(ومنها):المرسل المحكي عن الفقه الرضوي عن العالم (ع) قال لا تصلِّ خلف أحد إلا خلف رجلين أحدهما تثق بدينه وورعه، والأخر من تتقي سيفه وسوطه وشره وبواتقه وشنعته فصلِّ خلفه على سبيل التقية والمداراة.
(ومنها):ما عن دعائم الإسلام بسنده إلى أبي جعفر (ع): (لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامة إلا أن تخافوا على أنفسكم أن تشهروا أو يشار إليكم فصلوا في بيوتكم ثم صلوا معهم واجعلوا صلواتكم معهم تطوعا) فإن مقتضى هذه الأخبار أنه يعتبر في صحة التقية الخوف من الضرر بإطلاعهم على مخالفته لهم الذي هو الضرورة المعتبرة في التقية.
وأما روايات المرور على العشارين والحلف لهم تقية فنقول إنها أيضا مقيدة بالخوف من الضرر منهم لو سلك طريقا آخر وإلا فمع التمكن وعدم الضرر في سلوك طريق آخر لا نلتزم بجواز سلوك طريق العشارين والحلف لهم تقية.
وكيف كان فموضوع التقية هو خوف الضرر بتركها متحقق في المقام لأن تركه للتقية إما بسلوك آخر وهو يخاف الضرر بإطلاعهم عليه أو بسلوكه طريقهم ويترك التقية وهو أيضا يخاف الضرر أو يترك هذا العمل بالكلية وهو فيه أيضا ضرر عليه لانتفاعه به فترك التقية بأي صورة من الصور الثلاثة موجب لخوف الضرر فصح فعلها لتحقق موضوعها وهو خوف الضرر بتركها، وهكذا الحال في سائر المعاملات
فلا تصح التقية فيها إلا إذا خاف الضرر بترك التقية فيها الذي يكون بترك المعاملة أو بترك المجاملة. وبهذا ظهر لك فساد ما ذكره المحقق الهمداني (قدس سره) من (أن الذي يقتضيه الجمع بين الأخبار هو حمل الضرورة المعتبرة في مشروعيتها على الضرورة الفعلية حال العمل لا الضرورة في جميع الوقت لأن لسان الأخبار آبٍ عن تقييدها بها بل ومنافاته للتسهيل الذي عليه ابتناء شرع التقية لأن الالتزام بالتخلص بنفسه ضيق وحرج مع أن أعمال الحيلة وبذل الجهد في التقصي حال العبادة غير معروف من المعاصرين للأئمة (ع) فالقول باشتراطها بعدم المندوحة مطلقا ضعيف جدا.
نعم لا بد من الالتزام باشتراطها بعدم تمكنه من إيجاد الفعل الصحيح الواقعي حين إرادة امتثال أمره بمعنى عدم تمكنه في زمان ومكان صدور الفعل منه إلا من إيجاده على وجه التقية) انتهى ملخصا ومحصلا وقد عرفت فساده ووجوب التقييد للأخبار الدالة على اعتبار الضرورة والإضطرار لمخالفة الواقع في صحة التقية، ولا ريب أنه ليس بالضرورة إذا أمكن إيجاد العمل طبق الواقع بتغير المكان أو الزمان من دون خوف الضرر.
نعم لو كان بالتغيير للزمان والمكان خاف الضرر بذهاب الوهم فيه إلى أنه يعتنق مذهبا آخرا ولذا لو كان ترك المكان أو تأخير الصلاة أو عدم حضور الجماعة يذهب وهم المخالف إلى أنه يعتنق مذهبا آخرا أو كان فيه غضاضة وإيلاماً وأذية للمخالف كان الواجب عليه التقية
لحصول خوف الضرر بترك التقية بهذا النحو. قال المحقق الأنصاري (رضى الله عنه): (إن الأمر بالتقية لا يستلزم الأذن في امتثال تلك الأوامر لأن التحفظ عن الضرر أن تأدى بترك ذلك العمل وجب ولا يشرع الدخول في العمل المخالف للواقع بعد تأدي التقية بترك الصلاة، وإن فرضنا أن التقية ألجأته إلى الصلاة لا تتأدى بترك الصلاة كانت الصلاة المذكورة واجبة عينا لانحصار التقية فيها، فهي امتثال لوجوب التقية) انتهى ملخصا.
