إذا عرفت ذلك يظهر لك أن جريان الإستصحاب في محل الكلام إذا كان العذر مقارناً لأول الوقت لا وجه له أصلًا إذ الحكم في مورده غير متيقن في زمان ليكون الشك في بقائه فإن اليقين بثبوت الحكم في مقام الجعل وإن كان ثابتاً إلّا أنه غير مرتفع قطعاً لعدم احتمال النسخ على الفرض، وأما الحكم في غير مقام الجعل فلا يقين بثبوته إذ المفروض أن التكليف بغير المتعذر من الأجزاء والشرائط مشكوك الحدوث من أول الأمر فإذا فرض الفقيه مكلفاً تعذر عليه الإتيان بتمام المركب من أول الأمر فهو شاك في ثبوت الكم له ابتداء بلا سبق يقين منه ولو بالفرض والتقدير فلا يقاس ذلك بالشك في حرمة وطئ الحائض بعد انقطاع حيضها قبل الاغتسال، ولعمري إن ما ذكرناه لواضح لا يكاد يخفى على المحقق المزبور إلّا أن الجواد قد يكبو والمعصوم من عصمه الله هذا ما يقتضيه الأصل العملي- انتهى كلامه.
ولا يخفى ما فيه فإنه إذا سلمنا جريان الاستصحاب فيما ذكره من القسم الثاني فلابد أن يسلمه فيما نحن فيه لأنه فيما نحن فيه كان الحكم ميقن الثبوت للكل ومشكوك الثبوت للباقي باعتبار وحدته العرفية مع الكل. ودعواه أن الحكم غير متيقن في زمان إذ المفروض أن التكليف بغير المتعذر مشكوك الحدوث من أول الأمر فاسدة لأنها لو تمت لكان كل استصحاب لحكم عند بقاء موضوعه عرفاً غير جاري لأن موضوعه لم يكن باقياً وإلّا لما شك في ثبوت الحكم له
فالموضوع في حالة الشك لم يكن الحكم ثابتاً له من أول الأمر وإنما هو محتمل الثبوت له، وإنما أثبت له بواسطة الاستصحاب، والسر في ذلك هو ما ذكره القوم أنه عند الشك في الحكم من جهة تغيير الموضوع دقة لا عرفاً يكون البقاء صادقاً عرفاً فيتوجه الأمر به والنهي عن نقضه، وفيما نحن فيه بحسب الدقة قد تغير الموضوع ويكون الباقي الشك في حكمه شكاً بدوياً ولكن العرف لا يرى ذلك ويراه شكاً في البقاء والله العالم.
الدليل الثاني:الاستقراء بدعوى أنه قد استقرئنا أغلب أبواب الفقه فوجدنا القوم يتمسكون بقاعدة الميسور ولزوم الإتيان بالمقدور، كما في لزوم تحقيق النجاسة كماً وكيفاً عند تعذر زوالها، وكالغسل مرة وإن لم يطهر وفي غسلات الولوغ، ومنزوحات البئر، وتباعد البالوعة، وقيام غير التراب مقامه في التطهير، ووضوء الأقطع والجبيرة، وفي أعداد غسلات الوضوء والمضمضة وغسل اليد والمباشرة في جميع ما تعتبر فيه، وحكاية ما أمكن من الأذان والإتيان بسائر الدعوات المندوبة، وأعداد مسحات الاستبراء وخرطاته، وجلوس الحائض في مصلاها، ومندوبات الإحتضار والموت، والغسل بالقراح مع تعذر الخليط من سدر أو كافور ومن وراء الثياب، وقيام غير الساتر مقامه والواحد مقام الثلاثة في الكفن وكفاية التكبيرات في صلاة الميت، والممكن من التربيع للجنازة وطلب الماء وإن لم يكن
غلوة أو غلوتين، والمسح مقام الغسل وظهر اليد موضع بطنها وأحدهما مقام الاثنتين، والممكن من النوافل، وستر ما أمكن من العورة، ولزوم الصلاة عارياً وما أمكن من البعد بين المرأة والرجل في الصلاة، وارتكاب اقل المحذورين ولو اعتباراً في تعارض المكروهين أو الحرامين وقيام الاعتماد القعود والاضطجاع والاستلقاء مقام القيام وبعض القراءة والترجمة والملحون والذكر مقام الكل الصحيح، وفي المقدور من انحناء الركوع ونحوه من سائر الأجزاء والشرائط وأداء المقدور من الحقوق الواجبة المالية كلها وحركة الرجلين لمن نذر المشي في فرض الكفارات على العدد، ولزوم الكف عن المفطرات وإن أفطر ولزوم المقدور من الصيام والإطعام، وتقديم المعتكف أقل الطريقين ظلا، واستنابة العاجز عن الحج وكون النائب من الأقرب إلى بلده، وصرف المال القاصر عن الحج الموصى به في وجوه البر، ولزوم الأقرب إلى الميقات لو أمكن وفي انتقال حكم العضو الأصلي إلى الزائد، وتقدر الضرورة إلى ترك واجب أو فعل محرم بقدرها، وإحياء بعض الليلة وتباعد الرامي وصفات الجمار والهدي وذبح هدي القِران وإن لم يبلغ محله وإمرار فاقد الشعر الموسى على رأسه، (وان من نذر الحج ماشياً فلم يتمكن يحج راكباً، وإن من نذر ركعتين قائماً فلم يتمكن يصلي جالساً)، والمقدور من الأمر بمعروف أو النهي عن منكر، وإجراء الحدود والأحكام ومراعاة الوكلاء والأمناء والأولياء المصالح درجة بعد درجة، وذبح الواقع في
