بإفطاره ويصلي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك موسعاً عليه فيه) وهو واضح الدلالة كسابقه العاشر موثقة سماعه.
(الثالث عشر):وأن مثل الوضوء إذا وجد فلا ينقضه إلا الحدث لقوله (ع): (إذا توضأت فإياك أن تحدث وضوء حتى تستيقن أنك قد أحدثت وارتفاع التقية ليس من الحدث في شيء) وفيه أن الخصم يدعي إن أمد الوضوء ينتهي بالخروج عن التقية فنحن نلتزم بأن الوضوء إذا بقى سببه لا يصح نقضه إلا بالحدث، وإنما كلام في مقدار بقائه واستعداده مع زوال سببه وهو التقية.
الأدلة على عدم إجزاء التقية:
واستدل للقول بوجوب الإعادة والقضاء وعدم ترتيب آثار الواقع بأدلة:
(الدليل الأول):هو أدلة التكاليف الواقعية الأولية ك- (لا صلاة إلا بطهور) و (إذا قمتم إلى الصلاة فآغسلوا) وجوابه ما عرفته في الإيراد الثاني على الدليل الثاني على إجزاء أمثال الأوامر الثانوية عن الواقعية مضافاً إلى أن تلك الآيات والأخبار مختصة بغير المتطهر إجماعاً فلا تشمل المتطهر.
(الدليل الثاني):إن بدلية الناقص من التام إنما تثبت في حال التقية ولم يثبت بدليته منه مطلقاً فتختص بحال التقية فقط، لأن الضرورة تقدر بقدرها وجوابه إن مقتضى ذلك هو عدم جواز إتيان
العمل المتقي به بعد زوال التقية لا عدم بقاء آثار ه، وقد تقدم في أدلة إجزاء امتثال الأوامر الثانوية عن الواقعية توضيح ذلك فراجعه.
(الدليل الثالث):إن خبر علي بن يقطين المتقدم قد دلّ على أن بعد زوال التقية عليه أن يأتي بالوضوء الواقعي حيث قال فيه: (ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين وتوضأ كما أمرك الله إلى أن قال (ع) فقد زال ما كنا نخاف منه عليك والسلام) فإن أمره (ع) بالوضوء من الآن على الإطلاق يشمل حاله حتى لو كان على الوضوء أو الطهارة على وجه التقية بل ترك الإمام (ع) الاستفصال عن حاله دليل على ارتفاع الطهارة السابقة بمجرد الاطمئنان وزوال الخوف. نعم هو ظاهر في عدم وجوب قضاء ما سبق وإلا لأمره الإمام (ع) بالقضاء.
(وجوابه) إن الإمام (ع) ظاهر كتابه أنه ناظر إلى زوال الخوف على علي بن يقطين وأنه يعود إلى حاله السابقة فيتقي في موضع التقية ولا يتقي في غير موضعها، وليس بناظر إلى تجديده للطهارة أو إعادته للصلاة على أن أمر علي بن يقطين (ره) بذلك لم يكن من باب التقية لأن موضوع التقية كما عرفته في المطلب السابع هو أن يخاف الإنسان على نفسه الضرر العاجل أو الآجل، وعلي بن يقطين لم يكن يخاف على نفسه ذلك وإلا لفعله من دون أمر الإمام (ع) له، وإنما خاف الإمام (ع) عليه فأمر الإمام (ع) له بذلك من باب خوف الضرر على العبد لا من باب خوف العبد من الضرر فهو أجنبي عن التقية.
(الدليل الرابع):إن التقية لما أخذ فيها الاضطرار إلى العمل كان العمل المتقى به عبارة عن العمل الباطل المضطر إليه نظير من أضطر لا من جهة التقية بل من جهات أخرى إلى الصلاة من دون الطهارة فإنه يكون اضطرار إلى عمل باطل نظير الاضطرار إلى شرب الخمر والاضطرار لا يقتضي الإجزاء. وفيه ما عرفته أن أدلة التقية ظاهرة في بدلية المضطر إليه بنحو التقية من الواقع وأنه هو المطلوب لا الواقع.