نعم يمكن أن يقال إن من باب المداراة لهم التي تقدمت أخبارها في آخر أخبار التقية يجوز مجاراتهم وإن وجدت المندوحة بل وإن لم تكن أي ضرورة، لكن الظاهر من الأخبار أن المداراة لهم مختصة بغير الواجبات والمحرمات وليست هي كالتقية. (والحاصل) إن المندوحة التي اعتبرنا عدمها في التقية يتصور على وجوه ثلاثة:-
(الوجه الأول):المندوحة بوجه التمكن حين العمل من موافقة الواقع بأن تكون المندوحة عرضية مثل أنه يمكنه عند إرادة التكفير للصلاة من جهة التقية الفصل بين يديه بأن لا يضع باطن إحداهما على ظهر الأخرى، ومثل أنه يمكنه عند غسل اليدين أن ينوي الغسل برجوع الماء من المرفقين. ولا خلاف في اعتبار عدم المندوحة بهذا الوجه في التقية لأنه مع التمكن من فعل الواقع حين العمل لم يكن مضطرا لمخالفة الواقع ولا خوف من الضرر عند إتيان الواقع. ومن هذا الباب وجوب قصد التورية إذا أمكن لو ألجأ للنطق بخلاف الواقع
تقية، ولذا في الأخبار أولت كلمات الأنبياء والأخيار المخالفة ظاهرها للواقع تقية بما يطابق الواقع فراجع أخبار التقية في البحار تجد الكثير من الأخبار في ذلك.
نعم هذا يتم لو ألتفت إلى المندوحة حين الفعل وأما إذا لم يلتفت أو خاف من أعمال المندوحة في إيجاد الوجه الصحيح فلا إشكال في صحة ما أتى به تقية لأنه إذ ذاك يكون له الخوف من الضرر بترك التقية الذي هو الميزان في صحة التقية.
(الوجه الثاني):المندوحة بوجه التمكن من إتيان العمل في مجموع الوقت على طبق الواقع أو التمكن من إتيانه على طبق الواقع في مغادرة المكان أو إخراج من يتقي منه أو إسدال ستر بينه وبينه بنحو المندوحة الطولية. وهذا قد عرفت منا اعتبار عدمه في التقية إذ مع التمكن المذكور لم يصدق الخوف من الضرر بترك التقية، وأما ما ورد من الأذن في الوضوء والصلاة تقية مع بقاء الوقت فبعد ضمه لباقي الأخبار الواردة في الباب وحمل بعضها على بعض يستفاد منها جواز الوضوء والصلاة معهم أول الوقت فمن جهة أنه يخاف الضرر بالتأخير لاحتمال أنه يوجب اعتقادهم بأنه يخالفهم في العقيدة كما تقدم ذلك منا وسيجيء إن شاء الله تعالى في الوجه الثالث توجيه أخر لها.
ومن الغريب من الشيخ الأنصاري (ره) ذهابه إلى عدم المندوحة بهذا الوجه لم يعتبره أحد وانه مخالف لظاهر الأخبار بل لصريح بعضها، ووجه الغرابة إن نزاع القوم في الوضوء عند مبحث
المسح على الخفين في اعتبار المندوحة بهذا النحو. وإن ظاهر أخبار التقية اعتباره لأنها دلت على اعتبار خوف الضرر من تركها ومع وجود المندوحة بهذا الوجه لم يخف الضرر بتركها. كيف وسيرة المتدينين على ذلك فإنهم يأخرون عباداتهم الموسعة عند ابتلائهم بالتقية. ثم ذكر (ره) فيما بعد ذلك ما حاصله إن الظاهر من أخبار التقية الأذن بالعمل بالتقية في الأفعال المتعارفة من دون الإلزام بترك ما يريدون فعله. مع لزوم الحرج في التخفي عن المخالفين بل ربما يؤدي التخفي إلى إطلاع المخالفين فيصير سببا لمراقبة المتقي وتفقدهم فيوجب نقض غرض التقية. انتهى ملخصا.
(ولا يخفى ما فيه) فإن أخبار التقية لا ظهور فيها في ذلك لأخذ الضرورة والاضطرار فيها صورة الحرج إذا لزم فهي داخلة في الضرر وصور خوف الإطلاع الموجب للضرر داخلة في خوف الضرر فتصح التقية وما ذكره المحقق الهمداني (ره) من أن المعتبر في التقية هو الضرورة الفعلية ولعله أراد به هو خوف الضرر حال إرادة إتيان العمل لا خوف الضرر مطلقا حتى مع تأخير العمل، وعليه فلو خاف الضرر حال إرادة إتيان العمل ولم يخف فيما لو أخره عن ذلك الوقت الإتيان بالعمل تقية ولا يجب عليه التأجيل للعمل (فاسد) لظهور أخبار التقية في خوف الضرر مطلقا.
(الوجه الثالث):المندوحة بوجه تبدل الموضوع كأن يطلب منه الغناء فيظهر نفسه أخرس، وكأن يترك التجارة لئلا يمر على العشارين
فيستعمل التقية. وكأن يترك الطلاق كليه لئلا يوقعه على وجه التقية إلى غير ذلك.