البئر من دون شرائطه، ومسألة فوات الفور وفوات القيد من زمان أو مكان أو وصف أو حالة ذاتي أو عرضي قابل للتبدل، ومن أوصى بصرف ماله في بناء مسجد في مكان مخصوص ولم يفي بذلك أو تلف بعض المال فإنه يبني بباقي المال مسجداً آخر، وظاهر المحكي عنالشيخحيث حكم بأن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون بالمثل أو القيمة عند تعذر المسمى إن مدركه هو القاعدة بفساد العقد والميسور هو المثل أو القيمة. ونظائر ذلك مما لا يخفى على المتتبع، مضافاً إلى أن الأعم الأغلب في الفقه هو وجوب الإتيان بالباقي لنص أو إجماع أو غير ذلك والمشكوك يلحق بالأعم الأغلب.
ولا يخفى ما فيه فإن هذا الاستقراء يفيد الظن وهو ليس بحجة.
الدليل الثالث:ما روي عنغوالي اللئاليعن النبي (ص) ورواه جدي الهادي (ره) عندعائم الإسلامورواه الأصحاب في كتب الفروع وهو قوله (ص): (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) وقد وقع التمسك بهذا الحديث من بعضهم لإثبات أن الأمر للندب وهو مبني على أن المراد بالاستطاعة المشيئة. ومن آخر لإثبات كون الأمر للتكرار وهو مبني على أن المراد ب- (من) الباء و (بما) المصدرية النائبة عن الزمان أي فأتوا به مدة استطاعتكم. ومن ثالث لإثبات عدم جواز التكليف بغير المقدور رداً على الأشاعرة القائلين به ومن رابع لإثبات عدم سقوط التكليف بالمركب بتعذر
بعض أجزائه كما هو محل الكلام. وتقريب الاستدلال بهذه الرواية أن (من) في قوله (ع): (منه) ظاهرة في كونها تبعيضية لكونها قد وقع بعدها ما هو بعض من المجرور بها نظير [خذ من أموالهم صدقة]، كما أن كلمة (ما) في قوله (ع): (ما استطعتم) ظاهرة في كونها موصولة، فيكون مفاد الحديث لزوم الإتيان بما هو المقدور من أجزاء المأمور به وشرائطه. وقد أورد على الاستدلال بها:
الإيراد الأول:بما ذكره بعض أساتذة العصر من عدم ثبوت الرواية على النحو المذكور فإنها وإن كانت مروية في صحيح مسلم في باب فرض الحج مرة في العمر بالنحو المذكور إلّا أنها مروية في سنن النسائي في باب وجوب الحج الذي هو أيضاً من الصحاح عندهم بوجه آخر وهو قوله (ع) في آخر الرواية: (فإذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، ومن الظاهر أن كلمة (ما) في هذه الرواية لا تصلح إلّا أن كون ظرفية زمانية فمفادها وجوب الإتيان بالمأمور به عن الاستطاعة والقدرة، وهو أجنبي عما نحن بصدده، فإذا كان متن الرواية منقولًا بطريقين مختلفين في المفاد لم يصح الاستدلال بها على أحد الطريقين. لا يقال إن اختلاف الطريق لا يضر بالاستدلال بعد كون أحدهما منجبراً بالشهرة عند الأصحاب دون الآخر. فإنه يقال الرواية كما نقلت بوجهين في كتب العامة نقلت بوجهين في كتب الخاصة أيضاً، فلا وجه لدعوى إنجبار أحد الطريقين دون الآخر فالمنجبر على تقدير
تسليمه إنما هو أحد الروايتين إجمالًا، فلا يصح الاستدلال بخصوص إحداهما مع عدم ثبوت إنجبارها. قالالمجلسيفي باب صلاة العراة من كتاب البحار ص 95: (وحكىالشهيد(ره) فيالذكرىعن شيخهالسعيد عميد الدينأنه كان يقوّي جلوس القائم ليومي للسجود جالساً استناداً إلى كونه حينئذ أقرب إلى هيئة الساجد فيدخل تحت قوله: فأتوا به ما استطعتم). ويظهر من هذا الكلام أنالشهيدوشيخه نقلا الرواية بالباء وارتضاهالمجلسيفإذاً لم يثبت كون المنقول في كلمات أصحابنا الإمامية كلمة (من).