(الدليل الخامس):إن أدلة التقية لو كانت تقتضي ترتب آثار الواقع على العمل المتقى به للزم فيما لو استعمل نجساً تقية باعتبار أنه عندهم طاهر أن لا يتطهر بعد ذلك مع أنه خلاف ضرورة المذهب.
وجوابه أن التطهر من ذلك لما لم يكن على خلاف التقية إذ لكل أحد أن يتطهر ويتنظف فهو لا تجري فيه التقية وبعبارة أخرى إن التقية إنما كانت في الاستعمال والاستعمال ليس من آثاره الطهارة للشيء المستعمل ولو فرض التقية في التطهير منه لم يلزم. وإن شئت قلت إن وجوب التطهير حكم مستقل مقدمة للصلاة أو الطواف أو نحوهما نظير وجوب الاستقبال في الصلاة والذبح فلو فرض أن القبلة كانت عندهم غير ما هي عليه فهو لا يجب أن يتقي بالصلاة إليها إذا لم يخف منهم وإلا وجب عليه ذلك فكذا ما نحن فيه.
(الدليل السادس):أنه لو كان المأتي به تقية مجزياً وصحيحاً للزم أنه لو طلق زوجته ثلاثاً تقية من دون شهود كان يحرم عليه الدخول فيها.
(وجوابه) إن التقية إنما كانت بصدور تلك الألفاظ منه وان له المندوحة بعدم القصد لذلك مع أنا إنما نقول بجواز ترتب الآثار على ذلك لا بوجوب ترتبها فإنا إذا قلنا بصحة الصلاة الصادرة تقية فإنا نقول بجواز عدم الإعادة والقضاء للصلاة لا بوجوب عدم الإعادة والقضاء، ففي الفرض المذكور يجوز له أن لا ينكحها حتى تنكح غيره ولا يجب عليه ذلك إلا إذا ابتلى بالتقية في ذلك أيضاً بأن صار زواجه بها من دون أن تنكح غيره خلاف التقية فإنه لا يجوز له ذلك.
(الدليل السابع):إن أخبار التقية لا يستفاد منها إلا جواز العمل كالصلاة متكتفاً والضوء بالنبيذ أما صحة هذا العمل واجزائه عن الواقع فلا لإمكان أن يكون منشأ الجواز هو أن العمل المتقى به كان فعله حراماً فأجازه الشارع في هذه الحال لا أن منشأ الجواز هو إيجاده فاقداً للشرط أو الجزء حتى يستلزم فعله الإجزاء (وفيه) إن ظاهر أخبار التقية في العبارات هو جواز نفس العمل وحليته بل وجوبه لأنه ليس بحرام في حد ذاته فتجويز الشارع له معناه اكتفاءه به عن الواقع بحيث لو أراد غير ذلك لكان عليه نصب القرينة وقد تقدم منا في مبحث إجزاء الأوامر العذرية ودلالتها لو أراد مجرد التجويز للعمل المتقى به لنصب القرينة.
