصلاة في بيته متخفياً عنهم وما ورد في المرور على العشارين منها ما في البحار عن الحسين بن سعيد عن أبن فضال وفضاله عن أبي بكير عن زرارة عن أبي جعفر قال: قلت: (أنا نمر بهؤلاء القوم فيستخلفونا على أموالنا وقد أدينا زكاتها قال (ع): يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم بما شاؤا، إلى أن قال: قال أبو عبد الله (ع): التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به‌) وما ورد في الغسل منكوساً منها ما رواه العياشي بسنده عن صفوان عن أبي الحسن (ع) في غسل اليدين قلت: (له يرد الشعر، قال (ع): إن كان عنده آخر فعل‌). والمراد بالآخر من يتقى منه إذ لا يمكن تقييدها بما إذا لم يتمكن من إيجاد صلاته في جميع الوقت إلّا مع التقية ورواية مسعدة بن صدقة من قول الصادق (ع) وتفسير (ما يتقى) مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شي‌ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى فساد الدين فإنه جائز. وموثقة سماعة في رجل يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة الفريضة قال (ع): (إن كان إماماً عدلًا فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن عدلًا فليبين على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له،


صفحه 62

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فإن التقية واسعة وليس شي‌ء من التقية إلّا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله‌)، فإن هذه الموثقة ظاهرة في الصحة مع وجود المندوحة بقرينة امتناع تخصيص صدرها المتضمن لحكم الإمام العدل بصورة عدم المندوحة، والتفكيك بين الصدر والذيل خلاف الظاهر خصوصاً بملاحظة التعليل بأن التقية واسعة. قال الشيخ الأنصاري: (إن الأمر بإتمام الصلاة على ما استطاع مع عدم الاضطرار إلى فعل الفريضة في ذلك الوقت معللًا بأن التقية واسعة يدل على جواز أداء الصلاة في سعة الوقت على جميع وجوه التقية بل على جواز كل عمل على وجه التقية وإن لم يضطر إلى ذلك العمل لتمكنه من تأخيره إلى وقت الأمن‌). وفي البحار عن حسين بن سعيد أيضاً عن معمر بن يحيى قال: قلت لأبي جعفر: (إن معي بضائع للناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشارين فيحلفونا عليها فنحلف لهم، قال (ع): وددت إني اقدر أن أجيز أموال المسلمين كلها وأحلف عليها كلما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية) فإنه أمرهم بالحلف على خلاف الواقع تقية مع أنه لهم مندوحة بأن لا يمروا عليهم أو لا أقل أن لا يقوموا بمثل هذا العمل فالأخبار يستفاد منها أن مجرد وقوع العمل بمحضر العامة مقتضي لوجوب التقية فيه من دون اشتراط عدم المندوحة وعدم التمكن من الإتيان به من دون تقية.


صفحه 63

والجواب عن ذلك ما تقدم منا من أن أدلة التقية دالة على وجوبها في مقام خوف الضرر ومعتبر خوف الضرر في صحة العمل المتقى فيه فلابد من تقييد هذه الأخبار ونحوها بخوف الضرر عند ترك التقية في ذلك فصلاة الجماعة معهم إنما تكون صحيحة وواجبة إذا كان تركها معهم يخاف الضرر منه لمعرفتهم عقيدته بذلك، وكانت معرفة عقيدته موجبة لضرره أو كان موجباً لغضاضتهم فلو فرض أنه بتركه للجماعة لا تعرف عقيدته كما لو كان قد صلّى معهم حتى عرفوا أنه يعتقد بمثل عقيدتهم فإنه لا تصح صلاته معهم بعد ذلك لعدم خوفه للضرر منهم بتركه للجماعة. ولو فرض أنه بمعرفتهم لعقيدته لا يضرونه فأيضاً لا تصح صلاته جماعة معهم لعدم خوفه لضرر منهم بتركه للجماعة. هذا هو مقتضى الجمع بين الأخبار لأن ظهور أخبار التقية في التقييد بخوف الضرر أقوى من إطلاق هذه الأخبار لصلاة الجماعة معهم تقية هذا كله لو قلنا بأن الأمر بالصلاة معهم من أوامر التقية، وأما لو قلنا كما قد استظهرنا ذلك فيما سبق من أن الأمر بها من جهة خوف الإمام (ع) عليهم نظير أمر ابن يقطين بالوضوء على نهجهم فهي خارجة عما نحن فيه. ومن هنا يتجه التفصيل المنسوب للمحقق الثاني بأن يقال إن ما ورد الأمر به بالخصوص كأمر ابن يقطين بالوضوء فلا يشترط فيه عدم المندوحة لأن خوف الضرر من الفاعل لم يؤخذ فيه وما لم يرد في أمربلخصوص يشترط فيه عدم المندوحة لأن عمومات التقية مقيدة بخوف الضرر. وأما رواية الشحام‌