ولا يخفى ما فيه فإنه من رجع إلى كتب الأصحاب لم يجد أحداً رواها بلفظ (به) أصلًا إلّا المجلسي (ره) وهو حاكي لها عنالذكرىوهو لا يضر بمتن الرواية، فإن مخالفة الواحد في المتن كما قرر لا يعتنى بها في الرواية لبناء العقلاء على ذلك، هذا مضافاً إلى أن نسخةالذكرىالتي نقل عنهاالمجلسيكانت بلفظ (منه)- راجع مبحث فقد الساتر- فيالذكرىفالقاعدة تقتضي تصحيح عبارةالمجلسيبإبدال لفظ (به) ب- (منه) حتى لو كانت العبارة بخطه فكيف وهي مطبوعة والطبع فيه الكثير من الغلط؟
والحاصل إن صحة المتن والأخذ به من باب بناء العقلاء ليس إلا لأن العقلاء لا يعتنون بنقل الواحد لشيء عن كتاب مع أنه لا يوجد في نفس ذلك الكتاب ذلك الشيء مع أن الموجود فيه مطابقاً لنقل الأصحاب، وأما ما ذكره من أن الرواية مأخوذة من خبرأبي
هريرةفهو لا وجه له فإن المشهور قد تمسكوا بالرواية من دون تعرض أو إشارة إلى أخذها من الخبر المذكور، بل تمسكهم بها في المقام مما يدل على عدم أخذها من الخبر المذكور لأن وجوب الإتيان بالأجزاء الميسورة من الواجب الذي إستفاده القوم من الرواية أجنبي عن مورد الخبر المذكور فلا يعقل أن يتمسك به أولئك النياقدة من أرباب الفن مع أن أبا هريرة لا يعتمدون أصحابنا على نقله فمن البعيد أن يتمسكوا بروايته، وبهذا ظهر أن الرواية المتمسك بها في المقام أجنبية عن خبرأبي هريرة.
الإيراد الثاني:ضعف سندها كما فيالفصول. وجوابه إن مثلالشيخ الأنصاري(ره) قد ذكر بضرس قاطع أن ضعف سندها مجبور باشتهار التمسك بها بين الأصحاب في أبواب العبادات، وذكر صاحبالعناوينفي هذه الرواية أن شهرتها في كتب الفقهاء بل في أَلسنة العوام والخواص مما تورث الظن القوي بصدور هذه الأخبار ظناً أعلى من الخبر الصحيح بالاصطلاح المتأخر. ودعوى أن الشهرة ليست إلّا عند المتأخرين مدفوعة باشتهار الكلمة عند القدماء أيضاً بل هذا الانتشار بين العوام والخواص مما يكشف عن كون ذلك في الاعصار السابقة كذلك. وبالجملة الطعن في الرواية من حيث الانجبار ليس في محله، مضافاً إلى حكاية جماعة شهرة هذه الرواية وكونها مفتي بها عند الأصحاب مع أنا نرى في أبواب متفرقة في الفقه أفتى الأصحاب في فروع هذه القاعدة وليس لهم مستند في
ذلك إلّا هذه الأخبار، فيكون شهرة في الفتوى وإن لم تكن في الرواية وهي تصلح جابراً على ما حقق في محله.
الإيراد الثالث:بأن إحتملات الرواية ثلاثة:
الإحتمال الأول:ما تقدم من كون كلمة (ما) موصولة أو موصوفة ومعمولًا للإتيان، وكون كلمة (من) تبعيضية من الشيء باعتبار كونه مركباً خارجياً نظير اشتريت من الدار نصفها، ويصير المعنى فأتوا بعضه المستطاع لكم أو فأتوا بعضه الموصوف بأنه المستطاع لكم.
الإحتمال الثاني:أن تكون كلمة (ما) موصولة وتكون كلمة (من) تبعيضية من الشيء باعتبار كونه طبيعة. والتبعيض يكون باعتبار أفرادها ويصير حاصل المعنى إذا أمرتكم بطبيعة فأتوا ما استطعتم من أفرادها نظير قوله (ع): (كل شيء حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) فإن الفرد بعض الطبيعة الكلية كما أن الجزء بعض المركب، وعليه فكلمة (من) في كلا الاحتمالين مستعملة في التبعيض وإن كان التبعيض يختلف باختلاف موارده فكما أن كلمة (من) في قولك اشتريت من البستان نصفه مستعملة في التبعيض، كذلك الحال في قولك: لا أملك من البستان إلّا واحداً.