(الدليل الثامن):وهو يقرب إلى السابع وهو الذي ذكره المحقق الهمداني (ره) وحاصله إن في غاية الإشكال الاستفادة من عمومات أخبار التقية صحة ما صدر من الأعمال تقية إذا أخل بشيء
من أجزائها أوشرائطها التي هي من مقومات ذلك العمل كالطهارة في الصلاة أو إطلاق الماء في الوضوء أو طهارته مما لم يرد فيه نص بالخصوص بل غاية ما يمكن استفادته منها كون التقية من الأعذار المسوغة للاخلال بالعبادة فتصح العبادة في مثل الفرض لا مطلقاً حتى فيما لو أخل بما لا يختص مقوميته بحال التمكن كالأمثلة المتقدمة ولذا لو صلى الظهر جمعة تقية لم يجز فتوى ونصاً فكذا لو صلى بلا طهارة فإنها ليست بصلاة لا اختيارية ولا اضطرارية وكذا الوضوء بالمسكر أو بماء متنجس فإنه ليس بوضوء أصلًا فالتقية إنما تبيح فعله بدلا من الواقع لا صحته وضوءاً وأن زعم العامة أنه وضوء فالوضوء بالنبيذ ليس إلا كمسح الحشفة بالحائط فكما أن الثاني لا يؤثر في إزالة الخبث فكذلك الأول لا يؤثر في رفع الحدث نعم لو تعلق به أمر بالخصوص ربما يظهر من ذلك الأمر كونه بعنوان أنه وضوء ممضاً شرعاً فيصح حينئذ ولكن الأخبار العامة لا تفي بذلك فما ذكره المحقق الثاني من التفصيل وجيه ولكن بعد التقييد بما إذا أخل بما لا يختص شرطيته بحال التمكن فتمثيله بالصلاة إلى غير القبلة في غير محله لأن وجوب الاستقبال من الشرائط الاختيارية التي لا تنفي شرعية الصلاة بتعذرها فالمدار في صحة المأتي به لو لم يدل عليه دليل خاص إنما هو كونه فرداً اضطرارياً لذلك العمل بحيث تسوغه سائر الضرورات لا مجرد كونه عبادة صحيحة لدى العامة فالإفطار لدى الغروب تقية مثلًا ليس إلا كالإفطار في يوم حكموا بكونه عيداً في كونه مفسداً للصوم اللهم إلا
أن يدل دليل خاص على خلافه فهذا هو الوجه في بطلان الوضوء بالنبيذ وأشباهه.
(والحاصل) إن الأخبار والأدلة الشرعية التي دلت على وجوب إيقاع المأتي به بعنوان كونه وضوءاً واقعياً امتثالًا لأمره الواقعي فهي تدل على عدم وجوب الإعادة وأما لو لم يكن مفاد الأدلة ذلك كما لو توضأ بالخمر تقية فلا لأن الأدلة لا تساعد على صحته ورافعيته للحدث (إن قلت) إن عمومات التقية مفادها جواز إيقاعه بهذا العنوان لأن مفادها إن التقية سبب لإباحة المحرمات سواء كان متعلق التقية بنفسه من المحرمات كشرب المسكر وترك الصلاة والصوم أو من أجل إفضائه إلى الإخلال بشرط الواجب كالتكتف في الصلاة أو ترك مسح الرجلين في الوضوء فإنه حرام لا لذاته ولا من أجل كونه إخلالًا بالضوء من حيث هو إذ لا محذور في شيء منهما بل من أجل إخلاله بالطهارة من حيث كونها شرطاً للصلاة الواجبة وأما حرمته من حيث التشريع فليست مما تبيحه التقية إذ لا ضرورة في القصد وإيجاد صورة الوضوء لغرض عقلائي كما في الغرض المحرم. فالمحرم الذي تبيحه التقية إنما هو الاقتصار في امتثال الأمر بالصلاة بفعلها فاقدة للشرط لأن فعلها بلا شرط كتركها رأساً يكون محرماً فالتقية تبيح ذلك ولازمه انتفاء الشرطية حينئذ وعليه فيكون الفرد الفرد المأتي به من العبادة تقية من المصاديق الحقيقية لماهية العبادة التي تعلق بها الأمر الإلزامي فيقصد بفعله للمتقي به امتثال الأمر بالعبادة ويترتب عليه جميع ما هو