والظاهر إن عدم المندوحة أيضا معتبر في التقية بهذا الوجه فلو فرض أن له مندوحة كذلك لم تصح منه التقية لأنه لم يكن مضطرا إليها ولم يخف الضرر بتركها الذي هو معتبر في صحتها.
نعم لو كان في تلك المندوحة خاف الضرر بأن كان بتركه للتجارة يعسر عيشه أو بإظهاره الخرس يخشى سوء العاقبة فحينئذ صحت منه التقية لأنه بتركها بهذا النحو أيضا ضرر عليه. هذا لو قلنا بحرمة إيقاع الإنسان نفسه في المحرم كأن يذهب للطريق الذي يعلم أنه فيه الغناء والنساء السافرات المحرمة أو يعجز نفسه عن فعل الواجب كأن يشرب شيئا أو ينكح ليلا وهو يعلم أنه لا يتمكن من الغسل عند الفجر. وأما لو قلنا بأنه يجوز ذلك فله أن يمر على العشار وله أن يقصد المسجد ويوقع نفسه بالتقية كما يعجز نفسه عن الوضوء فيتيمم.
وقد يقال في ذلك أنه تسبب إلى فعل مكروه عليه أو مضطرا إليه أو متقي فيه، والفعل إذا كان كذلك فهو ليس بمحرم فلم يكن من التسبب إلى فعل المحرم. وفيه أن التسبب إنما كان للفعل نفسه من دون تلك العناوين وإن كان الفعل المذكور حال إيجاده غير مطلوب الترك ولا يستحق عليه العقاب باعتبار تلك الحالة إلا أنه يأثم بفعله لأنه يرجع لاختياره لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار وإلا لم يعاقب من ألقى نفسه في البئر باعتبار أنه عاجز عن حفظ نفسه في تلك الحالة.
(ودعوى) أنه إنما تسبب لإكراه الغير له على المحرم لا على المحرم نفسه مدفوعة بأن للخصم أن يدعي أن الإكراه على المحرم حرام، ولكن يمكن أن يقال بأن المتقي لم يصدر منه إلا المجيء للبلد أو المكان وهو في نفسه ليس بمحرم وإنما كان مقدمة لإكراه الغير له وهو إنما يكون محرما على الغير المكره بكسر الراء لا على المكره بفتح الراء على أن مقدمة المحرم ليست بمحرمة يؤيد ذلك مرسلة رفاعة التي رواها الكليني عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد عن علي بن الحكم عن رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال: (دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقال: ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا، فقال يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه وأنا أعلم والله أنه يوم من شهر رمضان فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله) فإن ظاهر هذه المرسلة أن الإمام (ع) قد أوقع نفسه في التقية وإلا كان في إمكانه (ع) أن لا يذهب. ولو كان ذهابه من جهة التقية لبين ذلك للرجل كما بين له إفطاره.
ومثلها مرسلة داود وهي ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أيوب بن نوح عن العباس بن عامر عن داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد الله (ع) أنه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: (أني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم وهو والله من شهر رمضان فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله
أصمت؟ فقلت: لا والمائدة بين يديه قال: فأدن فكل، فدنوت فأكلت، قال وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لأبي عبد الله (ع) تفطر يوما من شهر رمضان، قال: أي والله أفطر يوما من شهر رمضان أحب إليّ من أن يضرب عنقي).
(ومثلها)رواية خلاد وهي ما رواه الشيخ (ره) بإسناده عن محمد يعني ابن علي بن محبوب عن أبي مسروق النهدي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن خلاد بن عمارة قال: قال أبو عبد الله (ع): (دخلت على أبي العباس في يوم الشك وأنا أعلم أنه من شهر رمضان وهو يتغدى، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا من أيامك قلت لم يا أمير المؤمنين ما صومي إلا بصومك ولا إفطاري إلا بإفطارك، فقال: إدن. قال: فدنوت فأكلت وأنا والله أعلم أنه من شهر رمضان).
نعم هذه الروايات مضافا إلى إرسالها وضعفها أنه يمكن أن يقال إن اليوم الذي عند ولي المسلمين وسلطانهم يوم إفطار يكون على المسلمين إفطاره. ويكون تعليل الإمام (ع) بالخوف من أن يضرب عنقه مجاراة للراوي لاستنكاره ذلك على الإمام (ع) وإلا لعلل الإمام (ع) بالتقية.
ثم إنه لو كان العمل خاف الضرر من تركه فأتى به تقية ثم صارت له مندوحة في الإتيان به على طبق الواقع في الوقت أو خارجه كأن صلى جماعة تقية أول الوقت ووقف مع اليوم الثامن تقية لخوفه