من آثار ماهية العبادة مثل الإجزاء وغيره. (قلنا) هذا يتم في العبادات المستقلة كالصلاة ونحوها لأنها هي التي تكون محرمة الإخلال بشرائطها واقعاً. ومقتضى أدلة التقية عدم حرمتها حال التقية ولازمه عدم شرطية ما أخل به فيها حال التقية ولازمه إجزاء ما أتى به منها وأما المقدمات للعبادات الصادرة تقية بحيث يترتب عليها آثارها الخاصة فلا إذ ليس المحرم تركها واقعاً بالذات وإنما المحرم ترك ذيهاً واقعاً بالذات لأن وجوبها غيري فحرمة تركها غيرية فالرخصة المستفادة من عمومات أخبار التقية في ارتكاب المقدمات الناقصة لا تقتضي إلا رفع هذه الحرمة الغيرية وهو لا يقتضي إلا صحة الغير وانتفاء شرطيته الواقعية للعبادة المشروط بها حال التقية وأما صحة الشرط الذي كان على وفق مذهب العامة واعتباره في ماهية المشروط فلا كما إنها لا تدل على مدخلية مبتدعاتهم في صحة العبادة كالتكتف في الصلاة بل غاية مفادها رفع ما نعيته لا شرطية وجوده كما هو واضح فلو استنجى على مذهبهم تقية بمسح حشفته على الجدار لا تحصل الطهارة التي هي شرط للصلاة جزما. والرخصة للاستنجاء المذكور المستفادة من عمومات التقية لا تقتضي إلا رفع المنع عن الدخول في الصلاة واستعمال ملاقيه فيما يشترط بالطهارة حال التقية وكذا لو توضأ بالخمر تقية ينجس بدنه ولا يرتفع حدثه ولكن الشارع لما أذن في التقية ألقى شرطية الطهارة الواقعية للصلاة كأذنه بالصلاة في جلد الميتة الذي بنوا على طهارته بالدباغة لا أنه جعل هذا العمل المنجس للبدن شرطاً واقعياً للصلاة حال التقية قائماً مقام الشرط الواقعي إذ لا يساعد على
إثبات هذا المعنى شيء من الأدلة وإذا لم يثبت كون هذا العمل شرطاً واقعياً للصلاة حال التقية فبالطريق الأولى أنه لن يثبت من هذه الأدلة كون هذا العمل شرطاً للصلاة الأخرى غير الواقعة في حال التقية نعم لو ثبت من الشارع جواز إيقاع شيء من هذه الأفعال الصادرة تقية بعناوينها الخاصة بها بقصد امتثال أمرها الواقعي كما ثبت ذلك في الوضوء في الفروض المتقدمة لوجب حصوله لأن الأمر يقتضي الإجزاء عقلًا فيترتب عليه ما هو من آثاره إلا أنك قد عرفت أن أدلة التقية العامة لا تفي بإثبات هذا المعنى، وإن أبيت إلا عن ظهور هذه الأدلة العامة في جواز إيقاع الوضوء أيضاً بقصد الامتثال لأمره الواقعي فنقول إن هذا أيضاً لا يقتضي أزيد من كون الفعل المأتي به تقية مسقطاً لهذا الأمر. وأما كونه وضوءاً واقعياً بحيث عليه آثاره الوضعية كي لا يجب إعادته بعد زوال السبب فلا وهذا بخلاف ما لو قال الشارع يجوز الوضوء بهذه الكيفية أو يجوز تطهير محل النجو حال الضرورة بالأحجار كما هو ظاهر.
وقد ظهر لك مما قررناه اندفاع ما ربما يتوهم من أن مقتضى هذه العمومات صحة المعاملة الواقعة تقية ونفوذها ولو بعد زوال السبب (وتوضيح) الاندفاع إن النهي في المعاملات الفاسدة مرجعه إلى النهي عن ترتيب الآثار الصحيحة عليها أعني التصرف في الثمن والمثمن في البيع الفاسد كما أن النهي عن الطهارة الفاسدة خبثية كانت أو حدثية مرجعه إلى النهي عن ترتيب آثارها عليها فالتقية ترفع النهي عنها بمقدارها لا مطلقاً.